أزمة التعليم في السودان… سبب أم نتيجة؟ ومن المسؤول عن هذا الإهدار؟ (الحلقة الثالثة)

عثمان يوسف خليل

حين ننظر إلى واقع التعليم في السودان اليوم، يلحّ علينا سؤال جوهري:

هل أزمة التعليم هي سبب أزماتنا الكبرى؟

أم أنها مجرد نتيجة لانهيارات سياسية واقتصادية واجتماعية أوسع؟

الحقيقة المؤلمة أن التعليم في السودان هو السبب والنتيجة معًا. هو ضحية الإهمال، وفي الوقت نفسه أحد العوامل التي أعادت إنتاج هذا الإهمال عبر أجيال متعاقبة. فعندما يضعف التعليم، يضعف الوعي. 

ولا بد ان نعي انه حين يضعف الوعي، يسهل التلاعب بالمجتمع..وحين يسهل التلاعب بالمجتمع، تتكرّر الأخطاء، وتتعاقب الأزمات، ويُعاد إنتاج الفشل في حلقة مفرغة لا تنتهي.

لكن السؤال الأهم من ذلك كله:

من المسؤول عن هذا الإهدار التاريخي للتعليم؟

٠٠أولًا: المسؤولية السياسية:

لا يمكن فصل أزمة التعليم عن طبيعة الحكم والسياسات العامة. فعلى مدى عقود، لم يكن التعليم في السودان ذو أولوية وطنية حقيقية، بل ظل ملفًا ثانويًا يتلاعب به، يخضع للتجاذبات السياسية، والتقلبات الاقتصادية، وأحيانًا للاستخدام الأيديولوجي.

الراقع انه قد تم تسييس المناهج، وتهميش المعلم، وإضعاف البنية التحتية للمدارس،

وتقليص الميزانيات المخصصة للتعليم،

وكأن الاستثمار في العقل ترف يمكن تأجيله.

وفي دول كثيرة، يُنظر إلى التعليم باعتباره مشروعًا استراتيجيًا طويل الأمد،  أما في السودان، فقد عومل غالبًا باعتباره عبئًا ماليًا لا استثمارًا وطنيًا.

٠٠ثانيًا: المسؤولية المؤسسية والإدارية:

حتى حين وُجدت موارد محدودة، كثيرًا ما أُهدرت بسبب ضعف الإدارة، وسوء  التخطيط، وغياب الرؤية بعيدة المدى. فلا توجد سياسات تعليمية مستقرة، ولا خطط واضحة لتطوير المناهج، ولا حتى برامج جادة لتأهيل المعلمين، ولا نظام فعّال لمتابعة جودة التعليم. والنتيجة: نظام تعليمي مترهّل، يعمل بردّ الفعل لا بالفعل، ويعالج الأعراض بدلًا من معالجة الجذور.

٠٠ثالثًا: المسؤولية المجتمعية والثقافية:

من السهل أن نحمّل الدولة وحدها المسؤولية، لكن الحقيقة أن المجتمع أيضًا شريك في هذا الإهدار. حين تتراجع قيمة العلم في الوعي العام، وحين يُنظر إلى التعليم كوسيلة للحصول على شهادة فقط، لا لبناء عقل، وحين يُهمَّش دور المعلم اجتماعيًا وماديًا، وحين يتسامح المجتمع مع التسرب المدرسي وعمالة الأطفال، فإن الأزمة تصبح أزمة ثقافة، لا أزمة سياسات فقط. المجتمع الذي لا يحمي التعليم، يشارك – ولو دون قصد – في تقويض مستقبله.

٠٠رابعًا: دور النخب والمثقفين:

حتى النخب الفكرية والثقافية تتحمّل جزءًا من المسؤولية، حين تكتفي بالنقد الموسمي، أو تنشغل بصراعات هامشية، أو تفشل في تحويل الأفكار إلى مشاريع ضغط وتأثير حقيقية. فالمثقف ليس شاهدًا محايدًا على الخراب، بل من المفترض أن يكون ضميرًا نقديًا حيًا، وجسرًا بين المعرفة والواقع، وصوتًا يذكّر المجتمع بخطورة ما يُهدر من فرص.

أزمة التعليم كمرآة لأزمة أعمق:

في جوهرها، أزمة التعليم في السودان ليست أزمة مناهج فقط، بل أزمة رؤية:

أي إنسان نريد أن نُنشئ؟

وأي مجتمع نطمح إلى بنائه؟

وأي مستقبل نتصوره لأجيالنا؟

وعليه، حين تغيب الإجابة عن هذه الأسئلة، يصبح التعليم بلا بوصلة، ويتحوّل إلى عملية شكلية، تنتج شهادات أكثر مما تنتج وعيًا.

لكن… هل ما زال الإصلاح ممكنًا؟

رغم قسوة الصورة، فإن الأمل لم يُغلق تمامًا.

فإصلاح التعليم ليس مستحيلًا، لكنه يتطلب شجاعة فكرية قبل أن يتطلب موارد مالية.

يتطلب:

إرادة سياسية صادقة، ورؤية تربوية واضحة،

واحترامًا حقيقيًا لدور المعلم، واستثمارًا طويل الأمد في بناء العقل، ومشاركة مجتمعية تعتبر التعليم قضية حياة لا ملفًا ثانويًا. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس فقط استمرار انهيار التعليم، بل أن نعتاد هذا الانهيار…وأن يصبح التدهور أمرًا طبيعيًا في وعينا.

وفي الحلقة القادمة، سنناقش:

ما شكل التعليم الذي نحتاجه في السودان؟ وهل نريد إصلاحًا شكليًا أم إعادة تأسيس كاملة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى