الكارثة الإنسانية في السودان.. أرقام تكفي لوقف الحرب

بقلم : الهادي الشواف
الحرب كارثة تحدد الوجود:
في قلب إفريقيا حيث كان السودان يوماً أرضاً للخصب والتنوع، تحول بين ليلة وضاحها إلى مسرح لأكبر كارثة إنسانية يشهدها العالم، حرب اندلعت منذ أبريل 2023م، وما زالت نيرانها تلتهم البشر والحجر حتى الأن، لتترك وراءها بلداً منكوباً، وشعباً يواجه الموت في كل لحظة، إما برصاص الحرب أو بجوع يفتك بالأطفال قبل الكبار، وكل محاولات ايقافها تكسرت أمام التعنت والممانعة من قبل المتكسبين منها سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.
هذه الحرب خلّفت كارثة إنسانية غير مسبوقة، وصفتها الأمم المتحدة بأنها أسوأ أزمة إنسانية في العالم، حيث يواجه أكثر من نصف السكان خطر المجاعة والنزوح، وهو ما يجعل وقف الحرب ضرورة عاجلة لا تحتمل التأجيل، رغم المبادرات المتعددة لوقف الحرب منذ بدايتها في ابريل 2023م، الا أنه نلاحظ غياب أي افق لحل سياسي، أو التزام بوقف اطلاق النار، وبتجاوز الحرب حاجز الألف يوم حتى لحظة كتابة هده السطور، اتسعت رقعتها واودت بحياة أكثر من(150) قتيل، وتعددت الانتهاكات لدرجة يصعب رصدها.
بالاضافة إلى النزوح وتدمير البنية التحتية وتعطيل الحياة العامة، وكذلك شهدت ساحة القتال تحولات كبيرة في خريطة السيطرة العسكرية، حيث انقسمت البلاد إلى مناطق نفوذ متباينة، ما أدى إلى تعقيد جهود التسوية السلمية وفاقم الأزمة الإنسانية حتى وصولها مراحل كارثية.
انهيار الدولة والإنسان.. ارقام تنطق عن المأساة:
لم يعد السودان مجرد بلد في أزمة، بل أصبح رمزاً لانهيار الدولة والإنسان معاً، فالمستشفيات مغلقة أو مدمرة، والمدارس تحولت إلى ملاجئ، والطرقات إلى مقابر جماعية، النزوح الجماعي حول الملايين إلى لاجئين في وطنهم، يفتقدون المأوى والماء والغذاء، ويعيشون في مخيمات لا تصلها المساعدات إلا نادراً، ملايين الأطفال والنساء يعانون من سوء التغذية ونقص حاد في الغذاء، مما يهدد حياتهم بشكل مباشر، والأطفال هم الأكثر عرضة للخطر، حيث ارتفعت معدلات وفيات الأطفال بسبب الجوع والأمراض المعدية.
ورغم عدم وجود احصائيات دقيقة، الا أن مدونة الحرب رصدت حجم الكارثة الإنسانية بأرقام تعكس واقع مأساوي بمعنى الكلمة، حيث أكدت منظمات دولية أن أكثر من 30,4 مليون سوداني يقفون على حافة المجاعة، وبحاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة تشمل الغذاء والصحة والخدمات الأساسية، بينهم ملايين الأطفال الذين يذبلون أمام أعين أمهاتهم بلا غذاء ولا دواء.
والأمم المتحدة أكدت حدوث مجاعة فعلية في مناطق شمال دارفور وجبال النوبة، مع توقع دخول مناطق جديدة في طور المجاعة، وبالتالي تحتاج هذه المناطق وغيرها إلى مساعدات إنسانية عاجلة، كما أن الارقام سجلت أعلى موجة نزوح في العالم، حيث ملايين المدنيين اضطروا لترك منازلهم والعيش في مخيمات مكتظة تفتقر لأبسط مقومات الحياة.
اضف إلى ذلك انهيار النظام الصحي المستشفيات بلا أدوية، بلا وقود وبلا كوادر طبية كافية، حيث قتل اكثر 222 طبيب متذ بداية الحرب. ما جعل السيطرة على الأمراض شبه مستحيلة، مما أدي انتشار الكوليرا والملاريا وحمى الضنك، مع صعوبة وصول المساعدات الإنسانية الطبية والادوية الضرورية والمنقذة للحياة بسبب استمرار القتال، وأكدت منظمة الصحة العالمية أن تفشي الأوبئة والأمراض الناتجة عن انهيار النظام الصحي أودت بحياة أكثر من 4,980 إنساناً، معظمهم من المدنيين العزل، والكوليرا وحدها حصدت أرواح أكثر من 3,500 شخص، فيما أصابت الملاريا نحو 2,7 مليون شخص خلال عام 2025م، لتتحول الأوبئة إلى سلاح خفي لا يقل فتكاً عن المدافع.
وما ذكرته الناشطة هالة الكارب من ارقام في الاحاطة التي قدمتها امام مجلس الامن الدولي حسب مجلة افق، تعكس حجم الكارثة الانسانية واتساع دائرة العنف والانتهاكات، حيث ذكرت بانه تم احتاجز 840 امراة، وتم توثيق 1294 حالة عنف جنسي، وكذلك 225 حالة عنف جنسي ضد الاطفال، هذه ارقام يندى لها الجبين وتجسد درجة التوحش في هذه الحرب العبثية.
الاجماع العالمي.. لماذا يجب إيقاف الحرب فوراً؟:
الأمم المتحدة وصفت الوضع في السودان بأنه أسوأ وأكبر كارثة إنسانية في العالم حاليا، متجاوزة في حجمها أزمات أوكرانيا وغزة، رغم أنها أطلقت خطة استجابة إنسانية بقيمة 6 مليارات دولار لإنقاذ الأرواح، لكن التمويل ما زال غير كاف.
وهناك تحديات حقيقية تواجه العمل الإنساني وتصعب وصول المساعدات، والمجتمع الدولي بأسره يعترف بأن هذه المأساة وحدها تكفي لتسريع وقف الحرب، لكن الاعتراف لم يتحول بعد إلى فعل حاسم، وبينما يتجادل الساسة في قاعات المؤتمرات، يموت السودانيون في صمت يجلجل في الضمير الإنساني.
وهذا الوضع يضع العالم والضمير الإنساني أمام اختبار أخلاقي ومسؤولية عظيمة، فالسودان اليوم يمثل أكبر مأساة إنسانية، وأي تأخير في وقف الحرب يعني التواطؤ مع الكارثة وجميع التقارير الإعلامية والمنظمات الحقوقية والمجتمع الدولي متفقة على أن هذه الكارثة وحدها كافية لتسريع الجهود نحو وقف الحرب.
واستمرار الحرب يعني المزيد من القتلى والمجاعة، والمزيد من القبور المفتوحة، والمزيد من الأطفال الذين يموتون جوعاً، والمزيد من الأمهات اللواتي يدفن أبناءهن بأيديهن، وسوف ينهدر السودان إلى منعطف يصعب معه التدخل الفعال، وبالتالي تكون البلاد في مواجهة خطر الانهيار التام ومهددة بالانقسام والتفتت، بينما وقفها يفتح المجال لوصول المساعدات ويعيد بناء الثقة ويتيح الفرصة لبدء عملية سياسية شاملة لإعادة المسار الديمقراطي وتحقيق الاستقرار.
السودان يصرخ والضمير الإنساني مطالب بأن يسمع:
نعم أن السودان اليوم ليس مجرد خبرٍ في نشرات الأخبار، وإن الكارثة الإنسانية في السودان ليست مجرد أزمة محلية، وهذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل هي صرخات مكتومة ودموع أمهات وأنين أطفال يواجهون الموت في صمت يفضح عجزنا وعجز العالم من حولنا، وبل هي مأساة إنسانية عالمية تهدد ملايين الأرواح، وكل يوم يمر يعني آلاف الأرواح التي تزهق بلا ذنب.
بل هو امتحان أخلاقي لنا وللعالم بأسره، يكشف فشلنا في ادارة ازماتنا وهشاشة النظام الدولي في مواجهة الحروب، ووقف الحرب في السودان اليوم قبل الغد ليس خياراً سياسياً فحسب، بل واجب إنساني عاجل، إذ إن استمرارها يعني ترك الملايين للموت جوعاً ومرضاً ونزوحاً، بينما يمكن بقرار شجاع أن يفتح باب الأمل لإنهاء أكبر كارثة إنسانية يشهدها العالم اليوم، والعالم لا يستطيع أن يدعي الإنسانية وهو يشاهد أكبر مأساة بشرية في القرن دون أن يتحرك.





