ثورة ديسمبر ليست انقلابا ولكن هكذا تُسرق الثورات مرتين: مرة بالرصاص ومرة بالبوهية
من تشويه المدنيين إلى محو الجداريات وتغيير أسماء الشوارع

وئام كمال الدين
في الخرطوم اليوم لن تقع عيناك على جدارية الشهيد كشة. وإن بحثت عن لافتة شارع الشهيد عباس فرح في بري، فغالباً لن تجدها. وإن سألت يوم عن لجنة التحقيق في فض الاعتصام، سيأتي الجواب باختصار أنها ألغيت ورئيسها اليوم جزء من حوار وطني يسمع فيه دعاة الحرب صدى صوتهم. وفي نفس اللحظة، يظهر على شاشتك من يحدثك بيقين غريب: “ثورة ديسمبر لم تكن ثورة أصلاً، كانت مجرد انقلاب صنعه البرهان ضد البشير”.
هذه ليست صدفة أبداً، بل هي خطة محكمة تسير على خطوات واضحة تبدأ بتشويه الرموز، ثم طمس الآثار، وأخيراً إعادة كتابة التاريخ على أعين صانعيه (بلا خجلة) …
ثورة ديسمبر المجيدة ثورة شعبية خالصة نزلت من الشارع، وأن كل هذا الجهد المبذول اليوم لمحو ذاكرتها لا يعدو كونه الدليل الأكبر على أنها لاتزال تحقق نبوءتها بأنهم سيصرخون
باصوات نائحة يروجون لأن ما حدث لل يعدو صراعاً داخلياً بين جنرالين داخل أسوار القصر (إلى الصارخ والنائحة: هذا تعريف الحرب العبثية وليس تعريف الثورة) . لو ألقينا نظرة على التسلسل الزمني الرسمي الصادر من الدولة نفسها، سنجد هذه الرواية تتهدم تماماً.
الثورة لم تبدأ في القصر، بل ولدت بعيداً عنه تماماً. في 19 ديسمبر 2018، اشتعلت الدمازين وعطبرة، ولم يكن السبب صراعاً بين قادة عسكريين، بعد هذا التاريخ بأيام، وتحديداً في 25 ديسمبر، أعلن تجمع المهنيين السودانيين -دعوته لأول موكب مركزي في الخرطوم، معلناً بذلك بداية 113 يوماً متواصلة من التظاهرات الشعبية قبل أن ينطق الجيش بحرف واحد.
أما الذروة، فكانت في 6 أبريل 2019، عندما تدفق مئات الآلاف نحو أسوار القيادة العامة للجيش في الخرطوم معلنين اعتصامهم التاريخي . وكان هدفهم المعلن والواضح في بيانهم: “إجبار الجيش على الانحياز للشعب”واسقاط النظام (البشير يسقط بس) . بعبارة بسيطة، الشعب هو من قرر الذهاب إلى هناك
لم يكن الجيش يدير أي انقلاب متفق عليه في الأيام 8 و9 و10 أبريل حين حاولت قوات أمن البشيرالمخلوع وجهاز أمنه فض الاعتصام بالغاز والرصاص الحي،
ثم جاء يوم 11 أبريل 2019. والبيان الشهير لم يقرأه عبد الفتاح البرهان، بل قرأه الفريق أول عوض بن عوف، وزير دفاع البشير ونائبه الأول ورئيس لجنته الأمنية. وقد اعترف بن عوف بنفسه في البيان قائلاً: “قررنا الاستجابة لمطالب الشعب والاحتجاجات المستمرة منذ أكثر من 7 أشهر”. وهذا اعتراف رسمي من رأس النظام البائد نفسه بوجود سبعة أشهر كاملة من الثورة قبل لحظة البيان.
أما البرهان فلم يكن في المشهد أصلاً؛ بل ظهر متأخراً في 12 أبريل، بعدما رفض الشارع والمعتصمون تنصيب ابن عوف تماماً باعتباره رمزاً لنظام البشير ومسؤولاً عن جرائم دارفور، وأجبروه على التنحي بعد 24 ساعة فقط ليدخل ربما موسوعة جينيس لأقل فترة تنصيب. ووقتها فقط، كحل بديل فرضه إصرار الشارع وضغطه، تم الدفع بالبرهان .
ولو كانت القصة انقلاباً عسكرياً بحتاً، فلماذا واصل المعتصمون اعتصامهم 52 يوماً إضافية بعد سقوط البشير وصولاً إلى 3 يونيو، وهم يهتفون بسقف عالٍ ضد المجلس العسكري برئاسة البرهان مطالبين إياه بتسليم السلطة للمدنيين؟ وهل يعقل أن يعتصم شعب ضد انقلاب هو من صنعه؟ ولو كانت انقلاباً، فلماذا أقدم المجلس العسكري بقيادة البرهان نفسه على قتل أكثر من 128 شهيداً بعد 11 أبريل في مجزرة فض الاعتصام ومواكب 30 يونيو؟
ثم لم تستطع فلول النظام البائد (الكيزان) في عام 2019 أن تجرؤ على الإنكار المباشر لثورة ديسمبر لأن الشارع كان يعج بالملايين. لذلك لجأت إلى الخطة البديلة وعي تشويه كل من يمثل الثورة.
فما أن تم توقيع الوثيقة الدستورية في 17 أغسطس 2019 وتشكيل حكومة الدكتور عبد الله حمدوك المدنية، حتى انطلقت حملات ممنهجة إعلامية شرسة ومنظمة، اعتمدت على
الشتيمة السياسية الممنهجة واختراع مصطلحات مثل “قحاتة” و”عملاء السفارات” لوصم قوى الحرية والتغيير، بهدف تحويل الثوار من أصحاب قضية وطنية إلى خونة.ولمحاولة موازنة كفتهم بعد أم لفظهم الشعب والمجتمع
ثم تجويع الشارع وتأليب الرأي العام بتضخيم أزمات الخبز والوقود التي ورثوها عن ثلاثين سنة من الخراب، وإلقاء التبعة كاملة على حمدوك وحده، متناسين عمداً أن شركات الجيش كانت تسيطر على 82% من مفاصل الاقتصاد.
تزامن ذلك مع الشيطنة الأخلاقية والدينية عبر حملات ترهيب مزيفة مثل “المدنيون دعاة سيداو ضد الدين وجايبن ليكم المنحلين أخلاقيا “.
كان الغرض واضحاً وبسيطاً: إذا نجحوا في جعلك تكره الوجه المدني، ستكره بالضرورة الثورة التي أتت به.
ثم جاء 25 أكتوبر 2021، حين نفذ البرهان وحميدتي انقلابهما الصريح على الوثيقة الدستورية واعتقلا حمدوك، مدعين في بيانهم الرسمي أنه مجرد “تصحيح لمسار الثورة”! وبعدها سقط أكثر من 120 شهيداً جديداً في مواكب الغضب الرافضة لانقلاب 25 أكتوبر.
حين فشلت محاولة وأد الثورة باغتيال ثوارها، انتقلوا إلى محاولتها عبر اغتيال ذاكرتها البصرية وشوارعها، وهو ما نعيشه اليوم بمرارة.
في حرب الجداريات
لم تكن الجدارية يوماً مجرد رسمة عابرة في ثورة ديسمبر، بل كانت وثيقة حيّة. ففي محيط القيادة العامة وحدها، كان هناك أكثر من 200 جدارية تنبض بالحياة.
المحاولة الأولى للمسح انطلقت فور حدوث فض الاعتصام. ففي 15 أغسطس 2019، أصدرت قوى الحرية والتغيير بياناً موثقاً نقلته وكالة الأنباء وصحيفة الخليج قالت فيه: “المجلس العسكري وأعداء الثورة يقومون بمسح الجداريات التي زينت شوارع منطقة القيادة العامة وبعض شوارع الخرطوم… ندين هذا السلوك ونعتبره انتهاكاً واضحاً وامتداداً مقصوداً لطمس أحد أهم ملامح الثورة”. وأكد البيان وقتها أن هذه الرسومات، إلى جانب الموسيقى، أصبحت رمزاً للطبيعة الشعبية لحركة احتجاجية قادها الشباب . وما زالت فيديوهات 2019 لمعرض ثوار صينية بري أمام مبنى الشرطة تروي الحكاية، قبل أن يأتي العسكر ليمحوها بضربات “البوهية”.
أما المرة الثانية، فجاءت مع حرب 15 أبريل 2023. ورغم أن الحرب دمرت الكثير، إلا أن الدمار استُخدم سياسياً؛ فجداريات شارع النيل ونفق عفراء وحدائق الشهداء التي نجت من بوهية 2019، جرى تدميرها بالقصف أو محوها عمداً تحت لافتة براقة اسمها “إعادة تأهيل الخرطوم”، لتُستبدل برسومات باهتة ومحايدة عن “وحدة وطنية زائفة في أكثر فترات تمزق النسيج الاجتماعي وتهديد وحدة الدولة ” لا يأتي فيها أي ذكر لشهيد أو ثورة.
ثم حملة أسماء الشوارع
وهذه هي الطامة الأكبر اليوم. فقبل أسابيع معدودة، وتحديداً في 18 سبتمبر 2026، نقلت وكالة السودان للأنباء الرسمية (سونا) عن أميرة الشيخ أحمد سليمان، الأمين العام للجنة القومية للأسماء الجغرافية، تصريحات لها خلال جولة ميدانية في شوارع النيل والقصر قالت فيها: “تستعد العاصمة السودانية الخرطوم لمراجعة أسماء عدد من شوارعها، في خطوة قد تقود إلى استبدال بعض المسميات الحالية بأسماء سودانية تحمل دلالات وطنية وتاريخية”. وأتبعت ذلك : “الحرب تسببت في إزالة عدد من لافتات الشوارع بالعاصمة، ما أضاف إلى التحديات المرتبطة بملف المسميات الجغرافية”.
شوارع مثل شارع الشهيد عباس فرح، والشهيد مطر، والشهيد عبد العظيم، والشهيد أحمد الخير، لم تطلقها الحكومة، بل نحتها الثوار ولجان المقاومة بقرارات شعبية ميدانية بين 2019 و2021 تخليداً لدموع ودماء رفاقهم. والآن، وبدلاً من إعادة لافتاتها التي سقطت بفعل الحرب، يُفتح الباب على مصراعيه لتغييرها نهائياً بمعايير فضفاضة ومرنة وضعتها اللجنة تحت مسمى “أسماء ذات دلالات وطنية وتاريخية وسياسية واجتماعية تتسق مع الشعور العام والموروث الثقافي والذوق العام” الذوق العام الذي يتبع لمزاج الحرب؟!
وفي فبراير 2025، أقدمت حكومة الامر الواقع على خطوة بالغة الدلالة حين ألغت البنود المتعلقة بتشكيل لجنة التحقيق في فض اعتصام القيادة العامة، . فمتى غابت لجنة التحقيق، كأن القتل لم يحدث أصلاً.
فمن المستفيد؟ أما عن المغالطات المنطقية لتيار “البلابسة” في محاولة تزوير التاريخ
واستكمالاً لمغالطاتهم المنطقية في محاولاتهم المستمرة لتشويه الثورة وتاريخها، يعتمد تيار “البلابسة” ومنابر الفلول على مجموعة من المغالطات الواهية لتمرير أجندتهم يقومون بتحريف طبيعة قوى الثورة والمدنيين ولجان المقاومة ووصفهم بأبشع النعوت، ثم مهاجمة تلك الصورة المزيفة التي صنعوها بأنفسهم بدلاً من مواجهة الحقيقة الصلبة المتمثلة في سلمية وحقوق مطالب الشارع العادلة هذا تماما ما يسمى مغالطة رجل القش .
أيضا الاحتكام إلى القوة والترهيب عبر استخدام الآلة الإعلامية الأمنية والتلويح بمسح الجداريات وتغيير أسماء الشوارع بالقوة والجرافات، لفرض واقع سياسي مزيف وكأنهم يمتلكون حق إلغاء الذاكرة الشعبية تماماً هذه مغالطة .
هذا بالإضافة إلى تعميم الهوان والتجرد الأخلاقي عبر محاولة إقناع البسطاء بأن كل حراك الثورة انحرف أو انتهى إلى لا شيء ، بغية نزع شرعية الاحتجاج والتظاهر وضمان بقاء خطاب الخنوع تحت زعم أن “البديل هو الفوضى” وفي كل مرة يتحدثون عن الشرعية يهزمون… .
ويلجأون إلى مساواة الضحية بالجلاد وخداع الميزان الأخلاقي وهي محاولات البائس للموازنة بين العسكر والميزان من جهة وتاريخ المدنيين من حهة في الانتهاك والدمار، وصولاً إلى فبركة السرديات لجعل قادة الخراب والدمار أبطالاً لما يسمى بـ “حرب الكرامة”، متناسين عمداً أن هذه الحرب المزعومة لم تنزع سوى كرامة الشعب السوداني نفسه، وأذاقته مرارة اللجوء والنزوح والعوز، وخللفت ورائها أكبر كارثة إنسانية عرفها التاريخ الحديث، وموثقة بفضائع وانتهاكات لا تسقط بالتقادم.
ندقق فنجد أن الحسابات والمنصات ذاتها التي كانت تضخ في 2021 هاشتاقات مثل “قحت نكبة السودان” و”المدنيون عملاء”، هي نفس الأصابع التي تروج اليوم لرسائل مثل “جداريات قحت الوسخة لازم تتمسح” و”شارع عباس فرح لازم يرجع اسمه القديم”.تبعتها أصابع من دخلوا الثورة بغير باب مبادئها المتمثلة في الحرية والسلام والعدالة ومدنية الدولة
فبعد حرب 15 أبريل، ظهر صوت “البلابسة” وهو منقاد وراء كوادر الإعلام الأمني القديم، وفلول النظام السابق، ومحبي استمرار الحرب. هذا التيار تدرج من محطة تشويه الأشخاص إلى محطة استهداف وتشويه التاريخ نفسه.
لقد انقلب خطابهم رأساً على عقب؛ فبعدما كانوا يقولون قديماً إن “المدنيون فشلوا”، صاروا يصرخون اليوم بأن “الثورة نفسها كانت فشلاً ذريعاً”. وبعدما ادعوا يوماً أن “قحت باعت الدم”، باتوا ينكرون وجود الدم أصلاً ويقولون إنه لم يكن سوى “انقلاب قصر”. وبدل أن يصفوا لجان المقاومة سابقاً بـ “الصعاليك”، عادوا اليوم يطالبون علناً بـ “مسح جداريات الصعاليك”.
الغاية السياسية واضحة وجلية: بقاء فكرة أن “ثورة ديسمبر كانت ثورة شعبية سلمية ضد حكم عسكري إسلامي دام ثلاثين عاماً” يشكل طعنة مميتة في قلب شرعية خطاب الحرب الراهن، القائم على فرضية أن “الجيش هو الحامي الوحيد للوطنية، وكل معارض له خائن”. لقد أثبتت ثورة ديسمبر العكس تماماً؛ أثبتت أن الشعب قادر على الخلع والاسقاط حين يطغى الحاكم، حتى وإن ارتدى نفس الزي العسكري. ولهذا السبب تحديداً، يسعون لإعادة كتابة تاريخ ثورك ديسمبر لتتحول إلى مجرد صراع شخصي بين جنرالين، فلا يبقى بعدها شعب، ولا شهداء، ولا حق لأحد في أن يرفع صوته صارخاً: “لا للحرب”.
الآن ليس الدفاع عن الجدارية وحدها دفاعاً عن الحقيقة بل الدفاع عن تاريخ الثورة الذي يحاولون تزويره لاعادة تدوير من فادتهم الثورة إلى مزبلته ليتصدر المشهد من جديد….
أخبروا الناس بأن ما حدث لم يكن ثورة، بل انقلاباً للبرهان على البشير.لكنهم هم من صنعوها…
امسحوا الجدارية التي تشهد بأنها كانت ثورة للشعب لكنهم هم من رَسم ومن رُسِم
غيروا اسم الشارع الذي يخلد ذكرى من سقطوا فيها لكنهم بنات وأبناء الحي…
ألغِوا لجنة التحقيق التي توثق من تجرأ على قتلهم وتذكروا من قبلكم فالديان لايموت والسعيد من وعظ بغيره .
لن يسمح الثوار والثائرات بأن تفتح كتب التاريخ بعد عقد من الزمن، لتجد سطرا باهتا يقول: “في 11 أبريل 2019 انقلب البرهان على البشير وانتهى كل شيء”.
فالحقيقة الساطعة التي تعجز عن محوها كل دلاء البوهية والتي لن تغيرها منشورات الصارخين والنائحات هي أن السودانيين هبّوا أربعة أشهر متصلة، في أكثر من 18 ولاية، سلميين وعزل إلا من كلماتهم ومواقفهم تلك التي لاتزال باقية بقاء ثورتهم.. والتي أسقطت نظاما استبدادياً عمره ثلاثون عاماً. وأن الجيش بكل قادته وأجنحته، من برهان وبن عوف إلى حميدتي، لم يكن في يوم قائدًا لهذه الثورة، بل وجد نفسه مجبراً على الركض خلف قطارها بعد سقوط البشير…
إن دفاعنا اليوم عن بقاء جدارية في ركن شارع، أو اسم شهيد على لافتة متهالكة، أو التصدي لمنشور يزور الخقيقة ليس ترفاً عاطفياً أو عملاً تجميلياً؛ بل هو استخدام ذاكرة الثورة السلمية للدفاع عن حق السودانيين في أن تخلد ثورتهم التي شهد لها العالم ، قبل أن يسطو اللصوص حتى على ذكراها.
فالتاريخ الحقيقي لا يكتبه أبداً من يمتلك جرافات الهدم ودلاء البوهية، بل يخطه أولئك الذين رسموا الجدارية للمرة الأولى، وكتبوا اسم الشهيد بدمائهم الطاهرة على جدران الذاكرة.





