مؤتمر برلين..يمنحنا شيك بدون رصيد

عبدالله محمد ادم – كمبالا
منذ عقود، اعتاد العالم على مشهد المؤتمرات الدولية التي تُعقد لإنهاء الحروب، فتُختتم بتوصيات براقة و وعود كبرى، ثم تنتهي في أدراج النسيان،و مؤتمر برلين حول السودان والقضايا الإنسانية لم يكن استثناءً، بل حلقة جديدة في مسلسل طويل من النجاحات الوهمية التي روج لها المنظمون، بينما يدفع الضحايا ثمناً باهظاً بصمت.
كنا نترقب المؤتمر بشغف، عله يحمل اختراقاً عملياً يوقف نزيف الدم السوداني، وتساءل الكثيرون: هل نشهد تدخلاً عسكرياً أوروبياً شبيهًا بعملية عام 2000 في سيراليون، يجبر حكومة بورتسودان -التي تتمسك بشرعيتها المتنازع عليها- على قبول السلام وتمكين الحكم المدني؟ لكن سرعان ما تبددت الأوهام، فغياب الاستعداد الأوروبي للتحرك كان واضحاً للجميع.
لكن ما مدي مستوى نجاح مؤتمر برلين الذي يتحدثون عنه؟
بعضهم رأى نجاحاً في أن المؤتمر “ذكر العالم” بأن السودان لا يزال يعاني حرباً! و كأن العالم كان في غيبوبة عن مئات الضحايا الذين سقطوا بقصف الطيران فقط خلال الفترة التي سبقت عقد المؤتمر، وآخرون اعتبروا “الإجماع على أن الحرب ليست حلاً” إنجازاً تاريخياً، متناسين أن هذه حقيقة يعرفها أي طفل حُرم من التعليم بفعل هذه الحرب.
والمفارقة الأكبر أن المؤتمر جمع 40 شخصية سودانية توافقوا على العمل من أجل إعادة الحكم المدني، أربعون شخصية لم يختر ضحايا الحرب في المعسكرات و القري المحروقة احدا ليمثله او يروي ما شهدته مدن الكومة، مليط، ابوزبد، الضعين و المجلد و غيرها من دمار مستشفياتها و قتل الابرياء من ابناءها! و كثيرون من هؤلاء الحضور كانوا جزءاً من الفترة الانتقالية السابقة، بعضهم انقلب عليها ويسعي اليوم لـتعويضها مجدداً، و سيعملوا على دعم الحرب متى تهددت مصالحهم، للاسف شاهدنا هذه النخبة تستمتع في برلين.. و الضحايا يموتون في الخيام
ولنكن صريحين،فان أكبر نجاح حققه المؤتمر بالنسبة للبعض هو زيارة مجانية إلى واحدة من أجمل عواصم أوروبا، والتقاط صور تذكارية يتباهون بها أمام أقرانهم وأهلهم و لم يُرَ منهم دمعة واحدة حتي لو من دموع التماسيح تلك المأجوجة التي تظهر على شاشات التلفزيون.
لو كان المنظمون جادين حقاً، لعقدوا هذا المؤتمر في مخيمات اللجوء بمعسكر نياموزي أو كيرياندونغو بأوغندا، أو في خيمة داخل مخيمات تشاد، هناك، كان العالم سيشهد الحقيقة، وكان المؤتمرون سيتلقون جرعة من معاناة الضحايا الحقيقيين. لكنهم فضلوا قاعات برلين الفاخرة.
فهل سيكون مؤتمر برلين.. وريث فشل باريس ولندن؟
للأسف، سيلحق مؤتمر برلين بمؤتمري باريس ولندن في قائمة الإخفاقات السودانية، و سيبقى شاهداً على عدم جدية عالم تحولت فيه المؤتمرات إلى مناسبات للعلاقات الشخصية وترفيه القيادات السياسية،و يبدو أن بعضهم أصبح مدمنًا على هذه المؤتمرات أكثر من حرصه على حل القضية السودانية،
فكل وثيقة تصدرها مثل هذه المؤتمرات هي مجرد شيك كتب بدون رصيد في حساب بنكي أُغلق منذ عشرات السنين. والأدهى أنهم يروجون لها كإنجازات، بينما لا يزال النازحون يموتون جوعاً، و لا يزال الطيران يقصف المدنيين، ولا يزال الأطفال يبكون في العتمة و كل ما يمكنهم فعله مناشدة مكتوبة في غرطاس ، لن يلتفت اليها البرهان و جيشه.فمتى يتوقف العالم عن مسرحية مؤتمرات ترفيه القيادات السياسية ؟
السودان لا يحتاج إلى صور تذكارية في برلين، ولا إلى توصيات إنشائية تتبخر قبل أن تجف أحبارها. السودان يحتاج إلى مواقف عملية: وقف فوري لإطلاق النار و لو بالقوة، حماية دولية للمدنيين، ومحاسبة حقيقية لمن ارتكبوا الجرائم بحق الشعب السوداني.
فإلى متى سيظل العالم يخدع نفسه بمثل هذه “المؤتمرات الناجحة”؟ وإلى متى ستبقى النخب السودانية تتسلى في عواصم أوروبا بينما يغرق شعبها في دمائه؟ هذا هو السؤال الذي لن تجيب عنه أوراق برلين الملونة.





