نزيف الكوادر الطبية… الحرب تعمق أزمة هجرة الأطباء في السودان

أفق جديد – ابتسام حسن

تواجه المنظومة الصحية في السودان أزمة متفاقمة مع استمرار الحرب، وسط تراجع حاد في الكوادر الطبية نتيجة الهجرة والنزوح الداخلي، في وقت تحذر فيه جهات رسمية وخبراء من تأثيرات تهدد استمرارية الخدمات الصحية، خاصة في التخصصات الحرجة.

وأقرت وزارة الصحة بولاية الخرطوم بوجود تحديات كبيرة تواجه القطاع الصحي، من بينها الحاجة إلى استقرار الكوادر الطبية في مواقع عملها، في ظل ما وصفته بضغط نظام التعاقدات على ميزانيات المستشفيات.

وطالب مديرو مستشفيات، خلال اجتماع سابق، بضرورة تخصيص ميزانيات تشغيل ثابتة ومحددة، بما يضمن استمرار تقديم الخدمات الصحية وتحسين جودتها.

وأعلن مدير عام وزارة الصحة بولاية الخرطوم، د. محمود البدري، عن وضع استراتيجية للمرحلة المقبلة تستهدف التعافي التدريجي للنظام الصحي، عبر استدعاء الكوادر من الخارج ومن الولايات، وإعادة توجيهها للعمل في العاصمة وفق اللوائح المنظمة.

وتشمل الخطة أيضا تشغيل المستشفيات الكبرى والتخصصية بكامل طاقتها، إلى جانب تنفيذ جولات ميدانية لتقييم الكوادر العاملة والوقوف على تنفيذ الخطط التشغيلية في القطاعات الصحية الثلاثة بالولاية.

هجرة ونزوح يضغطان على النظام الصحي

أدت الحرب إلى تفاقم أزمة الكوادر الصحية في البلاد، حيث لم يقتصر التأثير على تدمير البنية التحتية، بل امتد إلى العنصر البشري، مع تزايد الهجرة إلى الخارج والنزوح الداخلي نحو ولايات أكثر أمانا. 

وخلال الفترة الماضية، غادر عدد كبير من الأطباء والممرضين والفنيين إلى دول مثل مصر ودول الخليج وأوروبا، فيما فقدت البلاد تخصصات دقيقة ونادرة مثل التخدير والعناية المكثفة والجراحة.

كما تسبب النزوح الداخلي في إعادة توزيع غير متوازن للكوادر، ما أدى إلى تركز الخدمات في مناطق محدودة، وزيادة الضغط على المستشفيات العاملة.

وتفاقمت الأزمة مع تدهور الأمن في بعض المناطق، وتوقف أو عدم انتظام صرف الرواتب، إضافة إلى تضرر أو نهب عدد من المنشآت الصحية، ما أدى إلى انهيار جزئي في مستوى الخدمات الطبية.

محفزات مطلوبة لاستعادة الكوادر

يرى خبراء صحيون أن استعادة الكوادر الطبية تتطلب حزمة متكاملة من الحوافز، تشمل جوانب مالية ومهنية وأمنية.

وتتمثل المحفزات المالية في توفير رواتب مجزية ومستقرة، إلى جانب بدلات السكن والترحيل، وحوافز إضافية للعمل في مناطق الطوارئ.

أما المحفزات المهنية فتشمل إتاحة فرص التدريب والتخصص، ومسارات واضحة للترقي، إضافة إلى الاعتراف بالخبرات المكتسبة خارج البلاد.

كما تشمل المقترحات توفير ضمانات أمنية وتأمين صحي شامل وسكن آمن، إلى جانب إعادة الاعتبار للكادر الصحي وإشراكه في اتخاذ القرار.

تحديات معقدة أمام عودة الأطباء

يشير مختصون إلى أن عودة الكوادر تواجه تحديات متداخلة، أبرزها استمرار عدم الاستقرار الأمني، وضعف البنية التحتية الصحية، وعدم انتظام الرواتب.

وقد أدت هذه الأوضاع إلى تراجع الثقة في المؤسسات الصحية، ودفع كثير من الكوادر إلى الارتباط بعقود عمل خارجية أكثر استقرارا، 

كما لا يمكن تجاهل العامل السياسي، حيث يخشى بعض الأطباء من التهميش أو الاستهداف، إلى جانب غياب بيئة مهنية مستقرة، وهو ما يعمّق أزمة الثقة داخل القطاع.

يضاف إلى  ذلك أن عدد من الكوادر يفضل العمل مع المنظمات الدولية والإغاثية، نظرا لما توفره من استقرار مالي وبيئة عمل منظمة وفرص تدريب، ما يزيد من استنزاف القطاع الحكومي.

إشكاليات التعاقدات ونماذج بديلة

تواجه المستشفيات إشكاليات في نظام التعاقدات، تتمثل في ارتفاع التكلفة وضعف الاستقرار الوظيفي.

يرى الخبير الصحي وخبير الصحة العامة، د. عبد الماجد مردس، أن معالجة الأزمة تتطلب حلول مرنة، من بينها اعتماد عقود قصيرة ومتوسطة المدى، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية للكوادر الصحية، والعمل بنظام التعاقد الجماعي بدلا من الفردي.

ودعا في حديثه لافق جديد إلى تطوير آليات التقاعد المرن، والسماح بعودة المتقاعدين للعمل عبر عقود خاصة، إلى جانب إطلاق برنامج “الخبير الوطني” للاستفادة من الخبرات عند الحاجة.

وأكد مردس أن الأزمة لا تقتصر على هجرة الكوادر، بل هي أزمة ثقة في المؤسسات وبيئة العمل، مشيرا إلى أن الحل يتطلب إصلاحا شامل يعيد بناء الثقة ويحيد القطاع الصحي عن الاستقطاب السياسي.

دعوات لتحسين البيئة الصحية

من جانبه، قال القيادي بلجنة أطباء السودان، د. محمد فيصل لافق جديد: إن الحرب أدت إلى تسريع هجرة الكوادر الطبية نتيجة انعدام الأمن واستهداف المستشفيات، ما دفع العديد من الأطباء إلى الانتقال داخل السودان أو الهجرة خارجه.

وأكد أن إعادة تشغيل المستشفيات تمثل العامل الأهم في تشجيع عودة الكوادر، إلى جانب توفير بيئة عمل مناسبة، وعودة الاستشاريين، بما يساهم في جذب الأطباء الأصغر سنا. 

وأشار إلى تحديات إضافية تشمل ضعف التدريب الطبي، وتراجع الأجور، وغياب الضوابط المنظمة للعقود في القطاعين العام والخاص.

بدوره، قال القيادي بشبكة أطباء السودان، د. محمد حيدر، إن الحرب كانت العامل الأكبر في تسريع هجرة الكوادر، سواء إلى خارج البلاد أو عبر النزوح الداخلي، ما أدى إلى خلل واضح في توزيع الكوادر الطبية.

وأضاف في حديثه لافق جديد أن استعادة الكوادر تتطلب توفير محفزات حقيقية، تشمل تحسين الأجور، وتأمين السكن، وتوفير بيئة عمل مستقرة، وضمانات تعاقدية واضحة، إلى جانب جذب الاستثمار الوطني في القطاع الصحي.

وحذر من أن نظام التعاقدات الحالي غير مستدام، داعيا إلى إصلاحات تشمل توحيد الأجور، وتبسيط الإجراءات، وتوفير تمويل مباشر للمستشفيات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى