إمكانية تعويض المتضررين من النزاعات المسلحة غير الدولية أمام القضاء الدولي

 

بقلم:إسماعيل السيد أحمد

خبير قانوني،عضو رابطة القانونيين السودانيين بدولة قطر

نتناول في هذه الدراسة إمكانية تعويض المتضررين من الحرب بسبب انتهاكات طرفي النزاع المسلح في السودان أمام القضاء الدولي وليس القضاء المحلي، وتحاول الدراسة الإجابة على العديد من الأسئلة التي تطرق ذهن القارئ /ئة السوداني لمجرد سماعه لإمكانية رفع دعاوى ضد منْ سفك دمائه وانتهك حقوقه ودمّر ممتلكاته، آملاً في أن يرى مثولهم امام القضاء الدولي غير فارين من العدالة الناجزة ولا منفلتين من العقاب العسير، لاسيما وأنه لا تكاد تخلو اسرة من انتهاكات طرفي النزاع المسلح في السودان. تتمثّل محاور الأسئلة فيما يلي: – هل في مقدور الافراد المتضررين من الحرب رفع دعاوي ضد طرفي النزاع المسلح في السودان امام المحاكم الدولية؟ وهل تقبل الدعاوى من افراد (اشخاص طبيعيين) أم من الدول؟ وما هي الجهات المختصة دولياً بالنظر في دعاوى التعويضات في حالة رفعها ضد طرفي النزاع في السودان؟ وما هي الاجراءات التي يمكن اتباعها لرفع دعاوى التعويض ضد طرفي النزاع؟ وما هي إمكانية حصول ضحايا النزاع على التعويضات المطالب بها؟ وما هي أنواع التعويضات التي يمكن أن يحصل عليها المتضررين؟ ومن أين يتم دفعها في حالة عدم وجود أموال كافية للجناة؟ تحاول الدراسة الإجابة على الأسئلة المطروحة من خلال احكام القانون الدولي، والقانون الدولي الإنساني، والنظام الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية (ميثاق روما 1998)، وما جرى عليه العمل في المحاكم الدولية. 

الجهات الدولية المختصة بالنظر في دعاوى الانتهاكات 

محكمة الجنايات الدولية (ICC)

تحدد المادة (5) من نظام روما الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية (Rome Statute of the ICC)  الجرائم التي تختص المحكمة الجنائية الدولية بالنظر فيها، حيث إنها تعتبر من أشد الجرائم خطورةً، ولذا كانت محط انظار المجتمع الدولي واهتمام القضاء الدولي، وتتمثل فيما يلي: جريمة الإبادة الجماعية، الجرائم ضد الإنسانية، جرائم الحرب، جريمة العدوان. 

يتضح من خلال نص المادة سالفة البيان، بأن محكمة الجنايات الدولية ينعقد إليها الاختصاص بالنظر في الدعاوى المتعلقة بالجرائم المشار إليها. وبالتالي فأنه غني عن البيان، القول بإمكانية رفع دعاوى امام محكمة الجنايات الدولية للنظر والبت في دعاوي ضد مرتكبي أي من الجرائم الأربع أو جميعها متي ما تم تحريكها. والسؤال الذي يُثار هل يحق للأفراد (اشخاص طبيعيين) رفع الدعاوى امام المحكمة ضد مرتكبي تلك الجرائم؟ تأتي الإجابة على هذا السؤال من لدن نص المادة (13) من النظام الأساسي، إذ إنها تحدد الحالات التي ينعقد فيها الاختصاص للمحكمة، وهي على نحو التالي: الإحالة من دولة طرف في النظام الأساسي للمحكمة على أن تتم الإحالة وفقاً لأحكام المادة 14من النظام، والإحالة من مجلس الأمن الدولي بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وايضاً بمبادرة من المدعي العام من تلقاء نفسه وفقاً لِما تنص عليه المادة 15من النظام، والتي منحت للمدعي العام أن يباشر التحقيقات من تلقاء نفسه على أساس المعلومات المتعلقة بجرائم تدخل في اختصاص المحكمة، حيث يقوم بتحليل جدية المعلومات المتحصل عليها، ويجوز له طلب معلومات إضافية من أي دولة من الدول، أو من أجهزة الأمم المتحدة ، أو  من المنظمات الحكومية الدولية أو غير الحكومية، أو من أية مصادر أخرى موثوق بها ويراها ملائمة، كما يجوز له تلقي الشهادة التحريرية أو الشفوية في مقر المحكمة. 

في جميع الحالات (الثلاث) المشار إليها أعلاه، يقتصر دور الأفراد والضحايا على تقديم المعلومات والمشاركة في الإجراءات دون امتلاك صفة “المُدّعي”.

هل تنجح الحكومة السودانية – في حالة رفع دعاوى ضدها – امام المحكمة في الادعاء بأن محكمة الجنايات الدولية غير مختصة بالبت في القضايا المرفوعة ضدها باعتبار أن حكومة السودان غير موقعة على النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية؟

 حجية عدم التوقيع على نظام روما لا يمنح الدول غير الموقعة حصانة من المساءلة عن الجرائم الأربع، إذا كانت الإحالة إلى المحكمة الجنائية تمت بموجب قرار من مجلس الأمن، وذلك نظراً لخطورة تلك الجرائم، إذ إنها تخضع لقواعد آمرة (Jus Cogens) وفقاً لأحكام المادة 13/ب من نظام الأساسي. وخير مثال لذلك الدعاوى التي رُفعت ضد معمر القذافي وأبنه سيف الإسلام وعبد الله السنوسي، والتي دفع فيها المتهمون بعدم اختصاص محكمة الجنايات الدولية، لكون أن الجماهيرية العربية الليبية لم توقع على ميثاق روما الخاص بمحكمة الجنايات الدولية. الا أن المحكمة قررت في حكمها انعقاد الاختصاص الكامل لها، طالما أن تلك الدعاوى احُيلت إليها بموجب القرار رقم 1970 /2011 الصادر من مجلس الأمن. وكذلك في القضية المرفوعة ضد عمر حسن أحمد البشير أمام المحكمة الجنائية الدولية (ICC)، دفعت حكومة السودان بذات الحجة، بيد أن المحكمة “قررت على الرغم من أن السودان ليست طرفاً في النظام الأساسي، بيد أن إحالة مجلس الأمن القضية للمحكمة الجنائية بموجب القرار الصادر بالرقم 1593 لسنة 2005، وذلك استناداً إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة جعلها مختصة بالنظر في الدعوى”، وبالتالي يمكننا صراحةً القول بأن الإحالة من مجلس الأمن بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة تنشئ اختصاصاً للمحكمة الجنائية الدولية، مما يجعل الدفع بعدم الاختصاص غير قائم على أساس قانوني سليم. وايضاً في قضية على كوشيب أمام المحكمة الجنائية الدولية (ICC) أصدرت المحكمة حكماً بإدانة المتهم على الرغم من عدم توقيع حكومة السودان على النظام الأساسي للمحكمة، وذلك لذات الأسباب الواردة في المادة13/ب من نظام الأساسي.

أيضاً ينعقد الاختصاص لمحكمة الجنايات الدولية إذا قبلت الدولة غير طرف في نظام روما الأساسي باختصاص المحكمة في النظر في جرائم الإبادة الجماعية، الجرائم ضد الإنسانية، جرائم الحرب، وجريمة العدوان وذلك وفقاً للقيود المعمول بها لديها، وذلك من خلال إعلان رسمي يُودَع من الدولة القابلة لدى مسجل المحكمة. وخير مثال لذلك قبول دولة ساحل العاج (كوت ديفوار) انعقاد الاختصاص للمحكمة الجنائية بالنظر في الدعاوى المتعلقة بالجرائم الأربع إذا وقعت في داخل اقليمها وذلك قبل انضمامها إلى النظام الأساسي. وترتب على قبولها ممارسة محكمة الجنايات الدولية لاختصاصها في البت في أحداث العنف التي أعقبت الانتخابات الرئاسية لعام 2010 في ساحل العاج قبل أن تصبح ساحل العاج طرفاً في النظام الأساسي للمحكمة، إذ إن السند القانوني الوحيد لذلك -آنذاك- هو قبولها الطوعي الصريح للنظام الأساسي، وليس لعضويتها فيه.

وفي ذات السياق، يأتي قبول دولة أوكرانيا الطوعي والصريح لنظام روما الأساسي. وعلى الرغم من أن أوكرانيا ليست طرفاً في النظام المذكور، الا أن قبولها لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية بموجب المادة (12/3) من النظام، في حدثين مختلفين وذلك في العامين (2014 و2015) على التوالي، وقبل انضمامها للنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، جعل المحكمة الجنائية الدولية مختصة بالنظر في الجرائم الدولية المرتكبة على إقليم أوكرانيا.

السؤال الذي يتبادر إلى أذهان العديد من القُرّاء هل يجوز لدولة موقعة على نظام روما إحالة دعاوى ضد دولة غير طرف إلى المحكمة الجنائية الدولية؟ مبدئياً يمكننا الإجابة عليه، بأن الإحالة تكون لـوضع (Situation) وليست لدولة بعينها أو لشخص محدد، كما أن الإحالة وحدها لا تُنشئ الاختصاص إذا لم تتوفر شروطه المنصوص عليها في المادة (12) من النظام. وتأسيساً لما سبق، يمكننا القول بأنه وفقاً لإحكام نص المادة (12) من النظام بأن الاختصاص ينعقد للمحكمة في الحالات التالية: – في أن تكون الدولة طرفاً في النظام الأساسي، أو عند قبول الدولة للنظام على الرغم من إنها لم تصادق عليه، وكذلك في حالة أن تكون الدولة طرفاً في النظام ويكون الشخص المتهم بالجريمة أحد رعاياها. 

 وعليه، يجوز للدول التي صدّقت على النظام الأساسي حق إحالة القضية إلى المحكمة الجنائية الدولية في حالة واحدة وهي أن يكون المتهم أحد رعاياها، وبالتالي يمكننا القول بأنه متى ما توافرت رابطة الجنسية بين المتهم وتلك الدولة، وكانت الجرائم من الجرائم التي تنضوي تحت مظلة اختصاص المحكمة، فأن للدولة المصادقة على النظام الأساسي يمكنها إحالة الدعوى إلى محكمة الجنايات الدولية.  فعلى سبيل المثال: إذا كان أحد أطراف النزاع ينتمي لدولة تشاد أو يحمل جنسية أي دولة أخرى موقعة على النظام الأساسي وهو متهم بأحد الجرائم الأربع التي تختص المحكمة بالنظر فيها، يجوز لدولة تشاد أو الدولة الموقعة إحالة الدعوى إلى المحكمة الجنائية الدولية، باعتبار إنها طرفاً في نظامها الاساسي، وأن المتهم في النزاع المسلح أحد رعاياها. 

بيد أن الأمر مختلف جداً في قضية ميانمار – بنغلاديش، والتي قام فيها الجيش والامن في ميانمار بترحيل أقلية الروهينغا قسراً من أراضيها إلى دولة بنغلاديش، حيث اُعتبر ما قام به الجيش والامن -التابع لدولة ميانمار – من أفعال ترتقي إلى جريمة الترحيل القسري كجريمة ضد الإنسانية، -وفقاً لتعريف النظام الأساسي للجريمة-. يتجلى وجه الخلاف – في هذه الواقعة- في كون أن دولة ميانمار لم تكن طرفاً في النظام الأساسي للمحكمة، ولم تقبل طواعيةً بنظامها الاساسي، وهو ما يبرر عدم خضوعها من حيث الأصل لاختصاص المحكمة وفقاً لنص المادة (12/1). الا أن المحكمة اعتبرت بأن الترحيل القسري لأقلية الروهينغا، كان عابراً للحدود من ميانمار إلى بنغلاديش، ورسخت المحكمة مبدأ الاختصاص الإقليمي العابر للحدود (Cross-border jurisdiction). وبما أن دولة بنغلاديش طرفاً في النظام الأساسي للمحكمة، فإن المحكمة تمتلك اختصاصاً إقليمياً بالنظر في الجريمة، لأن جزءً جوهرياً من الجريمة وقع في داخل إقليم دولة بنغلاديش، والتي تعد طرفاً في النظام الأساسي للمحكمة. 

وعلى ضوء القضية سالفة الذكر، يمكننا طرح سؤال جوهري: هل يجوز لأي دولة من الدولة الموقعة على النظام الأساسي للمحكمة والتي تم ترحيل أو ابعاد المتضررين إلى اقليمها قسراً رفع دعاوى ضد طرفي النزاع في السودان؟ الإجابة على هذا السؤال تتطلب معرفة طبيعة جريمة الترحيل أو الابعاد القسري كما جاء في النظام الأساسي، وكذلك توفر العنصر المادي والمعنوي اللذان يشكلان الجريمة، بالإضافة إلى استصحاب السوابق القضائية الواردة في هذا الشأن.  

نجد أن المادة (7/2/د) من النظام الأساسي عرفت جريمة الابعاد القسري بانها “نقل الأشخاص المعنيين قسراً من المنطقة التي يوجدوا فيها بصفة مشروعة، بالطرد أو بأي فعل قسري آخر، دون مبررات يسمح بها القانون الدولي”.  يستشف من التعريف السابق، بأن الركن المادي (Actus Reus) للجريمة يتمثل في نقل /ابعاد شخص أو أكثر يقيم إقامة بصورة شرعية أو فعلية إلى داخل الدولة التي يقيم بها أو خارج حدودها– بغض النظر عن جنسيته-، وذلك باستخدام وسائل قسرية منها على سبيل المثال (استخدام القوة/ العنف او التهديد بهما أو التخويف وغيرها) دون أي مسوغات يسمح بها القانون الدولي.  ولاكتمال الجريمة لابدا من توفر الركن المعنوي (Mens Rea) والذي يتمثل في علم المتهم بالجريمة، وعلمه بعدم قبول الضحايا لعمليتي النقل والترحيل، وما يترتب من قصده ابعاد أو ترحيل الضحايا، أو قبوله بالنتائج الحتمية التي تترتب على ابعادهم أو نقلهم.  

في قضية ميلومير ستاكيتش (Milomir Stakić) رئيس بلدية برييدور (Prijedor) بجمهورية يوغسلافيا (السابقة)، عرفت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة (ICTY) مفهوم “القسر” بحيث إنه لا يقتصر على العنف البدني فقط، بل يشمل خلق ظروف قهرية تجعل بقاء المُرحلّين أو المنقولين مستحيلا”. وخلصت المحكمة إلى أن “الترحيل القسري يتحقق حتى دون استخدام القوة المباشرة إذا أُجبر الضحايا على الرحيل بفعل ظروف قهرية”، في تقديرنا بأن سياسة التجويع والترهيب تندرجان تحت مظلة التعريف السابق لجريمة النقل القسري.

عددّت المادة (8) من النظام الأساسي الأفعال التي ترتقي لجريمة الإبادة الجماعية إذا كانت تُرتكب بقصد إهلاك جماعة قومية، أو إثنية، أو عرقية، أو دينية، سواء كان الاهلاك كلياً أو جزئياً، وهي (قتل أفراد الجماعة، أو إلحاق ضرر جسدي أو عقلي جسيم بأفراد الجماعة، أو إخضاع الجماعة عمداً لأحوال معيشية يقصد بها إهلاكها الفعلي كلياً أو جزئياً، أو فرض تدابير تستهدف منع الإنجاب داخل الجماعة، نقل أطفال الجماعة عنوة إلى جماعة أخري). 

من خلال النص السابق، يمكننا القول بأنه إذا قام أحد طرفي الحرب في السودان أو كلهما بأي من الأفعال المشار إليها وثبت قصده على النحو المذكور في المادة السابقة يُعد مرتكباً لجريمة الإبادة الجماعية. ويشترط في مثل هذه الجرائم توفر العنصر المعنوي للجريمة، إذ يشترط القصد الخاص (Dolus Specialis) وهو النية في تدمير الجماعة. ولكن نظراً لصعوبة اثبات العنصر المعنوي (اثبات القصد الخاص) في جرائم الإبادة الجماعية، في الغالب العام تلجأ المحكمة إلى إدانة المتهمين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية بدلاً من جريمة إبادة جماعية.

 من بين القضايا التي رُفعت لمحكمة الجنايات الدولية المتعلقة بجرائم الإبادة الجماعية، والتي تُعد من أهم القضايا قضية المدعي العام ضد عمر حسن البشير، حيث تأتي أهميتها في كونها القضية الوحيدة التي رفعت أمام محكمة الجنايات الدولية، والتي وُجّهت فيها تهمة الإبادة الجماعية صراحةً لرئيس دولة أثناء توليه المنصب، وايضاً تأتي أهمية القضية في كونها أُثير فيها مسالة تعارض الحصانات والسيادة مع محاكمة رؤساء الدول، مع العلم بأن المادة (27) من نظام روما الأساسي تُسقط الحصانات من رؤساء الدول.  

المحاكم التي انشأها مجلس الأمن بشأن جرائم الإبادة الجماعية

الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة يخّول لمجلس الأمن سلطة إنشاء محاكم جنائية خاصة، تميزت تلك المحاكم بأنها محاكم مؤقتة وذات طبيعة خاصة أُنشئت للبت في جرائم الإبادة الجماعية. ولكن تقديرنا وبعد انشاء محكمة الجنايات الدولية لم تعد هنالك حاجة لإنشاء مثل تلك المحاكم الخاصة. 

أنشأ مجلس الأمن محكمتين جنائيتين دوليتين لمحاكمة جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب وهما محكمة يوغوسلافيا السابقة (International Criminal Tribunal for the former Yugoslavia) حيث كونت المحكمة بقرار مجلس الأمن رقم 827 لسنة 1993 لمحاكمة المتهمين (سلوبودان ميلوشيفيتش، رادوفان كاراديتش، راتكو ملاديتش). 

أما القضية الثاني كانت في مواجهة رئيس وزراء دولة روندا (Prosecutor v. Jean Kambanda) أثناء فترة الإبادة الجماعية في بلاده، تكمن أهمية القضية في اصدار المحكمة لقرار يقضي بإدانة -أول رئيس وزراء في العالم -في جريمة الإبادة الجماعية. 

الجرائم ضد الإنسانية

عرّفت المادة (7) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، الجرائم ضد الإنسانية بأنها:” أي فعل من الأفعال المحددة يُرتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجَّه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين، مع العلم بالهجوم.” تشمل الجرائم ضد الإنسانية الآتي: (القتل العمد، الاغتصاب، الإبادة، الاسترقاق، التعذيب، الترحيل القسري، الاضطهاد، السجن أو الحرمان الشديد على أي نحو آخر من الحرية البدنية، الاختفاء القسري للأشخاص، جريمة الفصل العنصري).

عُرضت أمام المحكمة الجنائية الدولية عدد من القضايا المتعلقة بالجرائم ضد الإنسانية، شملت عدد من القادة السياسيين والعسكريين على حد السواء، حيث اسقطت المحكمة تهم عديدة منهم، منها على سبيل المثال قضية الرئيس الكيني أوهورو كينياتا –Prosecutor v. Uhuru Muigai Kenyatta حيث نُسبت إليه تهم القتل، والترحيل القسري، والاضطهاد، وافعال غير إنسانية في الهجوم الممنهج ضد المدنيين الكينين في الانتخابات الكينية التي تم اجراؤها خلال الفترة 2007- 2008م. كما الغت المحكمة قرار الادانة ضد الزعيم العسكري والسياسي البارز في جمهورية أفريقيا الوسطى جان بيير بيمبا – (Prosecutor v. Jean-Pierre Bemba Gombo) لعدم كفاية الأدلة، حيث اُتهم المذكور عندما كان قائداً لحركة سياسية وعسكرية في جمهورية الكونغو الديمقراطية، قامت بارتكاب جرائم ضد الإنسانية خلال الفترة 2002-2003م. وعلى الرغم من إنه لم يرتكب الجرائم بنفسه، لكن وُجهت إليه المسؤولية الجنائية كقائد للحركة السياسية والعسكرية (Command Responsibility). ذكرت المحكمة في حيثيات الغائها للإدانة (لا يكفي إثبات وجود جرائم الجنود، بل يجب إثبات علاقة مباشرة بالقيادة أو المعرفة أو التوجيه). وكذلك في قضية لوران غباغبو – Prosecutor v. Laurent Gbagbo الرئيس السابق لساحل العاج، تم اتهامه فيها بجرائم ضد الإنسانية بعد الاحداث التي أعقبت الانتخابات في جمهورية ساحل العاجل 2010- 2011 على أساس المسؤولية الجنائية الفردية له كرئيس للدولة أثناء تلك الأحداث. حكمت المحكمة ببراة المتهم لعدم وجود الأدلة الكافية. 

جرائم الحرب

وفقاً لنص المادة (8) من ميثاق روما ينعقد الاختصاص للمحكمة بالنظر في جرائم الحرب، لاسيما عندما ترتكب في إطار خطة أو سياسة عامة أو في إطار عملية ارتكاب واسعة النطاق لمثل هذه الجرائم. عددّت المادة المشار اليها عدد من الجرائم التي تنضوي تحت مظلة جرائم الحرب، بيد أن ما يهمنا في هذا الصدد الجرائم التي تحدث اثناء النزاعات المسلحة غير الدولية منها على سبيل المثال جرائم القتل، والتشويه، والتعذيب، الاعتداء على الكرامة الشخصية، أخذ الرهائن، إصدار أحكام وتنفيذ عقوبات دون ضمانات قضائية أساسية، استهداف المدنيين والمنشآت الطبية، تجنيد الأطفال دون 15 عاماً. 

كل الأمثلة السالفة الذكر تُعد من جرائم الحرب، إذ أن اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية، وقواعد العرف الدولي تمثل الاساس القانوني لهذه الجرائم، إذ إن الغرض الأساسي منها حماية المدنيين اثناء فترة النزاعات المسلحة، ولذا فأن محكمة الجنايات الدولية في قضية المدعي العام ضد توماس لوبانغا دييلو (Lubanga, 2012) والتي تمت فيها إدانة المتهم بتجنيده لأطفال دون سن 15 عاماً واستخدامهم للمشاركة الفعلية في الأعمال العدائية. أكدت المحكمة في هذه القضية بأن حماية المدنيين مبدأ جوهري في القانون الدولي الإنساني، وذكرت بمجرد توفر العلم بطبيعة الهدف على اساس أنه هدف مدني فهو أمراً كافياً لقيام المسؤولية الجنائية، دون اشتراط تحقق نتيجة معينة.

 وقد سارت على ذات النهج المحكمة الجنائية عندما أدانت المتهم بوسكو نتاغاند (Ntaganda, 2019) نائب رئيس اركان لقوات الاتحاد الوطني في جمهورية الكنغو الديمقراطية على الهجمات التي شنها على قرى مدنية في الكنغو، واعتبرت أن الهجوم الممنهج أو المتكرر يعزز القصد الجنائي كما أن الهجمات الموجهة ضد المدنيين، والعنف الجنسي، والنقل القسري، كل ذلك يشكّل جرائم دولية جسيمة تستوجب المساءلة الجنائية الفردية.

 السؤال الذي يطرح نفسه هل يجوز رفع دعاوى ضد أيّ من أطراف النزاع أو كلاهما نتيجة لقذفهم لأهداف مدنية؟ من خلال نص المادة (8) وتطبيقات القضاء الدولي يمكننا القول -مبدئياً- بأن مجرد قيام أي من طرفي النزاع أو كلاهما بتوجيه هجوم ضد هدف مدني مع العلم بطبيعته يكفي للادعاء بأنها جريمة الحرب، حتى لو كان النزاع ذا طابع عسكري عام. كما تُعد الهجمات على المنشآت الطبية والإنسانية جريمة حرب بموجب نص المادة (8(2)(b)(ix)) من النظام الأساسي للمحكمة. 

اعتبرت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة (ICTY) في قضية المدعي العام ضد ستانيسلاف غاليتش Prosecutor v. Stanislav Galić (وهو قائد فيلق عسكري في جيش صربيا خلال الفترة 1992- 1994م) حينما قام بحملة قصف وقنص ممنهجة ضد المدنيين في مدينة سراييفو اعتبرت المحكمة بأن: «استهداف المدنيين لا يتطلب تحديد هوية الضحية الفردية، بل يكفي أن يكون الهدف مجموعة مدنية بصفتها تلك». كما ارست المحكمة مبدأً في غاية الأهمية وهو << بث الرعب بين السكان المدنيين عبر القصف أو القنص يشكل جريمة حرب مستقلة>> حيث تمت ادانة المتهم بالسجن لمدة 20 عاماً.

وفي قضية داريو كورديتش (Dario Kordić) على الرغم من إنه قائداً سياسياً كرواتياً وليست بقائد عسكري تمت إدانته لكونه مُحرّض ومُخطّط ومُشارك في سياسة التطهير العرقي ضد المدنيين البوسنيين، كما تمت إدانة القائد الميداني ماريو تشيركيز (Mario Čerkez) عندما قامت القوات الخاضعة له بتنفيذ هجمات منظمة وممنهجة على قرى ذات أغلبية مسلمة في البوسنة (1992–1994) وحكمت المحكمة عليه بالسجن لمدة 15 عاماً. 

اقرت المحكمة عدد من المسائل الجوهرية في القضيتين السابقتين أهمها: – ترسيخ مبدأ الحظر المطلق لاستهداف المدنيين، وتكريس الحماية المُعزّزة لدور العبادة والمنشآت الدينية، هذا بالإضافة إلى توسيع نطاق المسؤولية الجنائية ليشمل القادة السياسيين.  كما أن المحكمة رسخت مفهوم تطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني على النزاعات غير الدولية، وتحويل الانتهاكات الجماعية إلى مسؤولية جنائية فردية، بما يعزز مبدأ عدم الإفلات من العقاب، ويُسهم في تطوير الاجتهاد الدولي في هذا مجال.

تُعد جرائم الحرب من الانتهاكات الجسيمة لقواعد القانون الدولي الإنساني (اتفاقيات جنيف الأربع1949 والبرتوكولين الاضافيين 1977) لكونها تنتهك الحماية المقررة للأشخاص والممتلكات المحمية بموجب الاتفاقيات السابقة. إذ إنها ترتكب اثناء فترة النزاع المسلح سواء كان دولياً أم محلياً، وهي جرائم عرفتها المادة (8) من النظام الأساسي تعريفاً واسعاً شمل عدد كبير من الجرائم.  ونظراً لخطورتها أكد القضاء الدولي على أن حماية المدنيين مبدأ جوهري لا يقبل التقييد بالذرائع العسكرية، كما جاء في قضية Ntaganda (2019)، والذي ذكرت فيه المحكمة <<بأن أي إخلال بمبدأ التمييز أو التناسب أو اتخاذ الاحتياطات يرقى إلى جريمة حرب تستوجب المساءلة الجنائية الفردية».

أسس المسؤولية الجنائية الفردية

مادة (25/3) من النظام الأساسي وضعت أطراً للمسؤولية الجنائية الفردية، بحيث تشمل المسؤولية المباشرة عن ارتكاب الجريمة، والمسؤولية عن الأوامر المباشرة أو الاشتراك في التخطيط، والمسؤولية عن التواطؤ أو المساعدة في ارتكاب الجريمة. وقد ادانت محكمة الجنايات الدولية عدد من المتهمين بسبب ارتكابهم وتحملهم للمسؤولية الجنائية عن الجرائم المنصوص عليها في النظام الأساسي للمحكمة منهم على سبيل المثال. Thomas Lubanga Dyilo (2012) الذي ادانته المحكمة نتيجة تجنيده للأطفال دون الخامسة عشر، واستخدامه لهم في النزاعات المسلحة في جمهورية الكنغو الديمقراطية.  

وفي قضية Germain Katanga (ICC, 2014) قائد مليشيا مسلحة هاجمت قرية Bogoro – في إقليم إيتوري، جمهورية الكونغو الديمقراطية، أسفر الهجوم عن قتل عدد من المدنيين بالقرية، وتدمير ممتلكاتهم، وشمل عدد من الانتهاكات الأخرى، وعلى الرغم من عدم وجود المتهم في مسرح الجريمة وقتئذ، الا أن المحكمة رأت بأن علمه بها يعد سبباً كافياً للإدانة.  وأن غيابه لا يعفيه من المسؤولية الجنائية. حيث أكدت المحكمة بأن «الشخص الذي يزوّد أو يسهّل أو يمكّن من ارتكاب الجرائم، مع العلم بطبيعتها، يتحمل المسؤولية الجنائية الكاملة».

مسئولية القادة والرؤساء الآخرين

هل ينجح طرفا النزاع المسلح في السودان بالدفع بعدم تحملهم المسؤولية الجنائية في حالة رفع دعاوى ضدهم تتعلق بالانتهاكات اثناء الحرب لكونهم لم يباشروا تلك الانتهاكات بأنفسهم؟ 

تعتد المادة 28 من النظام الأساسي بمسؤولية القادة العسكريون والمدنيون متى ما كانت لديهم السلطة على مرؤوسيهم، أو كان ينبغي عليهم أن يعلموا بارتكاب الجرائم، ولم يتخذوا جميع التدابير الممكنة لمنع ارتكاب الجرائم أو معاقبة مرتكبيها.

تؤكد كلٍ من محكمة الجنايات الدولية والمحاكم الخاصة بجمهورية يوغسلافيا السابقة (ICTY) أن القادة العسكريين والسياسيين يتحملون المسؤولية الجنائية الفردية عن الجرائم الدولية، بما في ذلك الجرائم التي ارتكبها المرؤوسون، وأن منصب القائد لا يوفر حصانة عن ارتكاب الجرائم أو التواطؤ فيها. حيث تكمن المسؤولية في العلم أو التقصير وعدم اتخاذ التدابير اللازمة لمنع الجرائم أو معاقبة مرتكبيها.»

وتنص المادة (27) من النظام بعدم الاعتداد بالصفة الرسمية حيث يطبق النظام الأساسي على جميع الأشخاص بصورة متساويةدون أي تمييز بسبب الصفة الرسمية، وبوجه خاص فإن الصفة الرسمية للشخص، سواء كان رئيساً لدولة أو حكومةً أو عضواً في حكومة، أو برلمانياً، أو ممثلاً منتخباً، أو موظفاً حكومياً، لا تعفيه بأي حال من الأحوال من المسئولية الجنائية بموجب هذا النظام الأساسي، كما أنها لا تشكل في حد ذاتها، سبباً لتخفيف العقوبة. 

ادانت محكمة الجنايات Jean Kambanda (ICTR, 1998) رئيس وزراء روندا، كما ادانت     Dario Kordić (ICTY , 2004) داريـو كورديتش بوصفه قائد مدني/سياسي بارز عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية أمام المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة (ICTY). 

طرق تحريك الدعاوى أمام المحكمة الجنائية الدولية

المادتان (13/أ) مقروءة مع المادة (14) يحددان الاختصاص المحكمة الجنائية وطرق تحريك الدعاوى الجنائية امام محكمة الجنايات الدولية، فعندما تقوم دولة طرف في النظام الأساسي بإحالة الدعوى إلى المحكمة، يقوم المدعي العام بتقييم الإحالة وفتح التحقيق حولها متى ما توفرت له الشروط اللازمة لذلك. كما هو الحال في إحالة الدعاوى للمحكمة الجنائية من دولتي أوغندا، الكونغو الديمقراطية. 

تعد المادتان (13/ج) والمادة (15) من النظام الأساسي السند القانوني لتحريك الدعوى من قِبل المدعي العام للدعاوى من تلقاء نفسه، متى ما تلقي معلومات بشأن ارتكاب الجرائم التي تختص المحكمة بالنظر فيها، حيث يقوم المدعي العام للمحكمة بفحص أولي لتقييم المسائل التالية (الاختصاص، المقبولية، صحة وجدية المعلومات) ومتى ما تيقن من ذلك، يطلب إذناً من الدائرة التمهيدية لفتح التحقيق، وفي حال الموافقة، يبدأ مباشرة التحقيق رسمياً فيها. وينحصر دور الأفراد والضحايا في تزويده بالمعلومات والافادات ذات العلاقة بالدعوى. 

أنواع التعويضات التي يمكن أن يحصل عليها المتضررين في القانون

المادة (75) من النظام الاساسي منحت المحكمة الحق في وضع مبادئ تتعلق بجبر الأضرار التي تلحق بالمجني عليهم أو فيما يخصهم، بما في ذلك رد الحقوق والتعويض ورد الاعتبار، كما لها الحق في أن تصدر أمراً مباشراً ضد الشخص المدان تحدد فيه أنواعاً مناسبة من التعويضات وذلك جبراً لأضرار المجني عليهم، أو فيما يخصهم، بما في ذلك: رد الحقوق والتعويض ورد الاعتبار، وللمحكمة أن تأمر حيثما كان مناسباً، بتنفيذ قرار الجبر عن طريق الصندوق الاستئماني (Trust Fund) المنصوص عليه في المادة 79.

المــادة (79) من النظام الأساسي نصت على انشاء صندوق استئماني بقرار من جمعية الدول الأطراف لصالح المجني عليهم في الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة. وللمحكمة أن تأمر بتحويل الاموال وغيرها من الممتلكات المحصلة في صورة غرامات، وكذلك الاموال والممتلكات المصادرة، إلى الصندوق الاستئماني.

أنواع التعويضات التي حكمت بها المحكمة الجنائية الدولية لصالح المتضررين 

اعتمدت محكمة الجنايات الدولية عدد من أنواع التعويضات منها عل سبيل المثال: التعويض المالي، وذلك بدفع مبالغ مالية لجبر الضرر الجسدي أو النفسي أو الخسائر المادية للمتضررين. حيث تلزم المحكمة مباشرةً المحكوم عليه بدفع التعويضات وفي حالة تعذر التنفيذ من جانب المحكوم عليه، ويتم دفع التعويضات للضحايا من اموال الصندوق الاستئماني.

  في قضية Germain Katanga جيرمان كاتانغا (جمهورية الكونغو الديمقراطية) –حكمت المحكمة بتعويضات مالية مباشرة للضحايا بمبلغ وقدره 250 دولاراً أمريكياً لكل ضحية، حيث تم دفع التعويضات من اموال الصندوق الاستئماني للضحايا، وذلك نظراً لإعسار المحكوم عليه. 

كما حكمت المحكمة برد الحقوق وإعادة حال المتضررين إلى الحالة التي كانوا عليها قبل الانتهاكات بقدر ما هو ممكن، كما هو الحال في حالة إعادة الممتلكات المصادرة أو المنهوبة، وإعادة الحقوق القانونية لأصحابها. 

قدرت المحكمة في قضية أحمد المهدي Ahmad Al Mahdi (تمبكتو – مالي) – 2017 الضرر بقيمة 2,7 مليون يورو، حيث شملت التعويضات إعادة ترميم الأضرحة، وتعويضات رمزية، وبرامج مجتمعية.

ايضاً أصدرت المحكمة احكاماً تتعلق بإعادة التأهيل للمتضررين من خلال برامج الدعم النفسي، والدعم الطبي والعلاجي، التأهيل الاجتماعي، برامج إعادة الإدماج. ففي قضية توماس لوبانغا (Lubanga Thomas) على سبيل المثال: أقرت المحكمة مبدأ التعويضات المتعلقة ببرامج إعادة التأهيل، والدعم النفسي واجتماعي، والتعليم، حيث تم تمويل تلك البرامج من أموال الصندوق الاستئماني. 

كما حفل سجل المحكمة باتخاذ بعض الإجراءات والتدابير المعنوية مثل الاعتراف الرسمي بالضرر، والاعتذار، وإحياء ذكرى الضحايا، والنصب التذكارية وغيرها من التدابير في الجرائم التي تتعلق بانتهاكات الجماعية والانتهاكات الجسيمة. ففي قضية أحمد الفقي المهدي (تمبكتو) حكمت المحكمة بترميم الأضرحة والمواقع التاريخية كتعويض رمزي وثقافي للضحايا.

المشاكل والتحديات التي تواجه تنفيذ قرارات المحكمة الجنائية الدولية 

من أهم المشاكل والتحديات التي تواجه المحكمة الجنائية الدولية هي أن عدداً مقدراً من الدول ذات النفوذ والثقل الدوليين لم تصادق على النظام الأساسي للمحكمة، منها على سبيل المثال الولايات المتحدة الامريكية، وجمهورية روسيا الاتحادية، وجمهورية الصين الشعبية، وجمهورية الهند، دولة الكيان الإسرائيلي، وغيرها من الدول. حيث يترتب على عدم مصادقتها على النظام الأساسي الحد من فعالية إدائها، وبالتالي تنحصر الولاية القضائية للمحكمة في الدول الأعضاء، الأمر الذي يجعل الدولة غير المصدقة على النظام في حالة عدم تعاون تام مع المحكمة، مما يؤثر على سلباً على سير العدالة الدولية. 

بالإضافة إلى عدم وجود هيئة تنفيذية تابعة للمحكمة (قوة شرطية) مما يعيق من جهود ملاحقة الجناة وتنفيذ بقية قراراتها (أوامر القبض، وجمع البينات)، لاسيما وأن المحكمة تعتمد بشكل رئيسي على تعاون الدول معها في تنفيذ قراراتها. 

فضلاً عن أن إجراءاتها تتسم باستغراق وقتاً طويلاً، نظراً لأن الجرائم التي تنظرها المحكمة ذات طبيعة معقّدة وهي دون أدني شك جرائم جسيمة (الإبادة، الجرائم ضد الإنسانية، جرائم الحرب، العدوان). 

وكذلك تواجه المحكمة صعوبة جمع الأدلة والبينات لأن الجرائم في الغالب العام تقع في مناطق نزاعات مسلحة، بالإضافة إلى أن المحكمة عادةً ما تتلمس -بالقدر المعقول- في اتخاذ قرارتها سبل تحقيق العدالة، الامر الذي يتطلب الدقة في سير إجراءاتها وكافة مراحل التقاضي، وليست القفز عليها. 

ومن بين تلك التحديات نجد أن المحكمة محدودة الموارد المالية شحيحة الميزانية، مقارنة مع حجم وطبيعة القضايا المعروضة امامها، وما تنفقه على فرق الادعاء والدفاع وغيرهما من التكاليف المادية كبير للغاية، مما يتطلب التمويل اللازم. 

معظم القضايا التي تنظرها المحكمة ذات طابع سياسي، حيث يتعلق بعضها بمحاكم رؤساء دول وزعماء سياسيين وعسكريين، الامر الذي يجعلها تتعرض لضغوط سياسية ودبلوماسية جمة، بالإضافة إلى الصعوبات التي تتعلق بأمر الحصانات لهم، مما يحول دون القاء القبض على الزعماء السياسيين وتقديمهم للعدالة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى