شوبش

بقلم: يوسف الغوث 

في ثقافة لا تترك أبناءها يواجهون مصاعب الحياة وحدهم، ولد (الشوبش) ليكون أكثر من مجرد نقود تُوضع في يد محتاج أو صاحب حوجه.

فالشوبش هو بمثابة تعاقد إجتماعي غير مكتوب بين أفراد المجتمع السوداني الواحد، قوامه التكافل الحي والكرم العلني، تناقلته الأجيال من آلاباء إلى ألابناء، في المناسبات المبهجة كالأعراس إلى أحلك لحظات العوز، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، كيف تغير معنى هذا النظام الاجتماعي الراسخ، بعد أن أدمت الحرب نسيج المجتمع السوداني، وشردت الملايين، وجعلت المناسبة الوحيدة التي تجمع الناس هي مناسبة الفقد والنزوح والموت والدمار؟

أن أصل كلمة(شوبش) ليس سودانياً خالصاً، مما يعكس عمق التواصل الحضاري والتداخل الممتد في المنطقة، وذلك لاعتبار أن الرأي الأكثر ترجيحاً لأصل كلمة (شوبش) يعود إلى اللغة المصرية القديمة (الفرعونية)، وتحديداً إلة عبارة شو بش أو (شوبشو) والتي كانت تقال في المناسبات السعيدة وتعني (مئة فرحة) أو ألف مبروك ثم انتقلت الكلمة عبر العصور، وتغير معناها تدريجياً في السودان من تحية واحتفاء إلى فعل مادي ملموس هو التبرع النقدي.

بينما يرى بعض الباحثين أن الكلمة قد تكون ذات جذور نوبية قديمة، مرتبطة بمفهوم التجمّع أو الرفدو بين هذا وذاك فان الخلاصة التاريخية بغض النظر عن أصلها الدقيق، هو فكرة تبنيها عبر المجتمع السوداني وتحوليها إلى ظاهرة اجتماعية فريدة، تختلف تماماً عن أي نظام مشابه في الثقافات العربية أو الأفريقية المجاورة.

إن فكرة هذه العادة الاجتماعية تقوم على عدد من الدلالات أهما ،الدلالة المادية والمتمثلة في تحصيل مبلغ نقدي يُجمع من الحضور لصالح شخص بعينه (غالباً ما يكون العريس)،، أما الدلالة الاجتماعية فتتمثل في التعبير عن التضامن والمسؤولية الجماعية بين أفراد المجتمع الواحد، وذلك عبر شعور كل فرد بأنه شريك في عبء المناسبة وعليه التزامات يجب القيام بها، وبالنسبة للدلالة الرمزية فتكمن في إعلان مكانة وسمعة المُعطي في المجتمع، فالمناداة عليه باسمه ومبلغه أمام الجميع تعد تكريماً علنياً له وفخراً يتباهى به بين أقرانه…. غالباً ما تمر (الشوبش) بثلاث مراحل تكون بالتحضير قبيل المناسبة (العرس مثلاً)، وذلك عبر تواصل الأقارب والأصدقاء مع العريس أو والده لـوعده بمبالغ معينة، لتكوين قاعدة شوبش أولية.،،أما التنفيذ الفعلي فغالباً ما يتم أثناء الحفل، حيث يقوم شخص ذو صوت جهوري (عادة كبير في العائلة أواي شخص معروف بالكرم) بالنداء أثناء الحفل صائحا شوبش فلان بن فلان مبلغ كذا شوبش علان بن فلان مبلغ كذا، وهكذا، ويقوم في هذه الأثناء شخص بتسجيل المبالغ في كشكول…

وبعد انتهاء النداء، يُجمع المبلغ النقدي فوراً من المتبرعين أو من وكلائهم، ويسلم للعريس في مغلف أو كيس…

لقد كانت فكرة الشوبش مرتبطة في الأساس بالأعراس وذلك لاعتبار أن الزواج هو المناسبة الأشهر والأضخم من حيث الصرف والتكاليف وبعد ذلك يقام الشوبش في المناسبات الاجتماعية الاقل كلفة مثل العقيقة، أو حفلات العودة من الحج، أو عند بناء منزل جديد…. أما في حالات الشدة فقد كان يلجأ إليه أحياناً لجمع تبرعات لعلاج مريض أو مساعدة طالب علم او في حالة حدوث حريق لاحد المنازل.

مؤخرا نلاحظ تحول جذري في الوضع الاجتماعي لكثير من الاسر السودانية فالحرب التي اندلعت في السودان (منتصف أبريل 2023) لم تُدمر المدن فقط، بل أعادت تعريف المناسبة نفسها، وبالتالي أعادت تعريف فكرة الشوبش واعادت تعريف المجتمع السوداني نفسه فمن عريس إلى نازح أصبح المستفيد الرئيسي ليس عريسا في فرحه، بل أسرة فقدت كل شيء، أو مريض لا يجد دواء، أو أرملة تحتاج قوت يومها.  وما بين قاعة أفراح إلى نقطة تجمع نازحين لم يعد النداء يُسمع في حفل زفاف، بل في ساحات المساجد، أو في مخيمات الإيواء، أو عبر مجموعات واتساب وهم يتلقون أسماء المحتاجين…

 فمن اعلان فخر إلى صرخة استغاثة تحول الشوبش من وسيلة للتباهي الاجتماعي إلى آلية للبقاء. كما أصبحت المناداة على المتبرع في مجموعة شوبش اشبه بحالة طوارئ وليست تكريماً له، كما كان سابقا ولا ابالغ إذا قلت ان الأمر أصبح وكأنه حثّ على العطاء لإنقاذ حياة شخص ما …

، مؤخرا بدأت تظهر دعوات الـشوبش لاغراص اخري،،مثل مساعدة عائلة نازحة على العودة إلى مدينتها أو إعادة فتح محال صغيرة كمصدر رزق لبعض الاسر التي فقدت مقتنياتها بفعل الحرب العبثية، باختصار أصبح الشوبش بمثابة اداة للصمود والتكافل الاجتماعي.

لقد تحول الشوبش في زمن الحرب، الي معاني متناقضة فكل شوبش يُجمع اليوم هو شهادة على ما فقده السودانيون من بيوت، وظائف، ومن احلام فلم يعد أحد يجمع الشوبش لعرس كبير، بل لعلاج طفل أصيب بشظية، أو لإطعام جائع …

ورغم أن الحرب مزقت العائلات (بعضهم هنا، وبعضهم هناك)، إلا أن الشوبش الرقمي عبر التحويلات البنكية استطاع أن يعيد تماسك لحمة ما، ليصبح خيطاً غير مرئي يربط ويلملم الشتات، كآخر امل مقاوم…. عندما ينجح مجتمع منشطر بفعل الحرب اللعينة في جمع شوبش لإعادة طفل مصاب إلى العلاج، أو لإخراج أسرة محاصرة، فإن ذلك ليس مجرد مال، بل هو إعلان أن الحياة لم تنتصر بعد للموت، وأن التكافل السوداني أقوى من آلة الحرب.

ان الشوبش السوداني، الذي بدأ ككلمة فرعونية قديمة تعني مئة فرحة وتحول إلى نظام نقدي تكافلي في الأفراح، يكتب اليوم فصلاً جديداً ومؤلماً فشوبش الحرب لم يعد رمزاً لفرحة عرس، بل أصبح عرقا يجري في جسد مجتمع ينزف، محاولاً إيقاف النزيف بقدر ما يستطيع حاملا بين أضلعه دليل على أن الثقافة ليست جامدة، بل تتكيف لتخدم أبناءها في أشد لحظات حاجتهم، محولةً النداء من (مبروك يا عريس إلى، الله يكون في عونكم).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى