من لوحة على الجدران إلى عقلٍ يتوقع الأسوأ..كيف تمت برمجة الوجدان السوداني

عاطف محجوب (البحر(
مستشار برامج تنموية- اختصاصي الاتصال وتغيير السلوك والتغيير الاجتماعي
atif.mahgoub@gmail.com
هذه اللوحة التي كانت مرسومة على جدران كثير من المطاعم والمقاهي في السودان، و التي تبدو للوهلة الأولى مجرد مشهد درامي مثير .. رجلٌ معلق على شجرة، وتحت الشجرة أسدٌ ينتظر، وفي الماء تمساحٌ فاتحٌ فاه، وعلى الغصن أفعى تزحف نحوه، وكأن الحياة كلها قد اجتمعت عليه من كل الجهات. كثيرون رأوها، ومرّوا عليها، وربما ابتسموا أو علقوا عليها ساخرين. لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم.. هل مر ما فعلته بنا هذه اللوحة مرور الكرام أم كان لها و لغيرها من الموادالسمعية و البصرية التي تتكرر في حياتنا كل يوم تأثير علينا؟
هذه اللوحة لم تكن مجرد ديكور أو ذوق بصري شعبي عابر. بل يمكن أن نراها على نحو أعمق جزءًا من التربية الشعورية غير المعلنة التي تلقّتها أجيال كاملة دون أن تدري. فالصورة، حين تتكرر، لا تبقى صورة فقط. إنها تتحول، مع الزمن، إلى رسالة. والرسالة، حين تدخل البيت والحيّ والمقهى والذاكرة، لا تبقى خارج الإنسان… بل تستقر داخله. وهذه اللوحة، في تقديري، كانت تحمل رسالة خطيرة جدًا، وإن بدت بريئة.. أن الحياة حصار.أن الخطر يجيء من كل اتجاه .. أن احتمال النجاة معدوم أو صعب الحدوث. وأن الإنسان محاصر دائمًا بما هو أكبر منه. هذه ليست مجرد مبالغة بل هي في لغة علم الاتصال و علم النفس الاجتماعي طريقة كاملة في تأطير الواقع… حين يكبر الانسان وهو يرى، مرارًا، صورًا تجعل الوجود نفسه يبدو كمصيدة، فإن عقله لا يستقبل ذلك كـمشهد فني فقط، بل كجزء من تعريف العالم. وهنا تكمن الخطورة. لأن الإنسان لا يعيش فقط بما يقال له صراحة، بل يعيش أيضًا بما يتعرض له باستمرار حتى يصبح مألوفًا. ولهذا أعتقد أن هذه اللوحة كانت على نحو رمزي، تدريبًا بصريًا مبكرًا على فكرة أن الدنيا ليست ساحة إمكان، بل ساحة تهديد. ومن هنا تبدأ أشياء كثيرة. تبدأ طريقة التفكير. وتبدأ طريقة التوقع. وتبدأ العلاقة مع المستقبل. فالذي يتربى ولو ضمنيًا على أن العالم معادٍ، سيصير أكثر استعدادًا لتوقع الخسارة من توقع النجاح. وسيميل إلى قراءة الوقائع من زاوية الخطر لا الفرصة. وسيتقن بمرور الوقت مهارة اسمها (التحسب الدائم للأسوأ).
وقد يبدو هذا، أحيانًا، نوعًا من الذكاء أو الواقعيةأو الفهلوة الاجتماعية لكن حين يتحول إلى مزاج عام، فإنه لا يصنع شعبًا يقظًا…بل يصنع شعبًا مرهقًا. شعبًا يتوقع الخيبة قبل المحاولة ويخشى الفشل قبل البدء. ويتعامل مع الأمل كما لو كان سذاجة والمشكلة هنا ليست نفسية فقط بل حضارية أيضًا لأن المجتمعات التي تُربّى – ولو دون قصد- على تصور العالم بوصفه كمينًا دائمًا، يصعب عليها أن تبني خيالًا جمعيًا متفائلًا. يصعب عليها أن ترى المستقبل كمساحة صناعة. ويصعب عليها أن تنظر إلى التغيير بوصفه ممكنًا، لا بوصفه مخاطرة إضافية. بل إن الأمر لا يقف عند حدود التشاؤم الشخصي أو الخوف الفردي. فهذه السلبية، حين تستقر طويلًا في الوعي، تسهم أيضًا وبشكل فعّال في إقصاء الآخر وعدم تقبّله .. لماذا؟ لأن الذهنية السلبية لا تُدرّب صاحبها على رؤية الإنسان الآخر كفرصة، ولا كإضافة، ولا كاحتمال للتعاون أو التعلّم، بل تدربه في كثير من الأحيان، على أن ينظر إلى الآخر أولًا بوصفه تهديدًا. والإنسان الذي اعتاد أن يرى العالم كله مفترسات، سيسهل عليه أن يرى الناس بالطريقة نفسها. فبدل أن يسأل: ماذا يمكن أن أتعلم من هذا المختلف عني؟ قد يسأل، في داخله، دون أن يشعر ما الخطر الذي قد يأتي منه؟ وبدل أن يفتش عن فضائل الناس، يفتش عن عيوبهم. وبدل أن يرى في التنوع إمكانًا، يرى فيه ارتيابًا. وبدل أن يقرأ الاختلاف بوصفه ثراءً، يقرأه بوصفه تهديدًا للتماسك أو للمكانة أو للأمان النفسي. وهكذا، تتحول السلبية من مجرد مزاج متشائم إلى بنية اجتماعية مولّدة للإقصاء. ومن هنا يمكن أن نفهم جزئيًا على الأقل كيف تتعزز في حياتنا اليومية أنماط سوء الظن، سرعة التصنيف، تضخيم العيوب، العمى عن الإيجابيات، التربص بالخطأ وعدم منح الآخر فرصة عادلة وقد يكون هذا أحد الجذور الثقافية العميقة – لا الوحيدة طبعًا- ولكن المهمة لحالة اللا سلم الاجتماعي التي نعيشها في صور متعددة في الأسرة، وفي الحي، وفي العمل، وحتى في السياسة، وفي قدرتنا الضعيفة أحيانًا على التعايش مع الاختلاف. فالمجتمع الذي يُعاد تشكيل وجدانه على أن الحياة معركة مستمرة، يصير من السهل عليه أن يحوّل الناس أنفسهم إلى أطراف في هذه المعركة. وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا.. إذا كانت لوحة واحدة، أو نمط بصري واحد، يمكن أن يشارك ولو بنسبة صغيرة في بناء هذا الحس العام بالحصار، فكم من الأشياء الأخرى فعلت الشيء نفسه معنا؟ كم من الأشعار و الأغاني كررت المعنى ذاته؟ كم من الأمثال الشعبية ثبتته؟ كم من العبارات اليومية غذّته؟ كم من رسائل التوعية الرسمية رسخته من حيث لا تقصد؟ كم من “نكتة” أو “تعليق عابر” أو “عبارة دارجة” ساهمت في جعله طبيعيًا ومألوفًا؟ هنا، تحديدًا، تبدأ الفكرة التي أريد أن أتابعها معكم في هذه السلسلة. لأنني لا أزعم أن هذه اللوحة وحدها صنعت وعينا، ولا أن السلبية السودانية إن صح التعبير جاءت من صورة معلقة على جدار. لكنني أقول ان هذه اللوحة (هي و غالبية المحتوى المسموع و المرئي الذي نتعرض له بشكل يومي كسودانيين) نافذة نرى من خلالها شيئًا أكبر بكثير. نرى كيف يمكن للثقافة أن تُربّي الإنسان دون أن تعلن عن نفسها كمربٍ. كيف يمكن للصورة أن تصبح درسًا. وللنكتة أن تصبح موقفًا من الحياة. وللمثل الشعبي أن يتحول إلى عقيدة صغيرة. وللأغنية أن تعيد ترتيب المشاعر. وللرسالة التوعوية نفسها إن أُسيء بناؤها أن تغذي الخوف أكثر مما تبني الوعي. ولهذا، فإن المشكلة ليست في لوحة رجلٍ في شجرة يتناوشه خطر الموت بقبضة الاسد، فكي التمساح و سم الأفعى، المشكلة أن جيلاً كاملًا كبر وهو يرى الحياة بهذا الشكل. كبر وهو يتعلم بصمت أن الخطر أقرب من الفرصة. وبالتالي فإن الآخر قد يكون خصمًا قبل أن يكون شريكًا.. لكن السؤال الذي يجب أن يظل مفتوحًا الآن هو.. هل هذه هي الحياة فعلًا؟ أم هي صور و كلمات تكررت أمامنا حتى صدقناها؟
هذه اللوحة لم تكن، في نظري، حالة معزولة. لقد كانت مجرد بداية للنظر بتمعن لكل المحتوى المرئي و المسموع في محاولة لتقصي ما ساهم و يساهم به في تشكيل واقعنا.. وفي الأجزاء القادمة، سنحاول تتبع هذا الخيط و كيف تتراكم الرسائل الصغيرة، المتفرقة، المألوفة، حتى تصنع مزاجًا جمعيًا كاملًا… وعقلًا يتوقع الأسوأ ويتحسس الخطر وأحيانًا… يرفض الآخر قبل أن يتعرف إليه.





