دعاة وقف الحرب يتقدمون… وانهيار وهم الشرعية (“مؤتمر برلين”): الأرض تهتز تحت أقدام المتشددين

أفق جديد

في لحظةٍ تبدو فيها الحرب في السودان وكأنها فقدت حتى مبرراتها الأولى، تستعد برلين لاحتضان مؤتمر لا يشبه ما سبقه كثيرًا بقدر ما يحاول أن يتجاوز إخفاقات الماضي. ليس لأن العالم أصبح أكثر حكمة، بل لأن الكلفة الإنسانية والسياسية للحرب بلغت حدًا لم يعد يسمح بالمناورة.

بعد غدٍ الأربعاء، تنطلق أعمال مؤتمر السودان في العاصمة الألمانية، موزعة على ثلاثة مسارات: سياسي وزاري، وإنساني، ومدني. تركيبة تبدو للوهلة الأولى تقليدية، لكنها في حقيقتها تعكس تحوّلًا في مركز الثقل: من الفاعلين العسكريين إلى دوائر الضغط الدولي والمجتمع المدني. هكذا تبدو برلين وهي تستعد لاستقبال مؤتمر السودان، لا كمنصة تفاوض تقليدية، بل كمسرحٍ لمحاولة نقل مركز القرار من الميدان إلى السياسة، ومن السلاح إلى الضغط الدولي.

المؤتمر، بحسب منظميه ومشاركين فيه، لا يقوم على فكرة جمع الخصوم بقدر ما يقوم على تجاوزهم. ثلاثة مسارات تتحرك بالتوازي، لكن الخيط الذي يشدها جميعًا هو إدراك متأخر بأن انتظار توافق طرفي الحرب لم يعد خيارًا عمليًا. فالعالم، الذي ظل طويلًا أسير معادلة “لا حل دون الفاعلين العسكريين”، يبدو وكأنه بدأ يختبر معادلة معاكسة: لا نهاية للحرب إذا ظل الحل رهينة لهم.

في القاعة الوزارية، حيث تجتمع أطراف أوروبية وأفريقية فاعلة، لا يدور الحديث فقط عن وقف إطلاق النار، بل عن كيفية صناعة ضغط حقيقي على من يملكون قرار استمرار الحرب. ليست هذه أول مرة تُطرح فيها الفكرة، لكن الجديد هو السياق: حربٌ تدخل عامها الرابع، واقتصاد منهك، وإقليم قلق، ومجتمع دولي لم يعد قادرًا على تحمّل كلفة اللامبالاة. هنا، يصبح التنسيق بين ما يُعرف بالرباعية والخماسية أكثر من مجرد تناغم دبلوماسي، بل محاولة لبناء كتلة ضغط عابرة للمصالح المتباينة.

غير أن أكثر ما يمنح المؤتمر دلالته، طبقًا لتصريحات من تيارات مختلفة خرجت من قاعات الاجتماع التحضيري في أديس أبابا، الذي أنهى أعماله أمس، ليس ما يجري داخله، بل ما يحدث خارجه. غياب طرفي الصراع عن الدعوة ليس تفصيلًا إجرائيًا، بل إشارة صريحة إلى أن العالم بدأ يتعامل معهما بوصفهما جزءًا من المشكلة، لا بوصفهما المدخل الحصري للحل. هذه هي اللحظة التي يبدأ فيها مفهوم “الشرعية” بالتآكل؛ حين تفقد السيطرة العسكرية قدرتها على فرض الحضور السياسي.

تحول كبير

في حديثٍ يوازي في أهميته توقيت انعقاد المؤتمر نفسه، قدّم عبد الله حمدوك قراءةً أقرب إلى التشخيص منها إلى الموقف، وهو يتحدث عشية توجهه إلى برلين، واضعًا المؤتمر في سياقه الأوسع، لا بوصفه حدثًا معزولًا، بل محطة ضمن مسار دولي متعثر يبحث عن نقطة ارتكاز جديدة.

يرى حمدوك أن مجرد إشراك القوى المدنية بصورة رسمية هذه المرة يمثل تحولًا مهمًا في مقاربة المجتمع الدولي للأزمة السودانية، بعد أن ظل هذا الصوت غائبًا أو مهمشًا في محطات سابقة مثل باريس ولندن، حيث جرت النقاشات في غياب من يُفترض أنهم أصحاب المصلحة الأوسع في إنهاء الحرب. غير أن هذا التحول، في نظره، لا يعني بالضرورة أن الطريق أصبح معبّدًا، بل يعكس إدراكًا متأخرًا بأن استبعاد المدنيين كان أحد عوامل فشل تلك الجهود في بناء إطار سياسي موثوق.

ومن هذا المنطلق، لا يرفع حمدوك سقف التوقعات بقدر ما يعيد تثبيت نقطة البدء: لا حل عسكريًا لهذه الحرب. عبارة يكررها كحقيقة استقر عليها الواقع أكثر مما أنتجها التنظير، مشددًا على أن أيًا من طرفي القتال لن يتمكن من تحقيق نصر كامل، وأن الاستمرار في هذا الرهان لا يعني سوى إطالة أمد الكارثة. لذلك، يضع الرجل ثقله – ومعه الوفد المدني – على الدفع نحو مسارات إنسانية مفتوحة، وحماية المدنيين، وإطلاق عملية سياسية تعالج جذور الأزمة لا مظاهرها.

لكن هذه الرؤية تصطدم، كما يقر، بواقع معقد، حيث تبدو فرص تحقيق اختراق سياسي فوري محدودة، حتى في ما يتعلق بمبادرة الهدنة الإنسانية التي طرحتها أطراف الرباعية. ورغم ذلك، يمنحها قدرًا من الأهمية لكونها – على حد تقديره – الأكثر وضوحًا من حيث الجداول الزمنية والمبادئ وآليات التنفيذ، فضلًا عن أنها كشفت، بشكل أو بآخر، الأطراف التي تعرقل الوصول إلى تسوية سياسية.

في قراءته لموازين القوى داخل الدولة، يذهب حمدوك إلى ما هو أبعد من توصيف الحرب كصراع عسكري، معتبرًا أن نفوذ الإسلاميين داخل مؤسسات الجيش والدولة يتوسع بصورة لافتة، وأن بعض التعيينات الأخيرة تعكس هذا الاتجاه، وترسل إشارات لا تخطئها القراءة السياسية حول وجود رغبة في إطالة أمد الحرب. وهو يرى في ذلك رهانًا ذا حدين: إما أن تفضي الحرب إلى إعادة إنتاج السلطة القديمة، أو أن تدفع البلاد نحو مزيد من التفكك والانهيار.

وفي قلب هذا المشهد، يعيد حمدوك التذكير بالكلفة الإنسانية التي لا تتوقف عن التصاعد، حيث يتحمل المدنيون العبء الأكبر من الانتهاكات والنزوح وانهيار الخدمات، مشيرًا إلى أن ملايين السودانيين شُرّدوا داخل البلاد وخارجها، فيما تستمر الهجمات على المرافق الحيوية، من مستشفيات وأسواق ومناطق سكنية. ولا يتردد في توجيه الإدانة للطرفين، واصفًا ما يجري بأنه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، لافتًا إلى أن المساعدات – رغم وصول بعضها – لا تزال تعترضها عوائق كبيرة، بل إن الغذاء نفسه أصبح يُستخدم سلاحًا ضمن معادلة الصراع.

بهذا المعنى، لا يبدو حديث حمدوك رهين التفاؤل أو التشاؤم، بقدر ما يعكس محاولة لوضع مؤتمر برلين في حجمه الحقيقي: فرصة محدودة، لكنها ضرورية، ضمن مسار أطول ومعقد، حيث لا يكفي انعقاد المؤتمرات لإنهاء الحروب، لكن غيابها أيضًا لا يترك سوى فراغٍ تتمدد فيه المأساة. غير بعيدٍ عن هذه المقاربة، يقدّم سليمان بلدو، مدير المرصد السوداني للشفافية والسياسات، قراءةً تتقاطع مع طرح حمدوك في الجوهر، لكنها تمضي به خطوة إضافية نحو تفكيك خلفيات الاعتراض على مؤتمر برلين.

تحول جذري

هذه الإضافة، كما يراها بلدو في حديثه لـ”أفق جديد”، ليست تفصيلًا فنيًا، بل تعبير عن تحوّل في تصور العملية السياسية برمتها، حيث يُعاد تعريف من يملك الحق في الجلوس إلى طاولة التفاوض وصياغة ما بعدها. فالفكرة التي يقوم عليها هذا المسار، في جوهرها، أن المدنيين – لا القوى المسلحة – هم من ينبغي أن يكون لهم الدور الحاسم في رسم ملامح السلام وترتيبات ما بعد وقف إطلاق النار، باعتبارهم الطرف الأوسع تمثيلًا لمصالح المجتمع، والأقل ارتباطًا بحسابات الحرب.

غير أن هذا التحول، بحسب بلدو، يصطدم برفض صريح من أطراف داخل السلطة ومن بقايا النظام السابق، الذين يرون في أي دور مدني تهديدًا مباشرًا لمعادلة التفاوض التي يسعون لتكريسها. فهؤلاء، كما يوضح، يدفعون باتجاه حصر أي عملية تفاوضية مستقبلية بين الأطراف المتقاتلة فقط، بما يضمن بقاء العملية السياسية رهينة لمن يملكون السلاح، ويقصي في الوقت نفسه أي إمكانية لفرض أجندة مدنية تتعلق بالتحول الديمقراطي أو إعادة بناء الدولة على أسس جديدة.

في هذا السياق، يصبح الاعتراض على مؤتمر برلين – أو على الأقل على مساره المدني – مفهومًا من زاوية المصالح، لا من زاوية الإجراءات. إذ إن جوهر الخلاف، كما يقدّمه بلدو، لا يدور حول مكان انعقاد المؤتمر أو من حضره، بل حول سؤال أعمق: من يملك حق تقرير مستقبل السودان؟ أهي القوى التي تخوض الحرب، أم القوى التي تدفع ثمنها؟

وفي زاويةٍ أخرى من المشهد، يقدّم صلاح الأمين، الخبير في العمل الطوعي والإنساني، لـ”أفق جديد” قراءةً تنطلق من الأرض أكثر مما تنشغل بسقوف السياسة، واضعًا الرهان الأساسي للمؤتمر على ما يمكن أن يخفف وطأة الكارثة اليومية. فبالنسبة له، لا تبدو المسارات المتعددة بذات الأهمية، إذ تظل الهدنة الإنسانية هي العنوان الأبرز، وربما الأكثر إلحاحًا، بوصفها المدخل الواقعي لفتح ممرات الإغاثة ورفع جزء من المعاناة الثقيلة التي يحملها المدنيون منذ اندلاع الحرب.

بناء توافق

وفي تقديره، فإن النقاشات في برلين قد لا تتوقف عند حدود الدعوة إلى الهدنة، بل قد تمتد إلى محاولة بناء توافق دولي أوسع حول أدوات الضغط، بما في ذلك التلويح بالعقوبات في حال تعنّت أطراف القتال أو رفضها الانخراط في ترتيبات إنسانية واضحة. وهو طرح يعكس، في جوهره، تحوّلًا في المزاج الدولي من الاكتفاء بالمناشدات إلى التفكير في كلفة الرفض.

لكن هذا التفاؤل الحذر لا يمنع صلاح الأمين من الإشارة إلى ما يراه ثغرات في تركيبة الدعوات نفسها، حيث يلمّح إلى أن بعض المشاركين لا يملكون الخبرة أو الاحترافية الكافية للتأثير في نقاشات بهذا التعقيد، وأن معايير الاختيار لم تخلُ – على ما يبدو – من أثر العلاقات الشخصية، وهو ما قد يضعف من فاعلية المسار المدني الذي يُفترض أن يكون أحد أعمدة المؤتمر.

وفي قراءته لموقف السلطة في بورتسودان، لا يذهب صلاح الأمين بعيدًا في تفسير التحفظ، إذ يرى أن جوهر القلق يكمن في الخشية من أن تتحول المشاركة إلى التزام سياسي بالمخرجات، خاصة إذا انتهى المؤتمر إلى صيغة تُلزم الأطراف بهدنة إنسانية، وهو سيناريو لا يبدو مرحبًا به لدى من لا يزال يراهن على معادلة الميدان.

نقاط قوة

ومع ذلك، فإن المفارقة التي يطرحها الأمين تكمن في اعتباره أن غياب أطراف القتال عن المؤتمر قد يكون، في حد ذاته، نقطة قوة لا ضعف. فطبيعة الاجتماع، كما يراها، مدنية في الأساس، تستهدف البحث عن مخارج للحرب لا إعادة إنتاجها عبر منحها شرعية تفاوضية جديدة. صحيح أن السيطرة على الأرض تمنح تلك الأطراف وزنًا لا يمكن تجاهله، لكن – في نظره – لا ينبغي أن تعني احتكار الصوت أو فرض شروط الاستماع، إذ إن جوهر أي مسار جاد نحو السلام يجب أن ينطلق من حيث تقف معاناة المدنيين، لا من حيث تتمركز البنادق.

نبرة مختلفة

وطبقًا لقراءات عديدة استقتها “أفق جديد” من الجدل الدائر حول المؤتمر، فإن المسار الإنساني ستتكرر فيه الوعود ذاتها التي سُمعت في لندن وباريس، لكن بنبرة مختلفة هذه المرة، كأن ثقل الفشل السابق صار جزءًا من النقاش نفسه. التعهدات المرتقبة لا تُقاس بحجمها بقدر ما تُقاس بقدرتها على الوصول، إذ لم يعد ينقص السودانيين تعاطف العالم بقدر ما ينقصهم أن يتحول هذا التعاطف إلى غذاء ودواء وممرات آمنة. وبين الشكوك المشروعة والآمال الضرورية، يتحرك هذا المسار فوق حافة المصداقية.

أما المسار المدني، فيحمل عبئًا يفوق طاقته وربما أهميته في آنٍ واحد. هنا، يحاول الفاعلون المدنيون، بعد سنوات من التشتت والانقسام، أن يستعيدوا صوتًا كاد أن يضيع بين هدير السلاح. الوثيقة المطروحة للنقاش لا تقدم حلولًا سحرية، لكنها تعيد ترتيب الأولويات بلغة واضحة: لا حل عسكريًا، ولا مخرج إلا بعملية سياسية شاملة بملكية سودانية. ليست هذه العبارات جديدة، لكنها تكتسب ثقلها من كونها تُطرح في لحظة إنهاك عام، حيث لم يعد أحد يملك ترف رفض التسويات.

في المقابل، تتوزع الاعتراضات على نحو يكاد يعكس خريطة الانقسام السوداني نفسها. الحكومة ترفض مؤتمرًا لا تُدعى إليه، وتراه افتئاتًا على السيادة، بينما ترى قوى أخرى أن الترتيبات نفسها تعاني من اختلالات تجعلها عاجزة عن إنتاج مسار ذي مصداقية. وبين هذا الرفض وذاك التحفظ، يظهر المؤتمر كأنه يمشي في حقل ألغام سياسي، حيث لا يوجد إجماع حتى على جدوى المحاولة.

وفي امتدادٍ لهذه القراءة، يعود سليمان بلدو ليضع مؤتمر برلين في قلب معركةٍ موازية لا تقل ضراوة عن تلك الدائرة في الميدان، لكنها تُخاض هذه المرة في فضاء السياسة والرأي العام. فالحملة المنظمة، التي يرى أنها تُدار بتنسيقٍ كامل لإفشال المؤتمر، سواء عبر الموقف الرسمي الرافض أو من خلال تحريك قطاعات من المهاجرين السودانيين في أوروبا للاحتجاج أمام الخارجية الألمانية، ليست – في تقديره – مجرد تعبير عن اختلاف في وجهات النظر، بل مؤشر على وجود معسكر متكامل لا يرى مصلحة في أي تسوية تفاوضية.

هذا المعسكر، كما يصفه، لا يزال متمسكًا برهان الحسم العسكري الكامل، وهو رهان لم يعد يُخفى حتى في الخطاب العلني، حيث تتكرر الدعوات إلى مواصلة الحرب حتى “الهزيمة الكاملة” للطرف الآخر، مهما طال الزمن وكلف الثمن. ومن هنا، يقرأ بلدو هذا الرفض الحاد لمؤتمر برلين باعتباره انعكاسًا لخوف أعمق، لا يتعلق بالمؤتمر ذاته بقدر ما يتعلق بما قد يفتحه من أفق سياسي بديل.

ففي نظره، تكمن خطورة برلين – بالنسبة لهذا المعسكر – في أنها تمنح زخمًا متزايدًا للقوى المدنية، خصوصًا تلك التي ترفع شعار إنهاء الحرب واستعادة المسار الديمقراطي. وهو زخم يُنظر إليه كتهديد مباشر لمشروع أوسع يسعى، بحسب تقديره، إلى إعادة إنتاج السلطة عبر بوابة الحرب، واستعادة السيطرة على الدولة ومواردها باستخدام المؤسسة العسكرية كأداة في هذا المسار.

وعلى مستوى بنية المؤتمر نفسه، يلفت بلدو إلى أنه لا يقوم على مسار واحد، بل على ثلاثة مستويات متداخلة تعكس تعدد الأهداف والرهانات. ففي المستوى الأول، يجتمع وزراء الخارجية لحشد التمويل اللازم للعمل الإنساني، في محاولة لسد فجوة الاستجابة التي لا تزال دون حجم الكارثة، مع توقعات بأن تسفر هذه الجولة عن تعهدات مالية أكبر ترفع من وتيرة الإغاثة للنازحين واللاجئين. وفي موازاة ذلك، يتحرك مسار سياسي على المستوى ذاته، يهدف إلى دفع جهود السلام، وإعادة تنشيط النقاش حول المبادرات الدولية، بما في ذلك ما يُعرف بخارطة طريق الرباعية، مع تأكيد متزايد على ضرورة إسناد دور قيادي للمدنيين في أي عملية سياسية قادمة.

غير أن المسار الذي يثير كل هذا الجدل – وربما كل هذا القلق – هو المسار المدني، الذي يصفه بلدو بأنه جوهر التحول الحقيقي في مقاربة الأزمة. فهذا المسار لا يكتفي بإشراك المدنيين، بل يسعى إلى تعريف دورهم وتثبيته كعنصر حاسم في صياغة السلام، وهو ما يفسر، في رأيه، الحشد المضاد الذي تقوده قوى ترى في هذا التوجه تهديدًا مباشرًا لمصالحها. ويشير في هذا السياق إلى الاجتماع التحضيري الذي انعقد في أديس أبابا، حيث جرت محاولة لتوحيد رؤية القوى المدنية قبل انتقالها إلى برلين، بما يمنح مشاركتها قدرًا أكبر من التماسك والتأثير.

صراع مشروعات

بهذا المعنى، لا ينظر بلدو إلى مؤتمر برلين كحدثٍ منفصل، بل كحلقة ضمن صراع أوسع بين مشروعين: أحدهما يسعى إلى إنهاء الحرب عبر مسار سياسي مدني، والآخر يراهن على استمرارها كطريق لاستعادة السلطة. وبين هذين المسارين، يتحدد – في تقديره – ليس فقط مصير المؤتمر، بل مآلات الأزمة السودانية بأكملها.

قيمة برلين

ومع ذلك، فإن قيمة برلين لا تكمن في قدرتها على إنهاء الحرب دفعة واحدة، بل في ما تشير إليه من تحوّل أعمق. الحرب التي كانت تُدار حصريًا بمنطق القوة، تُسحب تدريجيًا إلى فضاء السياسة، والشرعية التي كانت تُختزل في السيطرة على الأرض، تُعاد صياغتها لتشمل القدرة على تقديم أفق مقنع للسلام. في هذه المسافة بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، يتحرك المؤتمر، متكئًا على ضعف الجميع أكثر من قوة أحد.

قد لا ينجح مؤتمر برلين في فرض وقفٍ فوري لإطلاق النار، وقد يضاف إلى قائمة المبادرات التي سبقت ولم تغيّر كثيرًا، لكن مجرد انعقاده بهذه الصيغة، وبهذا القدر من تجاوز الفاعلين العسكريين، يكشف أن شيئًا ما بدأ يتغير بالفعل. فالحروب لا تنتهي فقط حين يتعب المقاتلون، بل حين يقتنع العالم بأن استمرارها لم يعد مقبولًا.

في هذا المعنى، ليست برلين نهاية الطريق، لكنها ربما تكون بداية الطريق الصحيح؛ حيث تبدأ الأرض بالاهتزاز، لا لأن السلام تحقق، بل لأن كلفة الحرب صارت أعلى من قدرتها على الاستمرار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى