مؤتمر برلين..حين يرفض حفّارو الأزمات دفن المأساة

حيدر المكاشفي
في لحظةٍ تتكدس فيها الجثث على هامش العالم، وتتحول فيها المجاعة إلى لغة يومية، والنزوح إلى قدر جماعي، يأتي مؤتمر برلين بوصفه محاولة دولية جادة لانتشال السودان من قاع كارثة إنسانية تصنف اليوم باعتبارها الأكبر عالمياً. لكن وكالعادة لا يكتمل المشهد السوداني دون ذلك الصوت النشاز الذي يصر على معاكسة كل جهد ولو كان موجهاً لإنقاذ ما تبقى من البلاد. فبينما تتحرك ألمانيا ومعها شركاء دوليون وإقليميون، لحشد الدعم الإنساني، والضغط لوقف الحرب، وفتح نافذة لحل سياسي، اختارت حكومة بورتسودان ومن يوالونها وداعمي الإستمرار في حرب الخراب والدمار أن تقاطع المؤتمر، لا لشيء سوى لأنه يسعى لما عجزوا هم عن فعله بإيقاف النزيف. فمؤتمر برلين ليس مجرد فعالية دبلوماسية عابرة، بل هو استجابة لحقيقة دامغة هي أن السودان ينهار ثلاثة أعوام من الحرب كانت كافية لتحويل البلاد إلى مسرح مفتوح للجوع والانهيار الصحي والتفكك الإجتماعي. ومن هنا تأتي أهمية المؤتمر لعدة اعتبارات، أولاً لحشد التمويل الإنساني العاجل لإنقاذ ملايين السودانيين من المجاعة والموت البطيء. ثانياً لخلق ضغط دولي حقيقي لوقف إطلاق النار، بعد أن فشلت كل المحاولات السابقة في ذلك. وثالثاً لتمهيد الطريق لحوار سوداني سوداني، عبر منصة تحضيرية تقودها الآلية الخماسية، بهدف الاتفاق على ملامح اليوم التالي للحرب. وكل هذه ليست أجندة استعمارية كما يروج البعض بل الحد الأدنى من متطلبات إنقاذ دولة تتفكك. والحجج التي ساقها المقاطعون للمؤتمر لا تصمد أمام أبسط اختبار منطقي. فهي تتراوح بين ادعاء انتهاك السيادة وفرض حلول خارجية، إلى التشكيك في النوايا الدولية. لكن الحقيقة أبسط من ذلك بكثير فمن يتحدث عن السيادة اليوم، عليه أولاً أن يفسر كيف أصبحت البلاد مفتوحة لكل أشكال التدخل، من السلاح إلى المرتزقة إلى التمويل الخارجي للحرب. فأي سيادة هذه التي تُستدعى فقط عند الحديث عن وقف الحرب أو إغاثة الجوعى، أما الحديث عن رفض الحلول الخارجية، فهو في جوهره رفض لأي حل أصلاً. إذ أن القوى التي تقاطع المؤتمر هي ذاتها التي أفشلت كل المبادرات وعرقلت كل مسارات التفاوض، لأنها ببساطة مستفيدة من استمرار الحرب. وهنا يستدعي هذا الواقع المثل السوداني البليغ )جو يساعدوه في دفن أبوه دس المحافير) وبالعربي الفصيح (جاؤوا يساعدونه على دفن أبيه فدسّ المحافير). فالمؤتمر محاولة لدفن مأساة وطن، لكن البعض يصر على إخفاء أدوات الحل، حتى لا تُدفن الأزمة التي يتغذى عليها. ويخشى هؤلاء مؤتمر برلين لأنه إن نجح سيكشف عري السردية التي بُنيت طوال سنوات الحرب بأن استمرار القتال هو الخيار الوحيد، وأن لا بديل سياسياً ممكناً. كما أن أي تقدم نحو وقف الحرب سيعني بالضرورة فتح ملفات المساءلة، وهو ما تخشاه الأطراف التي راكمت مكاسبها على أنقاض الدم، وبكلمات أوضح ان السلام يهدد مصالحهم. غير أن الحماس لمؤتمر برلين لا يجب أن يعمينا عن دروس الماضي. فقد سبقت هذا المؤتمر لقاءات في باريس ولندن، رفعت شعارات كبيرة لكنها انتهت إلى نتائج محدودة. ولتفادي تكرار ذات الإخفاقات، هناك شروط لا بد منها، أولاً الانتقال من التعهدات إلى آليات تنفيذ واضحة، خاصة في الجانب الإنساني، بحيث لا تبقى المساعدات حبراً على ورق. ثانياً إشراك حقيقي وواسع للقوى المدنية السودانية المستقلة، لا الاكتفاء بنخب تقليدية فقدت صلتها بالشارع. ثالثاً ربط أي دعم أو عملية سياسية بضغوط ملموسة على أطراف الحرب، بما في ذلك أدوات العقوبات والمساءلة. رابعاً تحديد جدول زمني واضح لمسار الحل السياسي حتى لا يتحول الحوار إلى غطاء لإطالة أمد الأزمة. خامساً ضمان ملكية سودانية حقيقية للعملية السياسية بحيث يكون الدور الدولي داعماً لا بديلاً. في نهاية المطاف لا يمكن وضع من يسعى لإطعام الجوعى ووقف الحرب في كفة واحدة مع من يعرقل هذه الجهود تحت شعارات جوفاء. والتاريخ لا يرحم والسودانيون الذين يدفعون ثمن هذه الحرب لن تنطلي عليهم طويلاً خطابات المقاطعة والتخوين، نعم صحيح ان مؤتمر برلين ليس الحل السحري، لكنه خطوة ضرورية في طريق طويل. أما من يقفون ضده فهم لا يقدمون بديلاً بل يكتفون بإبقاء البلاد رهينة لحرب بلا أفق. وبينما يبحث العالم عن محافير لدفن المأساة، يصر البعض على إخفائها حتى تظل الجنازة مفتوحة..
نعيد ونكرر القول انه من الطبيعي حين تجتمع الدول لإنقاذ شعب ما يواجه المجاعة والموت، تفتح لها الأبواب وتُمد الأيادي. لكن في السودان يحدث العكس تماماً، كلما اقتربت فرصة لوقف الحرب خرجت علينا نفس الوجوه لتعلن المقاطعة، لا لأنها تملك بديلاً بل لأنها تخشى النهاية. ان مؤتمر برلين ليس ترفاً دبلوماسياً، بل استجابة متأخرة لكارثة مكتملة الأركان. بلاد تُسحق منذ ثلاثة أعوام، ملايين الجوعى، مدن مدمرة، ونزوح هو الأكبر عالمياً. ومع ذلك يخرج من يقول إن المؤتمر مؤامرة أو تدخل خارجي، وكأن الموت الداخلي أقل انتهاكاً للسيادة، وأكثر الحجج فجاجة وإثارة للسخرية هي التلويح بـالسيادة الوطنية. أي سيادة هذه التي لم تمنع تدفق السلاح ولا تعدد مراكز القرار، ولا ارتهان أطراف الحرب لداعمين خارجيين، السيادة التي تُستدعى فقط عندما يطرح وقف الحرب هي سيادة انتقائية أو بالأحرى ذريعة رخيصة لإطالة أمد الكارثة، الحقيقة هي أن من يرفضون برلين لا يدافعون عن السودان، بل عن وضعٍ مريح بالنسبة لهم، حرب بلا نهاية، وسلطة بلا مساءلة، وبلد يُدار كغنيمة مفتوحة. فمؤتمر برلين بخطوطه العريضة يهدد هذه المعادلة. فهو لا يكتفي بحشد الدعم الإنساني، بل يسعى لخلق ضغط دولي حقيقي لوقف القتال، وفتح مسار سياسي يُنهي الفوضى. وهذا بالضبط ما لا تريده القوى المقاطِعة. لأن أي وقف للحرب يعني سقوط خطاب التعبئة وانكشاف اقتصاد الحرب، وفتح ملفات الجرائم والانتهاكات. وببساطة لأن السلام مكلف لكنه مكلف لهم هم لا للسودانيين. إن المقاطعة ليست مجرد مقاطعة مؤتمر، بل مقاطعة لأي أمل في الخروج من النفق. وكأن المطلوب هو أن تستمر الجنازة لأن في استمرارها مصلحة. ومع ذلك كما قلنا لا ينبغي تزيين الصورة أكثر من اللازم. فمؤتمرات باريس ولندن سبقت برلين، ورفعت شعارات مشابهة، لكنها انتهت إلى بيانات أنيقة ونتائج باهتة. الفارق هذه المرة يجب أن يُصنع عمداً، لا أن يُترك للنوايا، وعلى برلين أن يتحول من منصة خطب إلى غرفة قرارات. ومن وعود تمويل إلى آليات ملزمة. ومن مجاملات دبلوماسية إلى ضغوط حقيقية على أطراف الحرب. وأهم من ذلك عليه أن يكسر احتكار النخب المستهلكة، ويفتح الباب لقوى مدنية حقيقية تمثل السودانيين، لا أولئك الذين يجيدون السفر أكثر مما يجيدون الفعل. والمشهد اليوم واضح حد الفضيحة، فهناك من يحاول بجدية أو بحدها الأدنى إطفاء الحريق. وهناك من يقف على الأطلال يبيع الدخان ويصرخ (هذه سيادتنا) وكما اسلفنا فمؤتمر برلين ليس كاملاً وربما لا يكون كافياً لكنه على الأقل خطوة في اتجاه الحياة. أما المقاطعون فهم لا يقفون على الحياد، بل يقفون عملياً في صف استمرار الحرب. وفي بلد يموت ببطء لا يكون الحياد موقفاً بل شراكة في الجريمة. وهكذا ببساطة إما أن تفتح الطريق لدفن المأساة أو تواصل دفن الوطن معها..





