يا سعادة والي النيل الأبيض، وقيادة الفرقة 18، إذا كان هذا حال ابن شهيدكم، فكيف حال فقيركم؟

ناهد إدريس | صحافية وناشطة في حقوق الطفل والمرأة

تابعتُ بصبرٍ وتمهّل مناشدتي لابن كوستي البار، دكتور محمد بردسول، عندما خاطبته لثقتي الكبيرة في أنه ابن المدينة التي أعرفها وتعرفني. أعرف أهلها، تكاتفهم، وبذلهم عند الشدائد. فقد عاصرتُ في كوستي الكثير من ضحايا الحروب والنزوح، منذ طفولتنا الباكرة؛ حرب الجنوب، ثم القتال في مناطق جبال النوبة، والكرمك، وقيسان. ازدحمت الذاكرة بمشاهد موجعة من معسكرات قوز السلام وغيرها من معسكرات اللجوء.

خلال سنوات ما أُطلق عليها (ثورة الإنقاذ)، أخذت كوستي النصيب الأكبر من موجات النزوح: نساء، أطفال، أرامل وأيتام؛ بيوت فقدت المعيل، وأمهات خرجن من رحم المعاناة بلا تعليم ولا وظائف تقيهن شرّ الحاجة والعوز.

ثم ها هي المشاهد تتكرر، تعيد المأساة نفسها؛ تقع المدينة تحت رحمة النزوح والتشرّد، ضحايا حرب هذه المرة من كل أنحاء السودان. بلدٌ جريح ينزف من كل جوارحه. وقفت كوستي شامخة كعادتها، فتحت بيوتها ومرافقها العامة، تحاول تضميد جراح الوطن ومدّ يد العون. استبسل بنات وأبناء كوستي، وأتابع عبر المجموعات ما يقدمونه من بسالة وإيثار، وتقديم كل ما جادت به النفس، في وقت عصيب من عمر هذا الوطن المبتلى بحروب أهدرت النفوس قبل الأموال، وجعلت الجميع في حالة عوزٍ وحاجة.

وسط هذه الأوجاع برز الطفل محمد المعتز، طفل لم يتجاوز العاشرة من عمره، يحاول سدّ جوع أخواته ووالدته المريضة. عمل بما وجده وسط بؤس الحرب ولعنتها؛ تناول (الدلوكة) ليغني بصوت طفلٍ بريء أدركته الحياة قبل أوانها. وجد نفسه وسط الفاجعة، يردد أغاني البنات في بيئة بسيطة لا تدرك حجم مأساة طفلٍ بحّ صوته. فخرجت إلينا فاجعة موجعة تصدّرت “الترند” على التيك توك، دون رقيب أو حسيب.

بعد استجابة دكتور محمد بردسول — له التقدير — أُصبتُ بالدهشة وألجمتني الفاجعة؛ إذ قال محمد إن والده كان واحدًا من الجنود الذين قضوا في هذه الحرب في المدرعات. وكان نتيجة رحيله المفاجئ أن جاع محمد، وتشردت والدته المريضة وإخوته الصغار. لم يجد وسط هذه الحرب المستعرة من يمدّ لطفولته يد العون.

كيف سيدرك هذا الطفل قيمة الوطن عندما يكبر، ويعلم أن والده قدّم روحه لهذا الوطن، وكان الثمن أن تم تجاهلهم، ورميهم في قاع المدينة بين أثمالٍ بالية من الخيش يُطلق عليها مجازًا “بيتًا”، بلا خدمات، بلا تعليم، ولا اهتمام؟

تساءلتُ: كم محمدٍ آخر يدفع ثمن موت والده الذي تقول له الدولة إنه شهيدها، قدّم الدماء لأجل الوطن؟ وأين الدولة من هؤلاء الأطفال؟ أين صناديق الشهداء ومنظماتها التي تقيم الحفلات والأغاني وأعراس الشهداء؟ أم أن للشهادة معايير تفرّق بين شهيدٍ وآخر؟

لماذا تجاهلت الولاية هذه الشريحة؟ ولماذا لم تُدرك هذه الأسر لتعوضها فراغ فقدان عائلها الوحيد؟

يا سعادة والي النيل الأبيض، إن قضية الطفل محمد لن تكفيها زيارة، أو كيس صائم. من حق هذا الطفل وغيره ممن دفعوا ثمن الدماء أن يجدوا رعايةً حقيقية، لا عطفًا عابرًا.

ويا سعادة الوالي، أركان حرب ولايتكم:

إذا كان هذا حال أبناء الشهداء، فكيف حال أبناء الفقراء؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى