البرهان.. لم يجلس، فاطمئنوا!

إبراهيم هباني

حضر عبد الفتاح البرهان ومسعد بولس مأدبة غداء واحدة في العلمين، بحسب منشور المستشار الأميركي، فحمل الشريط العاجل لتلفزيون السودان هذا التوضيح: “الرئيس البرهان لم يجلس مع بولس وجها لوجه”. أخيرا، عرف السودانيون كيف لم يجلس الرئيس. أما كيف ستنتهي الحرب، فذلك خبر لم يصل بعد.
كتب بولس أنه حضر المأدبة التي استضافها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى جانب البرهان. وأكد مواصلة جهود واشنطن مع مصر والشركاء لإنهاء الحرب وتخفيف معاناة السودانيين، ودعم الانتقال إلى حكومة مدنية عبر حوار شامل بقيادة سودانية.
كان في هذه الرسالة ما يستحق السؤال: ما موقف القيادة من هذه الجهود؟ وما فرص وقف القتال؟ لكن الشريط العاجل اختار مسألة المقاعد. ترك مستقبل البلاد جانبا، وتولى شرح الزاوية التي لم يجلس بها الرئيس.
وللدقة، لم يعلن بولس في منشوره عن مفاوضات ثنائية، وحضور المناسبة نفسها لا يثبت انعقادها. كما أن نفي الجلوس المباشر لا ينفي وجود الرجلين في المأدبة. لذلك، لا تكفي الواقعة لاتهام أحد بالكذب، لكنها تكفي للسؤال عن هذا الارتباك: ما المحرج في احتمال لقاء مبعوث يبحث عن إنهاء الحرب؟
خصوصا أن البرهان سبق أن جلس معه بالفعل.
ففي 11 أغسطس 2025، اجتمع البرهان وبولس في سويسرا نحو ثلاث ساعات، وبحثا مقترحا أميركيا لوقف شامل لإطلاق النار وإيصال المساعدات، وفق مصدرين حكوميين سودانيين نقلت عنهما تقارير نشرتها “سويس إنفو”. ووصفت نشرة “أفريكا كونفيدنشال” الاجتماع بأنه سري، وقالت إن الأطراف حاولت إبقاءه بعيدا عن الإعلان.
كانت هناك، إذن، جلسة سابقة ومقترحات ونقاش. وهذا تصرف طبيعي من قائد يفترض أنه يبحث عن مخرج لبلاده. الغريب أن يصبح احتمال تكرار التواصل خبرا يحتاج إلى نفي عاجل. بعد ثلاث ساعات في سويسرا، يعود الإعلام الرسمي ليشرح لنا معنى “وجها لوجه”. يبدو أن المشكلة في الجلوس تبدأ عندما يعرف به الجمهور.
ولا يثبت اجتماع سويسرا وجود مفاوضات في العلمين، ولا يعني أن كل لقاء ينتج اتفاقا. لكنه يؤكد أن التواصل مع الأميركيين طريق سلكه البرهان من قبل. ومن حق السودانيين أن يعرفوا ما الذي حققه، وما الذي عطله، وما البدائل المطروحة، بدلا من تركهم أمام درس متجدد في الفروق بين اللقاء والجلوس والمفاوضات.
ثم جاء حديث البرهان في أمري بالولاية الشمالية، الثلاثاء: “ليس لدينا مفاوضات مع أي زول”. وهو ينفي المفاوضات، ولا ينفي لقاء بولس تحديدا. لكن لماذا يقدم غياب التفاوض بوصفه رسالة طمأنة إلى شعب أنهكته الحرب؟
تخيل أسرة نازحة تتابع الأخبار، أملا في خطوة تقربها من العودة. تسمع حديثا عن جهود للسلام، ثم يصلها التوضيح: الرئيس لم يجلس، ولا توجد مفاوضات. تستطيع الأسرة الآن أن تواصل انتظارها، بعدما اطمأنت إلى أن الأبواب ما زالت مغلقة.

ماذا يخشى البرهان؟
لا نعرف نواياه، لكن خطابه يصنع مأزقا واضحا. حين تعد جمهورك بالحسم العسكري وحده، تجعل أي تسوية لاحقة تبدو تراجعا. وحين يصبح التفاوض في خطاب أنصارك علامة ضعف، تجد نفسك مطالبا بشرح كل مصافحة ونفي كل جلسة. وهكذا تضيق المساحة التي تحتاج إليها للتحرك السياسي، بكلمات قلتها أنت لجمهورك.
وقد تكون حسابات الحلفاء جزءا من هذا المأزق. هذا احتمال سياسي، وليس معلومة عن خلاف خفي. الذين يتفقون على مواصلة الحرب قد يختلفون عند توقفها: على الحكم، ومصير السلاح، والمحاسبة. لكن إقناعهم بالخروج من الحرب مسؤولية القيادة. لا يمكن أن يبقى شعب كامل ينتظر لأن شرح السلام للأنصار مهمة صعبة.
وللدبلوماسية أسرارها، بالطبع. قد تحتاج محادثات إلى الهدوء حتى تنضج، ولا يلزم بث كل تفاصيلها على الهواء. لكن يمكن الاحتفاظ بالتفاصيل مع مصارحة الناس بأن البحث عن وقف الحرب واجب. السرية المفيدة تحمي فرص الاتفاق؛ أما خطاب التعبئة فقد يجعل مجرد البحث عنه شبهة.
قال البرهان أيضا إن قرار الحرب والسلام يعود إلى مجلس الأمن والدفاع، وإنه لا يملكه منفردا. إذن، من حق الناس أن يسألوا هذه المؤسسة عن خطتها، وشروطها، وتقديرها لكلفة الاستمرار. تحديد صاحب القرار يحدد المسؤولية، ولا يعفي أحدا من الإجابة.
ومن حق القيادة أن تعترض على ما تعرضه واشنطن، وأن ترفض ما تراه ضارا بالسودان. لكنها مطالبة بتقديم بديل قابل للتنفيذ. تكرار كلمة “لن” لا يحدد موعدا لعودة النازحين، ولا يشرح كيف ستنتهي الحرب.
هنا كان يمكن لتلفزيون السودان أن يؤدي عملا مفيدا: يسأل عما جرى في اللقاء السابق، وعن الموقف من المبادرة الحالية. لكنه اكتفى بصياغة ركيكة عن اتجاه الجلوس. ينقص الشريط رسم للمقاعد، لنعرف موقع الجميع، باستثناء موقع المواطن من حساباتهم.
ذلك المواطن لا يبحث عن صورة يحرج بها قائده. يبحث عن طريق إلى بيته. ولن يعتبر محاولة وقف الدم تهمة، حتى لو جرت في غرفة مغلقة، وحتى لو جلس أصحابها وجها لوجه.
ربما لم يجلس البرهان مع بولس بهذه الطريقة في العلمين. لكنه سيواجه، عاجلا أو آجلا، السودانيين الذين تشردوا في عهده، وسؤالهم البسيط: ماذا فعلت كي نعود؟
ويومها، لن تكفي الإجابة: لم أجلس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى