المواطن يئن.. أزمة خبز غير مسبوقة في السودان

أفق جديد
تشهد الأسواق في السودان موجة غلاء غير مسبوقة، تفاقمت حدتها خلال الأيام الأخيرة عقب الزيادة الكبيرة في أسعار الوقود، والتي انعكست مباشرة على تكاليف النقل وأسعار السلع الأساسية، وفي مقدمتها الخبز، الذي يُعد الغذاء الرئيسي لغالبية المواطنين.
وبحسب التسعيرة الرسمية، ارتفع سعر الخبز بشكل لافت، حيث حُدد سعر أربعة أرغفة بنحو 1000 جنيه سوداني، في زيادة أثقلت كاهل الأسر التي تعاني أصلًا من تدهور أوضاعها المعيشية، في ظل استمرار الحرب.
في المقابل، يواجه المواطنون صعوبة متزايدة في تأمين احتياجاتهم اليومية. تقول فاطمة محمد، وهي أم لخمسة أطفال في حديثها لـ”أفق جديد”: “كنا نشتري الخبز بسهولة، الآن أصبحنا نحسب كل رغيفة، أحيانًا نضطر لتقليل الوجبات أو استبدال الخبز بأشياء أقل تكلفة”.
أما محمد عثمان، موظف فقد عمله بسبب الحرب، فيصف الوضع بأنه “كارثي”. ويضيف في حديثه لـ”أفق جديد”: “لا يوجد دخل ثابت، والأسعار ترتفع كل يوم. الخبز وحده أصبح يكلف جزءًا كبيرًا من المصروف اليومي”.
تحديات كبيرة
يقول أحمد عبد الله، صاحب مخبز في أم درمان، في حديثه لـ”أفق جديد”، إن الزيادات الأخيرة وضعتهم أمام تحديات كبيرة، وتكلفة الدقيق ارتفعت بشكل مستمر، وكذلك الوقود المستخدم في الترحيل. حتى الكهرباء غير مستقرة، ونضطر أحيانًا لاستخدام الحطب لتشغيل الأفران، وهذا يزيد التكلفة أكثر.
ويضيف أن التسعيرة الرسمية لا تغطي في كثير من الأحيان تكاليف الإنتاج الفعلية، ما يضع أصحاب المخابز بين خيارين أحلاهما مر، إما الالتزام بالسعر وتحمل الخسائر، أو رفع الأسعار بشكل غير رسمي والمخاطرة بالمساءلة.
بينما أشار يوسف القنديل، صاحب مخبز آخر في مدينة بحري، إلى أن بعض المخابز أغلقت أبوابها بالفعل، وقال في حديثه لـ”أفق جديد”: “هناك مخابز لم تعد قادرة على الاستمرار، وانقطاع الكهرباء وارتفاع أسعار الدقيق والوقود يجعل العمل شبه مستحيل”.
ورأى الأستاذ في علم الاقتصاد، عمر عباس، إن البلاد تشهد البلاد في الفترة الأخيرة أزمة حادة في أسعار الخبز، تعود إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، من أبرزها ارتفاع تكلفة استيراد القمح نتيجة لتقلبات سعر الصرف، وزيادة تكاليف النقل والإنتاج، بالإضافة إلى تراجع الدعم الحكومي المباشر أو غير المباشر لهذه السلعة الأساسية، كما ساهمت الاضطرابات في سلاسل الإمداد وضعف البنية التحتية في تفاقم الأزمة.
وأضاف عباس في حديثه لـ”أفق جديد”، “من الناحية الاقتصادية، فإن الخبز يُعد سلعة أساسية ذات طلب غير مرن، مما يعني أن ارتفاع أسعاره يؤثر بشكل مباشر على مستوى معيشة المواطنين، خاصة ذوي الدخل المحدود، ويؤدي ذلك إلى زيادة معدلات التضخم وتدهور القوة الشرائية، مما قد ينعكس سلبًا على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي”.
لافتًا إلى أن غياب سياسات فعالة لضبط الأسواق والرقابة على الأسعار، إلى جانب ضعف الإنتاج المحلي من القمح، يزيد من اعتماد البلاد على الاستيراد، وبالتالي تعرضها للصدمات الخارجية.
أزمة مركبة
ومنذ اندلاع الحرب، توقف الإنتاج المحلي من القمح بشكل شبه كامل، ما دفع الحكومة إلى زيادة الاعتماد على استيراد الدقيق لتغطية الطلب المحلي. ومع ارتفاع تكاليف الاستيراد والنقل، انعكس ذلك بشكل مباشر على أسعار الخبز والمواد الغذائية الأخرى.
كما أدى النزاع إلى فقدان ملايين السودانيين وظائفهم ومصادر دخلهم، الأمر الذي فاقم من حدة الأزمة الاقتصادية، وجعل شريحة واسعة من السكان غير قادرة على مجاراة الارتفاع المستمر في الأسعار.
وحسب بيان صادر عن برنامج الأغذية العالمي في 9 أبريل الجاري، “يُقدّر عدد من يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد بنحو 19 مليون شخص، مما يجعل السودان أكبر أزمة جوع إنسانية في العالم”.
وذكر البيان الذي تلقته “أفق جديد”: “في العام الماضي، وصل برنامج الأغذية العالمي إلى 12 مليون شخص بمساعداته في السودان، ونجح في الحد من المجاعة في عدة مناطق. تُهدد أزمة التمويل الهائلة التي يواجهها البرنامج هذه المكاسب الهشة. تتناقص مخزونات الغذاء في البلاد، ومن المتوقع أن تنفد خلال أسابيع. يحتاج البرنامج بشكل عاجل إلى أكثر من 600 مليون دولار أمريكي لمواصلة عمليات إنقاذ الأرواح خلال الأشهر الستة المقبلة”.
ويرى مراقبون أن استمرار الحرب، إلى جانب غياب الاستقرار الاقتصادي، ينذر بمزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية، خاصة في ظل الاعتماد الكبير على الواردات وضعف البنية التحتية.
مستقبل غامض
تسببت الحرب التي اندلعت منتصف أبريل 2023 في انهيار اقتصادي حاد، تمثل في انكماش الناتج المحلي، فقدان 80% من إيرادات الدولة، وانهيار العملة الوطنية لأكثر من 3600 جنيه للدولار، وأدت إلى تدمير البنية التحتية، توقف الإنتاج الزراعي والصناعي، وتصاعد البطالة والفقر وانعدام الأمن الغذائي لأكثر من نصف السكان.
في ظل هذه المعطيات، يبقى الخبز مؤشرًا واضحًا على عمق الأزمة التي يعيشها السودان اليوم. وبين ارتفاع التكاليف وتراجع القدرة الشرائية، يجد المواطن نفسه في مواجهة يومية مع تحديات البقاء، بينما يترقب الجميع أي انفراجة قد تخفف من وطأة هذه الأزمة المتفاقمة





