مافيا الدواء.. فوضى الأسعار و تهريب يهدد صحة السودانيين

الخرطوم: ابتسام حسن
في بلد أنهكته الحرب وضيقت الأزمات المعيشية الخناق على المواطنين، يظل الدواء من أكثر القضايا حساسية لارتباطه المباشر بحياة الناس وصحتهم.
غير أن هذا القطاع، الذي يفترض أن تحكمه الضوابط والرقابة الصارمة، ظل لسنوات يواجه اتهامات تتعلق بالفوضى والتلاعب بالأسعار وانتشار الأدوية المهربة، حتى التصق به وصف “مافيا الدواء”.
ومع تصاعد معاناة المواطنين في عام الحرب الرابع، تتجدد الأسئلة حول الرقابة، وتسعيرة الدواء، وانتشار المخالفات التي تهدد الأمن الدوائي في البلاد.
مافيا الدواء
وصف “مافيا الدواء” ظل عالق بقطاع الدواء منذ سنوات عديدة، ولا يزال هذا الوصف حاضرا، ذلك ما تؤكده اعترافات الجهات الرسمية، ممثلة في وزارات الصحة بالولايات، والمجلس القومي للأدوية والسموم، وغيره من الجهات المختصة.
وقد أقر المجلس بوجود مخالفات من بعض الصيدليات وشركات الأدوية تتعلق بتسعيرة الدواء، في وقت يكتوي فيه المواطن بغلاء الأسعار وتكاليف المعيشة، بينما يظل الدواء سلعة شديدة الحساسية لارتباطها بصحة الإنسان، خاصة مع انتشار الأمراض وتفاقم معاناة المواطنين في ظروف الحرب.
وقد كشفت وزارة الصحة عن عدم التزام بعض الصيدليات بتسعيرة الدواء في عدد من الولايات، إلى جانب وجود صيدليات مخالفة، وأخرى تعمل من دون صيدلي، فضلا عن صيدليات غير مستوفية لشروط الترخيص، تم إغلاق بعضها، إضافة إلى وجود أدوية مهربة وغير مسجلة، وأدوية مخزنة في ظروف غير مواتية.
وفي سنوات مضت، ظلت وزارة الصحة تشكو من فتح حدود السودان بما يسهل تهريب الدواء، كما يساهم في تجارة الأدوية المغشوشة التي تعد تجارة رابحة، الأمر الذي فاقم مشكلة توفير دواء آمن. فما بالك بالوقت الراهن، الذي يعاني فيه المواطن الأمرّين من الحرب والنزوح، وفي مثل هذه البيئة تتزايد المخاوف بشأن انتشار الأدوية المغشوشة.
تسعيرة الدواء
تسعيرة الأدوية من مهام المجلس القومي للأدوية والسموم، الذي يضع التسعيرة الرسمية، أما بالنسبة لشركات الأدوية والصيدليات فتحكمها رقابة الصيدلة المتفرعة من المجلس، وفقا للتعاون بين الجهتين. لكن يلاحظ أن إدارة الصيدلة لا تتابع التزام الصيدليات بتسعيرة الدواء بالصورة المطلوبة، رغم أن ضبط التسعيرة ومراقبة الأدوية المهربة من مسؤولياتها الأساسية، وتقع تحت رقابة الإدارة.
ويفترض أن تضطلع إدارات الصيدلة بالولايات بدورها الكامل، وألا تتقاعس عنه، خاصة في ظل حالة من الفوضى من قبل بعض شركات الدواء والصيدليات التي لا تلتزم بالتسعيرة المحددة.
شروط رقابية
تضع إدارات الصيدلة بالولايات شروطا عند افتتاح الصيدليات، وتشترط ضوابط رقابية محددة يجب على الصيدليات اتباعها، لكن بعد شهر أو شهرين، أو ثلاثة أشهر على الأكثر، وبسبب غياب الرقابة من قبل إدارة الصيدلة، يقوم بعض أصحاب الصيدليات باختراق شروط الترخيص.
وعادة ما تنفذ حملات الرقابة سنويا، لكن بسبب التوسع في الصيدليات، إلى جانب العدد الكبير من الصيدليات الطرفية، أصبح موضوع الرقابة صعبا على الإدارة.
وإذا كانت هناك رغبة في متابعة صيدليات الولاية بأكملها، فيجب على إدارة الصيدلة تنفيذ حملتي رقابة على الأقل سنويا، بدلا من حملة واحدة.
أدوية مهربة
يقول الخبير الصيدلاني د. أحمد الشيخ، في تصريح لـ(أفق جديد)، إن موضوع الأدوية المهربة تحكمه عملية محددة، إذ يوجد وكيل سوداني يستورد الدواء من وكيل عالمي، سواء كان أوروبيا أو أميركي أو غيره، لكن أحيانا يتقاعس الوكيل السوداني ويفشل في استيفاء المستحقات المالية للشركات العالمية، فيحدث انقطاع في الإمداد.
وفي المقابل، فإن تسعيرة الدواء المصري عادة تكون مواتية، كما أن الوضع الاقتصادي يجعل استيراده أكثر سهولة، ونجد أن نفس الشركة العالمية التي يستورد منها الوكيل السوداني بأسعار محددة، تباع منتجاتها في مصر بتسعيرة أقل من المعتمدة في السودان، ما يسهل على الصيدليات السودانية استيراد الدواء المصري.
ويشير إلى أن صاحب الصيدلية لا يستطيع الاستيراد مباشرة من شركة عالمية محددة، لذا يلجأ إلى تهريب الدواء من مصر في ظروف غير معروفة، ثم يبيعه بأسعار عالية، ما يجعلها تجارة ذات ربحية كبيرة، لكن في المقابل تكون طرق الاستيراد والتخزين غير معلومة أو غير مأمونة.
وأشار الشيخ إلى ضرورة مراقبة الدواء المهرب، الذي يعد تجارة ربحية غير مواتية للشروط الصحية، داعيا إدارة الصيدلة إلى مراقبة الدواء داخل الصيدليات، وفي حال عجزها عن ذلك، يجب توقيفه بالتعاون مع المكافحة والجمارك في المعابر.
جولة إشرافية
وفي تسابق محموم لضبط الالتزام بالمعايير المطلوبة من الصيدليات وشركات الأدوية بالولايات، ينظم المجلس القومي للأدوية والسموم جولات على الولايات، حيث نفذ مجلس الأدوية جولة تفتيشية إشرافية رقابية على ولاية الجزيرة شملت محليتي أم القرى ومدني الكبرى (الفعج ومنطقة الإنقاذ)، وأسفرت عن ضبط جملة من المخالفات الخطيرة، أبرزها غياب الصيادلة داخل عدد من الصيدليات، وعدم وجود تراخيص قانونية لمزاولة النشاط.
وكشفت الحملة عن كميات كبيرة من الأدوية المهربة وغير المسجلة بوزارة الصحة، في مخالفة صريحة للوائح والقوانين المنظمة للعمل الصيدلاني، إلى جانب كونها تعديا واضحا على أخلاقيات المهنة وتهديدا مباشرا لصحة المواطنين.
وأكد د. حبيب الله النور، رئيس مجلس الأدوية والسموم فرعية ولاية الجزيرة، أن صحة المواطن “خط أحمر”، مشددا على عدم التهاون مع أي تجاوزات تمس سلامة الدواء أو تخرج عن الأطر القانونية، موضحًا أن الجهات المختصة ستتعامل مع المخالفين وفق القانون وصولا إلى حسم هذه الظواهر نهائيا.
وأشار إلى توفر الأدوية بالولاية، موضحا أن شركات الإمداد تعمل على توفير مختلف الأصناف، بما ينفي أي مبررات للجوء إلى الأدوية المهربة. كما لفت إلى أن الأدوية التي تمت مصادرتها كانت مخزنة في ظروف غير مطابقة للاشتراطات الصحية، ما يزيد من خطورتها.
ودعا د. حبيب الله النور جميع العاملين في القطاع الصيدلاني إلى الالتزام بسلوكيات المهنة والضوابط القانونية، مؤكدا أن إدارته ستظل بالمرصاد لكل من تسول له نفسه المتاجرة بصحة المواطن.
حملة رقابية
ونفذ المجلس القومي للأدوية والسموم بولاية القضارف حملة رقابية مشتركة لمتابعة الالتزام بالتسعيرة الدوائية، استهدفت شركات الأدوية المستوردة والشركات المحلية، إلى جانب عدد من الصيدليات بالولاية.
وضمت الحملة ممثلين من المجلس القومي للأدوية والسموم، ولجنة الإشراف والمتابعة بوزارة الصحة، والأمن الاقتصادي، وذلك في إطار تعزيز الرقابة على سوق الدواء وضمان انضباطه.
وتهدف الحملة إلى التأكد من التزام الجهات العاملة في القطاع الدوائي بالأسعار المحددة، بما يسهم في حماية المستهلك وضمان توفر الأدوية بأسعار معقولة، وفقًا لأحكام قانون الأدوية والسموم.
وفي ذات السياق، أسفرت الحملة عن إغلاق عدد من الصيدليات غير المستوفية لشروط الترخيص للعام 2026م، إلى جانب رصد عدد من المخالفات المتعلقة بعدم الالتزام بالتسعيرة الدوائية.
وأكد فرع المجلس بالولاية استمرار الحملات التفتيشية خلال الفترة المقبلة، مع اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال أي مخالفات يتم رصدها، بما يحقق استقرار الإمداد الدوائي ويعزز ثقة المواطنين في الخدمات الصحية





