حيدر ابراهيم – رحيل آخر في زمن الحرب

د.وجدي كامل
لم تزلزل الحرب ما تحت أقدامنا فقط، ولكنها زلزلت القلوب أيضًا، ويتمت الأسر، وأخذت منا أفضلنا وأجملنا داخل الحدود وخارجها؛ من أولئك الأصحاب والأصدقاء النوعيين الذين قلّ أن يحوز الزمان بأمثالهم.
وكان آخر المغادرين، امس الجمعة ، الدكتور حيدر إبراهيم علي، الباحث والمفكر وعالم الاجتماع البارز، الذي قدم طوال عقود خدمات جليلة للثقافة السودانية، كان مركز الدراسات السودانية، الذي أسسه في القاهرة في أوائل التسعينيات، واحدًا من أبرز عناوينها.
لم يكن حيدر مجرد صاحب مركز ثقافي أو ناشر كتب ومجلات، وإنما كان صاحب مشروع ظل يرى في المعرفة فعلًا من أفعال الحياة، وفي الثقافة وسيلة لمقاومة الركود، وفي التفكير النقدي ضرورة لا يستقيم من دونها أمر المجتمع. وقد ترك لنا، إلى جانب مؤلفاته الكثيرة، سيرة ذاتية وثّق فيها جانبًا واسعًا من رحلته في هذه الدنيا، فعلمنا، من خلال تجربته نفسها، كيف يمكن للمثقف أن ينظر إلى حياته وأفكاره ومواقفه بعين نقدية، وأن يراجع ما عاشه وما اختاره وما اختلف حوله. وكان كتابه «أزمنة الريح والقلق والحرية» شاهدًا على هذه الرغبة في توثيق الرحلة الشخصية والفكرية معًا.
ومنذ بدايات التسعينيات، لم يتوقف مركز الدراسات السودانية عن العمل. جاء تأسيسه في القاهرة في وقت كانت فيه الحاجة إلى منبر سوداني مستقل للبحث والنشر والنقاش الثقافي شديدة الوضوح، فتحول المركز، مع مرور السنوات، إلى بيت واسع للباحثين والكتاب والمبدعين السودانيين. ونشر الكتب والدراسات، وأصدر مجلة «كتابات سودانية»، ونظم الندوات والمؤتمرات وورش العمل، وفتح أبوابه لموضوعات وقضايا لم تكن تجد دائمًا طريقها إلى المؤسسات الثقافية الرسمية.
كان وجود المركز في القاهرة، في حد ذاته، تعبيرًا عن حقيقة أن التفكير في السودان والعمل من أجله لم يكن مشروطًا بالإقامة داخله. فقد استطاع حيدر، من خارج الحدود، أن يجعل من القاهرة موقعًا لإنتاج معرفة سودانية، وأن يصل ما ينتجه المركز إلى السودانيين في أماكن مختلفة رغم عودة المركز مرتين إلى داخل السودان.
ولعل «كتابات سودانية» كانت التعبير الأوضح عن هذا المشروع. فمنذ صدورها في التسعينيات، ظلت المجلة تحمل ملفات ودراسات وكتابات في التاريخ والمجتمع والسياسة والثقافة والإبداع، وأصبحت مع الزمن جزءًا من ذاكرة الحياة الثقافية السودانية. ويكفي أن نرى استمرارها عبر عقود، وتعدد موضوعاتها وأعدادها، لندرك أن الأمر لم يكن مجرد إصدار دوري، وإنما كان محاولة مستمرة لصناعة مساحة سودانية للكتابة والنقاش. وقد بلغ من عناية المركز بالمجلة وبالمشروع الثقافي الذي تقف وراءه أن حيدر ظل يخطط وبمساعدة ووقوف مثقفين وكتاب مثل بكري جابر لمحاور أعداد قادمة تمتد إلى موضوعات التعليم، والزراعة والتنمية، والسرد النسوي، ومعاوية نور، وإبراهيم إسحق، وفرانسيس دينق وغيرهم. وقد أصدر المركز، إلى جانب المجلة، عددًا كبيرًا من الكتب في المجالات الفكرية والإبداعية، وأصدر تقارير ودراسات ونشر أعمال الندوات والمؤتمرات. وكان حيدر نفسه كثيرا ما يذكر بأن المركز أصدر مئات الكتب، وأن إنتاجه أصبح مصدرًا للباحثين والكتاب والرسائل العلمية. وهذه ليست مجرد أرقام؛ فقيمة المركز الحقيقية كانت في أنه أوجد تقليدًا للعمل الثقافي المستمر، في وقت كانت فيه مؤسسات كثيرة تبدأ ثم تتوقف، أو تنتظر الإمكانات الرسمية حتى تستطيع أن تفعل شيئًا.


وظل حيدر، إلى أن تمكن منه المرض في الشهور الأخيرة، سباقًا إلى اقتراح الأعمال والأفكار التي من شأنها تحريك التفكير وفتح الطريق أمام البحث عن الحلول. لم تتوقف مساهماته في الكتابة، وكان يرى في الكتابة نوعًا من التوثيق لأفكار السودانيين وتجاربهم، في مواجهة ما أسماه في بعض كتاباته ومواقفه «سلطة البياض الشفاهية»؛ أي ذلك التاريخ الذي يظل شفاهيًا، قابلًا للضياع والتحريف والنسيان ما لم يجد طريقه إلى الكتاب.
ولم يتوقف عند الكتابة بمعناها التقليدي. ظل حاضرًا في الوسائط الجديدة، يتابع ما تتيحه من فرص للنقاش والتواصل، وشارك في المنصات الجديدة، ومنها «كلوب هاوس»، وواصل طرح الموضوعات والأسئلة حتى في سنواته المتقدمة. كان، في ذلك، يحاول أن يظل قريبًا من زمنه، لا أن يعيش على رصيد ما أنجزه في العقود السابقة.
وقد كان في مشروعه الفكري شيء يتجاوز تخصصه الأكاديمي في علم الاجتماع. اشتغل على المجتمع السوداني، وعلى الدين والسياسة، والإسلام السياسي، والديمقراطية، والمجتمع المدني، والاستبداد، وقضايا التنوير والتحرر. وترك مؤلفات في هذه المجالات وغيرها، ولم يكن موقفه من السلطة موقف الكاتب الذي يكتفي بالمراقبة من بعيد، فقد دفع ثمن مواقفه وكتاباته، ومنعت السلطات السودانية عددًا من كتاباته، كما تعرض مركز الدراسات السودانية نفسه لضغوط، وأُغلق فرعه في الخرطوم عام 2012. ومع ذلك لم يتراجع.
كان حيدر من ذلك النوع من المثقفين الذين لا يرون الثقافة زينة تضاف إلى حياة المجتمع، وإنما يرونها جزءًا من مقاومة الجهل والاستبداد والنسيان وانها مشروع لتنمية البشر. ولهذا ظل مشروعه، في جوهره، دفاعًا عن حق السودانيين في أن يعرفوا مجتمعهم، وأن يختلفوا حوله، وأن يعيدوا التفكير في المسلمات التي تحولت مع الزمن إلى ما يشبه الحقائق النهائية.
وحين اختير في عام 2021 شخصية العام من قبل لجنة جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي، كان التكريم، في جانب منه، اعترافًا بهذا الجهد الطويل في خدمة المعرفة والتنوير والتنمية الثقافية. اليوم يترجل فارسنا.
يترجل بعد أن أعطى المكتبة السودانية عددًا كبيرًا من المؤلفات المهمة في مجالات مختلفة، وبعد أن ترك وراءه مركزًا ومجلة وكتبًا وندوات وأفكارًا وصداقات وأجيالًا من الباحثين والكتاب الذين مروا من خلال مشروعه أو استفادوا منه.
يترجل بعد أن عاش عمره وهو يكتب، ويبحث، ويناقش، ويختلف، ويقترح، ويعيد السؤال مرة بعد مرة.
ولعل أهم ما يمكن أن نقوله في رحيله أن حيدر إبراهيم لم يكن يكتب عن السودان فقط؛ كان يحاول أن يجعل السودانيين يفكرون في السودان، وأن يكتبوا عنه، وأن يوثقوا أفكارهم وتجاربهم عن بلد أنهكته الحروب والسلطات والانقطاعات.
رحم الله حيدر إبراهيم.
ورحم الله تلك الروح التي ظلت، رغم المرض ورغم ما لقيه من عنت، منحازة إلى السؤال، وإلى الكتاب، وإلى المعرفة، وإلى حق السودانيين في أن يروا أنفسهم بعيون مفتوحة.
سنفتقدك حيدر .
لكن ما تركته لن يغادر.
سيبقى في كتبك، وفي «كتابات سودانية»، وفي مركز الدراسات السودانية، وفي كل أولئك الذين فتحت لهم بابًا للكتابة أو التفكير أو النشر، وفي الأسئلة التي ظللت تطرحها علينا حتى آخر الطريق.
رحم الله حيدر إبراهيم، وأحسن عزاء أسرته وأصدقائه وتلاميذه ومحبيه، وعزاء السودان كله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى