مصر والسودان.. علاقة أزلية تختبر اليوم في جسد النازح

بقلم : يوسف الغوث
ليست العلاقة بين مصر والسودان علاقة جوارٍ تحده الخطوط، ولا تفاعلاً عابراً تسيره المصالح، بل هي في صميمها علاقة تجاوزت الزمن، واستعصت على الاختزال في معادلات الدولة الحديثة.
نشأت هذه العلاقة قبل أن تولد فكرة الدولة ذاتها، وتشكلت في بوتقة حضارية واحدة، كان فيها النيل ليس مجرد نهرٍ يسقى منه، بل بنية وجودٍ، ومصدر معنىً، وعمود اتصال بين شعبين لم يعرفا الانفصال إلا حين فرض عليهما قسراً.
فالنهر في هذه العلاقة لا يقرأ بوصفه خطاً على الخريطة، بل تاريخاً واحداً،، يربط الجنوب بالشمال،ليس في اتجاه الماء وحده،، بل في مسار الوعي ذاته . فلا يفهم تشكل الهوية المصرية دون امتداداتها الإفريقية السودانية، كما لا يُدرك كيان السودان دون وشائجِه التاريخية بمصر تداخلاً مستمراً بين التأثير والتأثر، والمركز والامتداد، والاستقلال والتكامل….
ولعل أهم ما يميّز هذه العلاقة أنها لم تكن قط علاقة تطابق، بل تحولت إلى علاقة جدلٍ خصب،،فما بين مصر والسودان تقارب يرافقه تباين،،وتاريخ مشترك لا يلغي خصوصية كل طرف ….
في مراحل متعددة، من القديم إلى الحديث، تلاقت المسارات السياسية والثقافية بين البلدين منذ ممالك النيل الخالدة، إلى فترات الحكم المشترك في القرن التاسع عشر، وصولاً إلى الدولة الوطنية المعاصرة. ومع ذلك لم تفرز هذه المسارات وحدة سياسية مستقرة، بقدر ما أنتجت وعياً متصلاً بإمكانية الوحدة، أو على الأقل باستحالة القطيعة بين أبناء النيل…
إن ما تم إفرازه من وعي في زمن الدولة القطرية،،دخل في مأزق مركب. فالدولة الحديثة بحدودها وسيادتها أعادت تعريف العلاقة من امتداد طبيعي إلى علاقة بين كيانين مستقلين، لكلّ منهما حساباته وأولوياته وتحالفاته. وهنا بدأ التوتر يظهر، لا لضعف العلاقة، بل لأنها صيغت من جديد في قالب لا يتسع مع ابعادها التاريخية.
فالقضايا المطروحة اليوم من مياه النيل، إلى الأمن الحدودي، مروراً بالتنافس الاقتصادي ،،تبقي عبارة عن تجليات معاصرة،،لعلاقة قديمة،،تحاول أن تجد لنفسها،لسانا يناسب راهنها،،
ومع ذلك، يبقى الثابت ،،برغم كل التحولات أن العلاقة بين مصر والسودان لا يمكن فهمها بمنطق الصراع الضيق، ولا إدارتها بميزان المصالح الزائلة. لإنها علاقة بحكم الجغرافيا والتاريخ والمصير الواحد محكومة بالتداخل ، والتكامل والانصهار…
إن من أصدق تجليات هذا التاريخ الحي، أن نرى اليوم مئات الآلاف من السودانيين قد اتخذوا من مصر وطناً بديلاً، نزحوا إليها تباعاً لا كغرباء يطرقون باب جار، بل كأهل يعودون إلى عمق امتدادهم الحضاري.
ولم تكن مصر بالنسبة لهم مجرد بلد عبور أو ملاذ آمن، بل كانت احتواءً طبيعياً تولَّد من تراكم وشائج القرون، فلم يشعروا فيها بالغربة، ولم تتعامل معهم وكأنهم حالة طارئة، بل تعاملت معهم كامتداد بشري لعلاقة لا تقبل القطيعة.
ولعمري ان هذا الاحتواء، الذي تمارسه مصر كدولة والمجتمع المصري كشعب، ليس فضلاً يُمنّ به، بل هو ترجمة عملية لوعي عميق بأن هذه العلاقة لم تكن يوماً مجرد سياسة، بل مصيراً مشتركاً يسكن التفاصيل في الشارع، وفي الجامعة، وفي المستشفى، وفي الحلم المشترك بعبور المحن…
فإذا كانت العلاقة بين مصر والسودان قد كتبها النيل وسجلها التاريخ، فإن احتواء السودانيين اليوم يثبت أنها ليست ذكرى في الكتب، بل حياة تُعاش الآن
والسؤال الذي يواجه شعبي مصر والسودان،،لم يعد متعلق بارتبطهما،، بل بكيفية تحسين، إدارة هذا الارتباط في عالم يتغير بسرعة!!!
ان العلاقة بين مصر والسودان نموذجاً لعلاقة تتجاوز حدود الدولة القطرية دون أن تنكرها، وتستند إلى التاريخ دون أن تُحبس فيه، وتبحث عن المستقبل دون أن تقطع مع جذورها. فهي علاقة ود وأخاء واحترام متبادل،،
وهي باختصار،، علاقة لا يمكن تفكيكها، لأنها لم تُبنَ أصلاً على ما يمكن تفكيكه.
فالنيل لا يزال يجري.
والنازح السوداني في قلب القاهرة ليس غريباً.
والتاريخ لم ينتهِ..
شكرا مصر ،شعب وحكومة،





