السودان  .. خطوات المستقبل المجهول  ..الانهيار غول  يسير نحو البلاد ببطء لكن بجد (1- 2)

أفق جديد

تواجه البلاد واحدة من أعقد أزماتها الأمنية و السياسية والإنسانية منذ تأسيس الدولة الحديثة، وتتصاعد الأسئلة حول مستقبل مؤسسات الدولة، وحدود قدرتها على البقاء، وما إذا كانت البلاد قد دخلت بالفعل مرحلة الدولة الفاشلة أم لا تزال تملك فرصة للتماسك وإعادة البناء. الحرب المستمرة منذ أكثر من عام لم تقتصر آثارها على الدمار العسكري والإنساني فحسب، بل امتدت لتضرب البنية الإدارية والاقتصادية والاجتماعية، وسط إتساع رقعة النزوح، وانهيار الخدمات الأساسية، وتصاعد نفوذ المليشيات، وتراجع سلطة المؤسسات الرسمية.

 

يقدّم عدد من الصحافيين والكتّاب والباحثين والمهتمين بالشأن العام من خلال استطلاع موسع أجرته ” أفق جديد”  قراءات متباينة ومتقاطعة حول واقع الدولة السودانية اليوم، ومستوى تماسكها، وحجم تأثير الحرب والانهيار الاقتصادي والانقسامات السياسية والجهوية على مؤسساتها. كما يناقش المشاركون أخطر المؤشرات التي تنذر بانهيار الدول، ودور الإعلام والتدخلات الخارجية، وإمكانية استعادة الثقة بين المواطن والدولة، إضافة إلى السيناريوهات المتوقعة لمستقبل السودان خلال السنوات المقبلة إذا استمرت الأوضاع الحالية دون تسوية سياسية شاملة.

وتكشف الإفادات، رغم اختلاف زوايا النظر، عن مساحة واسعة من القلق المشترك تجاه مستقبل البلاد، في ظل تآكل سلطة الدولة، وتراجع الخدمات، واتساع اقتصاد الحرب، مقابل دعوات متكررة لوقف الحرب، وإطلاق عملية سياسية جديدة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس العدالة والكفاءة والمواطنة.

دولة ” الكارتيلات”

في تقييم الوضع الحالي لمؤسسات الدولة السودانية من حيث الكفاءة والقدرة على أداء وظائفها الأساسية، يرى الصحافي والكاتب حيدر المكاشفي أن مؤسسات الدولة تعاني من تراجع حاد في الكفاءة والقدرة التشغيلية نتيجة الحرب والانقسام السياسي والانهيار الاقتصادي، موضحاً أن كثيراً من المؤسسات فقدت قدرتها على تقديم الخدمات الأساسية مثل الأمن والصحة والتعليم والخدمات الإدارية، بينما تعمل مؤسسات أخرى بقدرات جزئية وفي نطاقات جغرافية محدودة، كما أدى النزوح الواسع وهجرة الكفاءات إلى إضعاف الجهاز الإداري بصورة غير مسبوقة. بينما يذهب الأستاذ مجاهد علي الحسن إلى تعريف الدولة نفسها باعتبارها معنية بالأمن والصحة والتعليم والحماية، ثم يخلص إلى أن كل هذه المظاهر غائبة تماماً، ليصف السودان بأنه “جغرافيا بدون دولة”. ويتفق الكاتب والصحافي محمد راجي مع هذا الطرح، مؤكداً أن مؤسسات الدولة “انهارت تماماً ولا وجود لها البتة”، مشيراً إلى غياب القانون والأمن، والانهيار الكامل للخدمات الصحية والتعليمية، وتوقف الإنتاج الصناعي، وانهيار الزراعة، وترك الموارد المعدنية عرضة للنهب. أما الصحافي ومعد البرامج أبو القاسم طه فيقول إنه لا توجد مؤسسات دولة حالياً، لأنها باتت مقسمة بين حركات سلام جوبا والموالين للمؤتمر الوطني، وهؤلاء ـ بحسب وصفه ـ لا يمتلكون الكفاءة لأداء مهامهم. بينما يشير المهندس مازن عبد المنعم أحمد إلى أن تضرر معظم مقرات المؤسسات وفقدان الملفات وعدم وجود نسخ احتياطية يجعل إعادة بناء المنظومة الإدارية أمراً بالغ الصعوبة.

وفي سؤال تأثير الحرب الحالية على تماسك الدولة السودانية ووحدة مؤسساتها، يرى حيدر المكاشفي أن الحرب أثرت بصورة عميقة على تماسك الدولة، إذ أضعفت وحدة القرار السيادي وخلقت مراكز قوى متعددة، كما أدت إلى انهيار التنسيق بين المؤسسات الاتحادية والولائية وعمقت الانقسامات الاجتماعية والجهوية وأضعفت مفهوم الدولة الوطنية الجامعة. بينما يصف مجاهد علي الحسن الحرب بأنها “أكبر أذية” في تاريخ الدولة السودانية التي كانت تعاني منذ نشأتها من اختلال هيكلي وغياب عقد إجتماعي، مضيفاً أن الاستقطاب الإثني والقبلي أعاد السودان إلى الوراء وحوله إلى “دولة قبائلية”، بالتوازي مع الانهيار الاقتصادي وصعود “دولة الكارتيلات وأمراء الحرب”. أما محمد راجي فيرى أن الدولة السودانية كانت تعاني أساساً من هشاشة هيكلية، لكن الحرب فاقمت هذه الهشاشة بدفع من خطاب عنصري وإقصائي، مع تحول الجيش ـ بحسب وصفه ـ إلى “مُفرخ للمليشيات” ومُزكٍ للنزعات العنصرية والإقليمية. ويقول أبو القاسم طه إن الدولة السودانية لم تكن متماسكة منذ انقلاب 21 أكتوبر 2021، وجاءت الحرب لتقضي على “ما تبقى من الرماد”. بينما يكتفي مازن عبد المنعم أحمد بالتأكيد على أن الحرب كان لها تأثير كبير على تماسك ووحدة الدولة السودانية.

إجماع على الفشل

وفي ما إذا كان السودان يمر بمرحلة “دولة ضعيفة” أم يقترب من “الدولة الفاشلة”، يرى حيدر المكاشفي أن السودان تجاوز عملياً مرحلة الدولة الضعيفة ويتجه نحو مؤشرات قريبة من الدولة الفاشلة، بسبب فقدان السيطرة على أجزاء واسعة من البلاد، وتراجع احتكار العنف، وتعطل المؤسسات، والانهيار الاقتصادي، واتساع الكارثة الإنسانية، لكنه يشير إلى وجود حد أدنى من البنية المؤسسية يمنع الانهيار الكامل حتى الآن. بينما يحسم مجاهد علي الحسن الأمر بالقول إن السودان “دولة فاشلة بالكامل” استناداً إلى التعريف الكلاسيكي للدولة الفاشلة بوصفها الدولة العاجزة عن بسط سلطتها وتقديم الأمن والخدمات الأساسية. ويتفق محمد راجي مع هذا التوصيف، مستشهداً بمؤشرات “صندوق السلام” الخاصة بالدول الفاشلة، والتي تشمل ضعف شرعية الحكومة والانقسامات العميقة والانهيار الاقتصادي وفقدان احتكار القوة لصالح المليشيات. أما أبو القاسم طه فيقول بصورة مباشرة إن “السودان دولة فاشلة”. بينما يرى مازن عبد المنعم أحمد أن السودان لا يزال في مرحلة “الدولة الضعيفة” بسبب غياب الاستقرار السياسي.

وعن أبرز مظاهر تآكل سلطة الدولة، يعدد حيدر المكاشفي انتشار السلاح خارج إطار الدولة، وضعف إنفاذ القانون، وانهيار سلطة القضاء والخدمات، وتنامي اقتصاد الحرب، وتعدد مراكز القرار، وتصاعد النفوذ القبلي والجهوي. بينما يرى مجاهد علي الحسن أن أبرز المظاهر تتمثل في الانهيار الاقتصادي الكامل، وسيطرة المليشيات وتحالفاتها على قرار الدولة، وانهيار الأمن والخدمات، والعجز الكامل في الموازنة، والتهريب. أما محمد راجي فيشير إلى غياب القانون والأمن والخدمات الأساسية وتوقف مؤسسات الدولة بالكامل. ويعتبر أبو القاسم طه أن اختيار “الضعفاء والموالين” لإدارة البلاد يمثل أحد أبرز مظاهر التآكل. بينما يشير مازن عبد المنعم أحمد إلى تداخل الاختصاصات وهيمنة الأجهزة الأمنية على الخطط والقرارات، مما أدى إلى التخبط والفشل الإداري.

وفي سؤال تأثير تعدد القوى المسلحة على هيبة الدولة واحتكارها لاستخدام القوة، يقول حيدر المكاشفي إن تعدد القوى المسلحة قوض أحد أهم أسس الدولة الحديثة، وهو احتكار استخدام القوة، إذ أصبحت بعض الجماعات المسلحة تمتلك نفوذاً يفوق نفوذ المؤسسات الرسمية في بعض المناطق، مما أضعف هيبة الدولة وأفقد المواطنين الشعور بالأمان والاستقرار. بينما يرى مجاهد علي الحسن أن المليشيات أصبحت صاحبة السلطة الفعلية في مناطق سيطرتها، ولا يطبق عليها أي قانون، كما بات تأثيرها يمتد إلى الحياة العسكرية والاقتصادية والاجتماعية. أما محمد راجي فيعتبر أن الجيش نفسه تحول إلى “مُفرخ للمليشيات”، وهو ما عمق أزمة فقدان احتكار القوة. ويقول أبو القاسم طه إن تعدد القوى المسلحة أدى إلى تعدد القرارات وتمسك كل فئة بمصالحها الخاصة على حساب المصلحة العامة. بينما يربط مازن عبد المنعم أحمد هذه الظاهرة بالتردي الاقتصادي والتخبط الإداري.

 

وفي محور الانهيار الاقتصادي وتأثيره على استقرار الدولة والمجتمع، يرى حيدر المكاشفي أن الانهيار الاقتصادي كان عاملاً مركزياً في تعميق الأزمة عبر ارتفاع معدلات الفقر والبطالة والتضخم وانهيار العملة الوطنية وتراجع القدرة الشرائية، مما وسع دائرة السخط الاجتماعي والهجرة والنزوح. بينما يصف مجاهد علي الحسن الوضع بأنه “عجز كامل للدولة” عن توفير الصحة والتعليم والمرتبات والأمن، مع انهيار ميزان المدفوعات والصادرات وارتفاع الفقر والمجاعة التي تهدد ثلاثة أرباع السودانيين. أما محمد راجي فيشير إلى توقف الصناعة وانهيار الزراعة ونهب الموارد المعدنية. ويقول أبو القاسم طه إن المواطن السوداني هو من يدفع ثمن الحرب والانهيار الاقتصادي في ظل غياب أي بدائل اقتصادية حقيقية من الحكومة. بينما يرى مازن عبد المنعم أحمد أن الانهيار الاقتصادي أدى إلى توقف الإنتاج وانتشار البطالة.

الولاء للقبيلة

وفي تقييم أثر الانقسامات السياسية والجهوية والقبلية، يرى حيدر المكاشفي أنها ساهمت بدرجة كبيرة في إضعاف مؤسسات الدولة، حيث تحولت الولاءات من الدولة إلى الجماعات القبلية والسياسية والعسكرية، وأصبح بناء مشروع وطني جامع أكثر صعوبة. بينما يعتبر مجاهد علي الحسن أن هذه الانقسامات نفسها هي نتاج مباشر لخطاب الحرب والتحشيد القبلي والعنصري. ويتفق محمد راجي مع فكرة تعمق الانقسامات العرقية والطائفية والنزعات الإقليمية. أما أبو القاسم طه فيرى أن كل مجموعة أصبحت تسعى للسيطرة بقوة السلاح. بينما يختصر مازن عبد المنعم أحمد النتيجة بالقول إنها أدت إلى “انشطار الدولة السودانية”.

وفي تقييم أداء مؤسسات العدالة والقضاء والخدمة المدنية، يرى حيدر المكاشفي أن هذه المؤسسات تعرضت لشلل واسع نتيجة الحرب، وفقدت كثيراً من استقلاليتها وفعاليتها، كما أدت عمليات النزوح وتدمير البنية التحتية إلى تعطيل المحاكم والمؤسسات الإدارية في عدة مناطق. بينما يقول مجاهد علي الحسن إنه “لا توجد عدالة”، مستشهداً بالمحاكمات التي تستهدف المعارضين للحرب واستخدام القضاء لتصفية الحسابات السياسية. أما محمد راجي فيرى أن غياب القانون نفسه يمثل مؤشراً على انهيار العدالة. ويقول أبو القاسم طه إنه لا توجد مؤسسات عدلية مستقلة، وإنما قضاء ونيابة يعملان لصالح تثبيت الحكم العسكري. بينما يرى مازن عبد المنعم أحمد أن أداء هذه المؤسسات يتسم بانحياز واضح لصالح مؤيدي الحرب.

 

وفي سؤال ما إذا كانت هناك مؤسسات قادرة على الحفاظ على الحد الأدنى من استمرارية الدولة، يشير حيدر المكاشفي إلى وجود حد أدنى من البنية المؤسسية لا يزال يمنع الانهيار الكامل. بينما يرفض مجاهد علي الحسن ذلك، معتبراً أن الموجود مجرد “تمظهرات لسيطرة البندقية”. أما محمد راجي فيؤكد أن مؤسسات الدولة انهارت تماماً ولم تعد تؤدي وظائفها. ويقول أبو القاسم طه إنه لا توجد أي مؤسسات حالية يمكن أن تحافظ على الدولة. بينما يرى مازن عبد المنعم أحمد أن القوى المدنية ربما تكون الجهة الوحيدة القادرة على الحفاظ على الحد الأدنى من الاستمرارية.

وفي الحديث عن أخطر المؤشرات التي تنذر بانهيار الدول، يشير حيدر المكاشفي إلى فقدان السيطرة الأمنية والانهيار الاقتصادي والنزوح الجماعي وتفكك المؤسسات وصعود المليشيات وتآكل الشرعية السياسية، مؤكداً أن معظم هذه المؤشرات متوفرة حالياً في السودان. بينما يعدد مجاهد علي الحسن الحرب والمليشيات والتهريب والفساد وانعدام القانون والفوضى وغياب العقد الاجتماعي. أما محمد راجي فيربط الأمر بمؤشرات الدولة الفاشلة الدولية مثل ضعف الشرعية والانقسامات والانهيار الاقتصادي وفقدان احتكار القوة. ويرى أبو القاسم طه أن تمكين الفاسدين وعودة التمكين بصورة أكبر من عهد البشير يمثل أخطر المؤشرات الحالية. بينما يشير مازن عبد المنعم أحمد إلى استغلال السلطة وتجاوزات ذوي النفوذ في الدولة.

وفي ملف النزوح واللجوء الجماعي، يرى حيدر المكاشفي أن النزوح أدى إلى تفكك المجتمعات المحلية وزيادة الضغط على المدن الآمنة نسبياً، مع تراجع الإنتاج الزراعي والاقتصادي وفقدان ملايين الأطفال فرص التعليم والرعاية الصحية. بينما يعتبر مجاهد علي الحسن أن النزوح يعني فقدان الدولة لموردها الأساسي وهو الإنسان، الأمر الذي يقود إلى الفقر والأمراض الاجتماعية وحتى تحول حمل السلاح إلى وسيلة للرزق. أما محمد راجي فيربط النزوح بموجات هجرة الكفاءات والانهيار المجتمعي. ويقول أبو القاسم طه إن الدولة فقدت المنتجين والأيدي العاملة، مما انعكس سلباً على الاقتصاد وأدى إلى الاعتماد على الإعانات. بينما يرى مازن عبد المنعم أحمد أن آثار النزوح عميقة وخطيرة وتحتاج إلى دراسات علمية لفهمها بالكامل.

وفي تقييم دور الخطاب الإعلامي والسياسي، يقول حيدر المكاشفي إن جزءاً من الخطاب الإعلامي والسياسي لعب دوراً سلبياً عبر التحريض والاستقطاب ونشر الكراهية، بينما غاب الخطاب الوطني الجامع. بينما يرى مجاهد علي الحسن أن الإعلام أداة ذات حدين، يمكن أن يكون وسيلة لترميم النسيج الوطني أو معول هدم للدولة. أما محمد راجي فيربط الخطاب الإعلامي بصعود النزعات العنصرية والإقصائية. ويقول أبو القاسم طه إن الإعلام الموالي للحكومة ساهم بصورة كبيرة في إطالة أمد الحرب وانهيار البلاد، داعياً إلى خطاب إعلامي يدعم وقف الحرب وعودة الحكم المدني. بينما يؤكد مازن عبد المنعم أحمد أن للخطابين السياسي والإعلامي أثراً بالغاً على وحدة الدولة السودانية.

وفي ما يتعلق بالتدخل الخارجي والإقليمي، يرى حيدر المكاشفي أن هذا التدخل أسهم بصورة كبيرة في تعقيد الأزمة عبر دعم أطراف الحرب سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وربط الصراع بحسابات إقليمية ودولية تتجاوز المصالح الوطنية السودانية. بينما يعتقد مجاهد علي الحسن أن التدخل الخارجي وجد فرصته بسبب الأزمة الداخلية، معتبراً أن الحديث عنه يتحول أحياناً إلى “شماعة” لصرف الانتباه عن جوهر الصراع الداخلي. أما أبو القاسم طه فيعتبر التدخلات والمصالح الإقليمية السبب الرئيسي للحرب وإطالتها. بينما يذهب مازن عبد المنعم أحمد إلى أن التدخل الخارجي ربما يكون “السبب الأول” في الأزمة السودانية.

وفي الحديث عن الاقتصاد الموازي واقتصاد الحرب، يؤكد حيدر المكاشفي أن اقتصاد الحرب أصبح في كثير من المناطق أكثر تأثيراً من الاقتصاد الرسمي، مع نشاط شبكات التهريب والتجارة غير القانونية والجبايات خارج إطار الدولة. بينما يرى مجاهد علي الحسن أن السودان تحول إلى “دولة أمراء حرب” يتحكم فيها قادة المليشيات وحلفاؤهم في الموارد الاقتصادية. أما أبو القاسم طه فيقول إن الدولة أصبحت تعتمد فعلياً على اقتصاد الحرب، مما أدى إلى انتشار الرشاوى والفساد. بينما يؤكد مازن عبد المنعم أحمد بقوة أن اقتصاد الحرب أصبح أقوى من مؤسسات الدولة الرسمية.

وفي انعكاسات استمرار الحرب على التعليم والصحة والخدمات الأساسية، يرى حيدر المكاشفي أن الحرب تهدد جيلاً كاملاً بالحرمان من التعليم والرعاية الصحية، كما تؤدي إلى تدمير البنية التحتية وارتفاع معدلات الأمية والأمراض والفقر. بينما يحذر مجاهد علي الحسن من “فجوة جيلية” خطيرة، موضحاً أن كثيراً من الشباب قد يصبحون وقوداً للحرب نتيجة انهيار التعليم. أما أبو القاسم طه فيقول إن التعليم والصحة والخدمات الأساسية تكاد تكون معدومة بالفعل، وكلما استمرت الحرب ازداد الانهيار. بينما يرى مازن عبد المنعم أحمد أن التدهور الكامل بات وشيكاً، خاصة في قطاع التعليم.

وفي سؤال إمكانية إعادة بناء مؤسسات الدولة بعد الحرب، يرى حيدر المكاشفي أن إعادة البناء ممكنة لكنها تتطلب وقف الحرب وإطلاق عملية سياسية وإصلاح القطاع الأمني وتحقيق العدالة الانتقالية وإعادة بناء الخدمة المدنية على أساس الكفاءة والمهنية. بينما يدعو مجاهد علي الحسن إلى عقد اجتماعي جديد وعدالة قائمة على إنصاف الضحايا ومصالحة اجتماعية شاملة. أما أبو القاسم طه فيشدد على ضرورة التخطيط الاستراتيجي والعزيمة والشفافية والنزاهة. بينما يربط مازن عبد المنعم أحمد نجاح إعادة البناء بامتلاك السودانيين للإرادة.

أولويات عاجلة

وفي الأولويات العاجلة لمنع الانهيار الكامل، يضع حيدر المكاشفي وقف إطلاق النار وحماية المدنيين واستعادة الخدمات الأساسية ودعم الاقتصاد وتوحيد المؤسسات وفتح مسار سياسي في مقدمة الأولويات. بينما يختصر مجاهد علي الحسن المطلوب في وقف الحرب فوراً، ومعالجة الملف الإنساني، وبناء عقد اجتماعي جديد، وحل المليشيات، وإصلاح المنظومة العسكرية، واستعادة المسار المدني. أما أبو القاسم طه فيرى أن المطلوب أولاً هو وقف الحرب وإبعاد العسكر عن إدارة الدولة. بينما يضع مازن عبد المنعم أحمد وقف الحرب كأولوية مطلقة.

وفي سؤال استعادة الثقة بين المواطن والدولة، يرى حيدر المكاشفي أن ذلك يتحقق عبر بناء مؤسسات شفافة وعادلة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وتحسين الخدمات، وإشراك المواطنين في صنع القرار، وإنهاء التمييز والإقصاء السياسي والجهوي. بينما لم يقدم مجاهد علي الحسن إجابة مباشرة على هذا السؤال، لكنه ربط أي استعادة للثقة بالحاجة إلى عقد اجتماعي جديد ومسار مدني وعدالة منصفة. أما أبو القاسم طه فيرى أن الثقة تحتاج إلى قيادة وطنية غير حزبية تعيد بناء السودان. بينما يعتبر مازن عبد المنعم أحمد أن الأمر يتطلب تغييراً كاملاً وشاملاً لمنظومة الحكم.

وفي الدور المطلوب من القوى السياسية والمجتمع المدني، يؤكد حيدر المكاشفي ضرورة تغليب المصلحة الوطنية على المصالح الحزبية، ودعم الحلول السلمية، وحماية مؤسسات الخدمة العامة من التسييس، وتعزيز ثقافة الحوار والتماسك المجتمعي. بينما ربط مجاهد علي الحسن هذا الدور بضرورة استعادة المسار المدني وبناء عقد اجتماعي جديد. أما أبو القاسم طه فيرى أن على القوى السياسية أن تتحد أولاً وتعمل على وقف الحرب دون الانحياز للمصالح الضيقة. بينما يشدد مازن عبد المنعم أحمد على أهمية استمرار الخطاب السياسي والإعلامي لتوعية الشعب.

وفي تصورهم لشكل السودان خلال السنوات الخمس المقبلة إذا استمرت الأوضاع الحالية دون تسوية سياسية، يرى حيدر المكاشفي أن السودان سيواجه مزيداً من التفكك والانهيار الاقتصادي والاجتماعي، مع اتساع مناطق النفوذ المسلح وتراجع سلطة الدولة المركزية وربما الدخول في صراعات ممتدة يصعب احتواؤها. بينما يعتقد مجاهد علي الحسن أنه “لن تكون هناك دولة” ما لم يتدخل المجتمع الدولي ويتعامل مع السودان كدولة فاشلة. أما محمد راجي فيرى أن كل مؤشرات الدولة الفاشلة أصبحت متحققة بالفعل في سودان ما بعد الحرب. ويقول أبو القاسم طه إنه لا يظن أن السودان سيبقى بعد خمسة أعوام إذا استمرت الحرب، لأن “ما تبقى منه لن يصمد عاماً”. بينما يتوقع مازن عبد المنعم أحمد “الانهيار التام للدولة والتفكك إلى دويلات”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى