بنك السودان المركزي في زمن الحرب: خطة تعافي أم وثيقة أمل؟ قراءة نقدية في الخطة الاستراتيجية الخمسية (2026-2030)

عمر سيد احمد   خبير مصرفي ومالي وتمويل مستقل.        O.sidahmed09@gmail.com      

في الحادي والثلاثين من ديسمبر 2025، وبينما كانت نيران الحرب لا تزال تلتهم أجزاء واسعة من السودان، أصدر بنك السودان المركزي وثيقته الاستراتيجية الخمسية التي أسماها “خطة التعافي والتحول الاستراتيجي (2026-2030)”. وثيقة تقع في ستة عشر صفحة، تتضمن ستة أهداف استراتيجية وثلاثين هدفاً عاماً ومئة وخمسين مبادرة وهدفاً تشغيلياً، موزعة على ستة محاور كبرى تغطي كل شيء من الاستقرار النقدي إلى التحول الرقمي والشمول المالي وإصلاح المؤسسات المصرفية. وثيقة طموحة بكل المقاييس، لكنها تطرح في الوقت ذاته سؤالاً جوهرياً لا يمكن تجاهله: هل يمكن لبنك مركزي أن يرسم مستقبل اقتصاد بلد لا يزال يحترق؟

السياق: حين تُولَد الخطط في زمن الحرب

لفهم هذه الوثيقة حق الفهم، لا بد من استحضار السياق الذي وُلدت فيه. منذ أبريل 2023، يخوض السودان حرباً مدمرة أفرزت كارثة إنسانية غير مسبوقة، وألقت بظلالها الثقيلة على كل مفاصل الاقتصاد الوطني. القطاع المصرفي الذي كان يعاني أصلاً من هشاشة هيكلية متراكمة، تعرّض لضربات موجعة طالت بنيته التحتية وكوادره البشرية وثقة المواطنين فيه. التضخم حلّق إلى مستويات قياسية، وانهار سعر الصرف، وشُحّت الاحتياطيات الأجنبية، وتقطّعت شبكات المراسلة المصرفية مع الخارج، وأصبح الوصول إلى الخدمات المالية في مناطق واسعة من البلاد ضرباً من المستحيل.

في هذا المناخ البالغ القسوة، جاءت كلمة محافظة البنك المركزي السيدة آمنة ميرغني حسن التوم لتضع الخطة في سياقها الحقيقي، إذ أقرّت بأنها أُعدّت في سياق بالغ التعقيد اتسم بعدم اليقين وتراجع الثقة وتآكل الموارد واختلال التوازنات الكلية، مؤكدةً أن الاستراتيجية ليست مجرد إطار نظري أو وثيقة تخطيطية تقليدية بل هي خارطة طريق عملية تراعي تدرّج التعافي. هذه الصراحة في التشخيص تُحسب للوثيقة، وتميّزها عن كثير من وثائق التخطيط الرسمية التي تُنكر واقعها أو تتجاهله.

بنية الخطة: طموح منهجي في بيئة استثنائية

تنهض الخطة على هوية استراتيجية واضحة؛ رؤية ترى نحو نظام نقدي ومالي رقمي شامل ومستقر يسهم في إعادة بناء الاقتصاد الوطني وتحقيق التنمية المستدامة، ورسالة تقوم على تعزيز الاستقرار النقدي والمالي عبر سياسات فعّالة ومؤسسات مالية ومصرفية قوية وبنية رقمية مبتكرة وشراكات محلية ودولية داعمة للتعافي والتنمية. وتستند إلى منظومة قيمية تشمل النزاهة والشفافية، والشراكة والتكامل، والابتكار والتحول الرقمي، والاستدامة والمسؤولية، والتعلم والمرونة.

أما أبرز ما يميّز هذه الخطة من الناحية المنهجية، فهو اعتمادها منهج التخطيط بالسيناريوهات المرنة الذي يُعدّ نهجاً متقدماً نادراً ما تتبنّاه مؤسسات الدول النامية في تخطيطها. تقترح الخطة ثلاثة سيناريوهات تُراجَع كل ستة أشهر: التعافي البطيء الذي يفترض استمرار هشاشة الأوضاع الأمنية والاقتصادية، والتعافي المتوازن الذي يفترض تحسناً تدريجياً مدعوماً دولياً بصورة محدودة، والانطلاق الذي يفترض استقراراً سياسياً سريعاً ودعماً دولياً قوياً وتدفقات موارد معتبرة.

تتوزع الخطة على ستة محاور متكاملة؛ يُعنى الأول بالاستقرار النقدي والمالي عبر خفض التضخم إلى رقم ثنائي بنهاية 2030 وضبط الاستدانة الحكومية وتنويع أدوات السياسة النقدية. ويتناول الثاني الحوكمة المؤسسية والتميز المؤسسي من خلال بناء أطر الحوكمة وتطوير نظم الأداء وبناء القدرات البشرية. ويُركّز الثالث على تعزيز وتكامل العلاقات الداخلية والخارجية بما فيها استعادة العلاقات مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والتأهل لمبادرة الدول المثقلة بالديون (HIPC). ويهتم الرابع بالشمول المالي الذي يتصدر أولوياته توسيع قاعدة المستفيدين من الخدمات المالية لا سيما في الأرياف والمناطق المهمشة. ويتمحور الخامس حول التحول الرقمي من بنية تحتية وأمن سيبراني ورقمنة تشغيلية. فيما يُخصَّص السادس لإصلاح المؤسسات المالية بما يشمل إعادة هيكلة المصارف المتعثرة ومكافحة غسل الأموال وتعزيز الحوكمة المصرفية.

ما يحسب للخطة: جدية التشخيص وعمق المنهجية

ثمة جوانب جديرة بالإشادة في هذه الوثيقة. فمن حيث المنهجية، تجاوزت الخطة النمط التقليدي للوثائق الرسمية المملوءة بالتمنيات المجردة إلى تبنّي أدوات إدارة استراتيجية حديثة، من أبرزها ربط كل هدف عام بمبادرات تشغيلية قابلة للقياس، واعتماد نظام مؤشرات الأداء الرئيسية (KPIs) متكامل يربط بين أداء الإدارات والموظفين والخطة الاستراتيجية، وإنشاء لوحة قيادة رقمية لعرض مؤشرات الأداء في الوقت الفعلي، وتنفيذ تقييم نصف سنوي وشامل للأداء المؤسسي والفردي.

ومن حيث الشمولية، لم تُغفل الخطة محوراً جوهرياً من محاور عمل البنك المركزي، بل أضافت أبعاداً غير تقليدية في وثائق البنوك المركزية كالشمول المالي الذي يستهدف الفئات المهمشة والريفية والنساء والشباب، وإدماج التقنيات المالية الحديثة في خدمة المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وإطلاق مبادرة التثقيف المالي في التعليم العام لتأصيل الوعي المالي منذ الصغر.

ومن حيث الواقعية النسبية، أقرّت الخطة بصراحة غير معهودة في الوثائق الرسمية بالتحديات الجسيمة التي تواجه تنفيذها، واختارت منهج التخطيط بالسيناريوهات بديلاً عن الخطط الخطية الجامدة تعبيراً عن إدراك حقيقي لحالة عدم اليقين. كما أن مراجعة السيناريوهات كل ستة أشهر تُعطي الخطة مرونة ديناميكية تفتقر إليها أغلب وثائق التخطيط الوطني.

ما يُؤخذ على الخطة: الفجوة بين الطموح والواقع

بيد أن القراءة النقدية المنصفة لهذه الوثيقة لا يمكن أن تتجاهل جملة من الإشكاليات الجوهرية التي تُضعف من قدرتها على التحقق الفعلي.

الإشكالية الأولى والأخطر هي ما يمكن تسميته فخ الافتراض الجغرافي. تنطلق الخطة من افتراض ضمني مفاده أن البنك المركزي يمارس وظائفه على كامل التراب الوطني، وهو افتراض لا يعكس الواقع الراهن بأي حال. مناطق واسعة من دارفور وكردفان والخرطوم ذاتها تقع إما خارج نطاق السيطرة الحكومية كلياً أو جزئياً، أو تعاني شللاً كاملاً في بنيتها المصرفية والمالية. وهذا يعني أن أهدافاً محورية كالشمول المالي وتوسيع الوصول إلى الخدمات المصرفية والتحول الرقمي تُبنى على فراغ جغرافي حقيقي. كيف يمكن الحديث عن رفع معدلات الشمول المالي في سودان يُهجّر ملايين مواطنيه ويُدمّر بنيته التحتية المصرفية في الوقت الذي تُكتب فيه الخطة؟

الإشكالية الثانية هي غياب التكلفة الجغرافية للحرب عن حسابات الخطة. لا تُقدّم الوثيقة أي تقدير موضوعي لحجم الدمار الذي لحق بالقطاع المصرفي في المناطق المتضررة، ولا تحدد نقطة البداية الفعلية التي ستنطلق منها كل مبادرة في كل إقليم على حدة. يجعل هذا الغياب الأرقام المستهدفة كخفض التضخم إلى رقم ثنائي بنهاية 2030 افتراضية أكثر من كونها مبنية على قاعدة تحليلية صلبة.

الإشكالية الثالثة تتعلق بمشكلة الشرعية والقبول الدولي. تعتمد الخطة اعتماداً واسعاً على استعادة العلاقات مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، واستقطاب برامج الدعم الفني والمالي الدولي، والتأهل لمبادرة إعفاء الدول الفقيرة المثقلة بالديون. غير أن هذه المسارات جميعها مشروطة بقبول دولي لا يزال محل تساؤل في ظل الأزمة السياسية القائمة، ومرهونة بوجود مسار سياسي واضح نحو السلام والتحول الديمقراطي لا تزال ضبابيته سائدة.

الإشكالية الرابعة هي السيناريو الصفري المغيّب. السيناريوهات الثلاثة المقترحة كلها تنطلق من فرضية أن الحرب في طور الانحسار أو النهاية. لكن التخطيط الاستراتيجي الرصين يستوجب مواجهة الاحتمالات القاسية بدلاً من تجاهلها. كان ينبغي أن تتضمن الخطة سيناريو رابعاً يتعامل صراحةً مع احتمال استمرار الحرب بوتيرتها الراهنة أو تصاعدها، ويجيب بوضوح عن سؤال مشروع: ماذا يستطيع البنك المركزي أن يُنجز في أسوأ الأحوال لحماية المودعين والحفاظ على الحد الأدنى من مهامه المؤسسية؟

الإشكالية الخامسة غياب الجداول الزمنية التفصيلية والميزانيات التقديرية. تُصدر الخطة مئة وخمسين مبادرة وهدفاً تشغيلياً دون أن ترفق بمعظمها جدولاً زمنياً تفصيلياً أو تقديراً مالياً للتكلفة، مما يُضعف أداة المتابعة والمحاسبة ويُبقي الخطة في منطقة الوعود القابلة للتأويل بدلاً من الالتزامات القابلة للقياس.

المفارقة التاريخية: التخطيط في زمن الحرب

ثمة مفارقة عميقة يعيشها هذا النص المؤسسي. فمن جهة، لا يمكن إنكار قيمة أن تُفكّر مؤسسة وطنية في مستقبلها وتضع خارطة طريق لمرحلة ما بعد الأزمة حتى في خضم الأزمة ذاتها، بل إن هذا التفكير الاستباقي هو بالضبط ما يميّز المؤسسات القادرة على الصمود والتجدد. ومن جهة أخرى، تبقى الخطة في جزء جوهري منها رهينة شرط لم تُسمّه بوضوح كافٍ: إيقاف الحرب وإعادة بسط السيادة على كامل التراب الوطني.

التجارب الدولية في إعادة بناء الاقتصادات ما بعد النزاع، من رواندا إلى موزمبيق إلى بوسنيا، تُعلّمنا درساً موحداً: الإصلاح المالي والمصرفي الجاد لا يُبنى في موازاة الحرب، بل يأتي في أعقابها ضمن حزمة متكاملة من الإصلاح السياسي والمصالحة الوطنية وإعادة بناء مؤسسات الدولة. وهذا لا يعني أن يتوقف البنك المركزي عن التخطيط، بل يعني أن يكون صريحاً في الإعلان عن هذا الشرط الجوهري بدلاً من إخفائه بين ثنايا السيناريوهات.

خاتمة: بين وثيقة التخطيط ووثيقة الأمل

الخطة الاستراتيجية الخمسية لبنك السودان المركزي (2026-2030) وثيقة مزدوجة الطابع. هي في آنٍ واحد وثيقة تخطيط مؤسسي جاد يعكس كفاءة فنية لافتة وإدراكاً حقيقياً لتحديات المرحلة، ووثيقة أمل وطني يُعبّر عن إرادة مؤسسة تأبى الاستسلام لليأس وتُصرّ على رسم مستقبل أفضل حتى في أحلك الأوقات. وكلا الوجهين محترم ومفهوم.

لكن ما بين وثيقة التخطيط ووثيقة الأمل مسافة ينبغي ألا تُطويها الأماني. مسافة اسمها السلام. فالاستقرار النقدي الذي تنشده الخطة لن يتحقق دون استقرار سياسي وأمني. والشمول المالي الذي تطمح إليه لن يصل إلى مواطن دارفور أو كردفان ما دامت المدافع تحكم قبضتها على الأرض. والتحول الرقمي الذي تتطلع إليه يحتاج إلى بنية تحتية سليمة لا إلى أنقاض مصارف محترقة.

الخطة إذن هي ما يجب أن يكون، لكن السلام هو ما يجب أن يكون أولاً. وعلى صانعي القرار السياسي في السودان وكل الأطراف المعنية بمستقبله أن يُدركوا أن كل يوم تمتد فيه الحرب هو يوم يتأخر فيه تطبيق هذه الخطة وأمثالها، ويوم تتراكم فيه الخسائر التي سيحتاج جيل كامل من السودانيين لتعويضها. وأن الخروج من هذا المأزق لا يبدأ من مكاتب التخطيط الاستراتيجي، بل يبدأ من طاولات التفاوض وغرف السلام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى