على حافة الغد
تستيقظ البلاد هذه الأيام على منسوب غير مسبوق من الارتباك والتخبط. لا أحد يملك إجابة قاطعة عمّا سيجري غداً، ولا أحد يستطيع أن يجزم بأن المشهد سيسير في اتجاه معلوم الكل يراقب، الكل يهمس، الكل يتساءل، والكل يشك في الكل. في مثل هذه اللحظات، لا تكون الأزمة مجرد خلاف سياسي عميق كان أم عابر، بل تتحول إلى حالة عامة من انعدام اليقين، تتسلل إلى الشارع وإلى المؤسسات وإلى الأسواق و النفوس
حين يغيب الوضوح، تنشط الشائعات. وحين تصمت المؤسسات، ترتفع أصوات الغرف المغلقة وحين يتأخر القرار، تتقدم التحليلات لتملأ الفراغ، بعضها يستند إلى معلومة ناقصة، والآخر إلى رغبة، وومنها الى خوف مشروع. وبين هذا وذاك، يصبح المواطن البسيط هو الحلقة الأضعف، لأنه لا يملك رفاهية الانتظار، ولا ترف قراءة ما بين السطور، بل يريد فقط أن يعرف إلى أين تتجه البلاد؟
السؤال الذي يتردد اليوم في كل مكان ليس سؤالاً عادياً. هل هناك إعادة ترتيب صامتة لمراكز القوة؟ هل نشهد انقلاباً ناعماً داخل مفاصل السلطة؟ هل ما زالت مفاتيح القرار في يد القيادة الحالية، أم أن زمام الأمور بدأ يفلت تدريجياً؟ وهل ما يجري مجرد خلافات تكتيكية بين مراكز نفوذ، أم بداية تصدع أعمق في بنية الحكم نفسها؟
هذه الأسئلة لا تأتي من فراغ. إنها نتاج تراكم طويل من إدارة الأزمة بمنطق رد الفعل لا بمنطق الرؤية. فمنذ سنوات، تتوالى الأحداث الكبرى من دون أن يصاحبها مشروع سياسي واضح يطمئن الناس ويعيد بناء الثقة. القرارات المصيرية تصدر أحياناً في أجواء غامضة، والتحالفات تتبدل بسرعة، واللغة الرسمية كثيراً ما تأتي متأخرة عن الواقع. والنتيجة أن المواطن لم يعد يثق بسهولة، والنخب لم تعد قادرة على الإقناع، والمؤسسات فقدت جزءاً كبيراً من هيبتها.
الأخطر من ذلك أن الدولة حين تدخل منطقة الشك، يصبح كل شيء قابلاً للتأويل. أي حركة في المؤسسة العسكرية تُقرأ على أنها صراع داخلي. أي لقاء سياسي يُفسر باعتباره صفقة. أي تأخير في إعلان موقف يُنظر إليه بوصفه عجزاً أو انقساماً. وهكذا تتآكل سلطة الدولة ليس فقط بسبب ما يحدث، بل بسبب ما يعتقد الناس أنه يحدث.
أما المدنيون، بمختلف تياراتهم وتوجهاتهم، فهم أمام امتحان تاريخي لا يحتمل المراوغة. فهل هم على قدر هذه اللحظة؟ الواقع يقول إن القوى المدنية، رغم ما تملكه من شرعية مطلبية وأخلاقية، لم تستطع حتى الآن أن تقدم نموذجاً موحداً ومقنعاً لإدارة الاختلاف. كثرة المنصات، وتعدد المبادرات، وتضارب الأولويات، جعلت الشارع ينظر إليها أحياناً باعتبارها جزءاً من الأزمة لا بديلاً عنها.
ليست المشكلة في التنوع، فالتنوع مصدر قوة إذا أحسن تنظيمه، لكن المشكلة في غياب الحد الأدنى من الاتفاق الوطني حول القضايا الكبرى، وقف الحرب، أولوية السلام، شكل الدولة، إصلاح الاقتصاد، العلاقة بين المدني والعسكري، والعدالة الانتقالية. من دون هذا الاتفاق، تظل كل القوى المدنية عرضة للتشظي، وتظل عاجزة عن ملء الفراغ حين تتراجع السلطة أو تنقسم.
في المقابل، فإن سلطة الأمر الواقع مطالبة بأن تدرك أن إدارة البلاد عبر الغموض لم تعد ممكنة. قد ينجح الغموض أحياناً في كسب الوقت، لكنه لا يصنع استقراراً. الشعوب يمكن أن تصبر على الضيق الاقتصادي، ويمكن أن تتحمل صعوبات الأمن، لكنها لا تتحمل طويلاً الإحساس بأن مصيرها يدار خارج الضوء. الشفافية هنا ليست ترفاً سياسياً، بل شرطاً من شروط بقاء الدولة.
كل المؤشرات العسكرية والأمنية و الاقتصادية والاجتماعية تنذر بأن البلاد تقترب من حافة الانهيار الكامل إذا استمر هذا المسار. العملة المنهكة، الخدمات المتراجعة، النزوح الواسع، هشاشة الأمن، تآكل الطبقة الوسطى، وانسداد الأفق السياسي؛ كلها عناصر إذا اجتمعت صنعت بيئة مثالية للفوضى. والانهيار لا يأتي دائماً دفعة واحدة، بل يبدأ بتفكك الثقة، ثم ضعف المؤسسات، ثم توسع اقتصاد النجاة الفردية، ثم تراجع معنى الدولة في وجدان الناس.
المطلوب الآن ليس تبادل الاتهامات، ولا البحث عن منتصر في معركة خاسرة على الجميع. المطلوب أولاً قول الحقيقة للناس أين تقف البلاد؟ ماهو الموقف العسكري الحقيقي وما طبيعة الخلافات داخل مؤسسات الدولة؟ ما الخطة العاجلة لمنع التدهور وايقاف الحرب؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ ثم المطلوب ثانياً إطلاق مسار سياسي جاد لا صوري، يضم أصحاب المصلحة الحقيقيين، ويقوم على جدول زمني واضح وضمانات معلنة أما ثالثاً، فلا بد من تحييد ا القضايا الوطنية عن صراعات الأشخاص والجماعات، لأن انهيار البلاد لا يعوضه انتصار أي طرف
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في هذه اللحظة هو أن يعتاد الناس الفوضى، وأن يصبح غياب الدولة أمراً عادياً، وأن يتحول القلق إلى نمط حياة. حينها لا تكون الخسارة سياسية فقط، بل حضارية وأخلاقية أيضاً. تنهار فكرة المستقبل نفسها، ويهاجر الأمل قبل أن يهاجر الناس.
غداً قد يحمل مفاجآت كثيرة، وقد يمر كأي يوم آخر مثقل بالشائعات والتوقعات. لكن المشكلة ليست في يوم واحد، بل في المسار كله. لا بلد يستطيع أن يعيش طويلاً على أعصاب الانتظار، ولا شعب يمكن أن يبني حياته على أخبار التسريبات. الأمم تُدار بالرؤية، بالقانون، بالمؤسسات، وبالثقة العامة؛ لا بالهمس ولا بالتخمين.
إن البلاد لا تحتاج إلى معجزة، بل إلى شجاعة سياسية. شجاعة الاعتراف بالفشل حيث وقع، وشجاعة التنازل المتبادل، وشجاعة تقديم المصلحة الوطنية على حساب المكاسب المؤقتة. وما لم يحدث ذلك سريعاً، فإن السؤال لن يكون: ماذا سيجري غداً؟ بل ماذا سيتبقى بعد غد؟
في لحظات التاريخ الحرجة، تتقدم الأمم أو تتكسر. ونحن اليوم أمام تلك اللحظة تماماً. فإما أن ينتصر العقل على الغلبة، والوضوح على الغموض، والدولة على مراكز النفوذ، وإما أن نواصل السير نحو هاوية يعرف الجميع شكلها، لكن لا أحد يريد أن ينطق باسمها.