الحرب تلتهم فرحة العيد في السودان

أفق جديد
مع اقتراب عيد الأضحى في السودان، تبدو الأسواق مزدحمة بالخراف، لكنها تخلو من المشترين القادرين على الشراء. فالحرب المدمرة ألقت بظلالها الثقيلة على حياة ملايين السودانيين، ودفعت كثيرًا من الأسر إلى التخلي عن واحدة من أبرز شعائر العيد، في ظل ارتفاع غير مسبوق لأسعار الأضاحي وتدهور الأوضاع الاقتصادية والإنسانية.
في أسواق الماشية بالعاصمة الخرطوم ومدن أخرى، تتكرر المشاهد ذاتها؛ مواطنون يتنقلون بين الحظائر، يسألون عن الأسعار ثم يغادرون. وبين أصوات الباعة وروائح الأعلاف، تبدو ملامح القلق والإرهاق أوضح من أي مظاهر للفرح المعتاد في مثل هذا الموسم.
وفي وقت سابق، أعلن رئيس الوزراء كامل إدريس أن موازنة عام 2026 تستهدف خفض معدل التضخم بنسبة تصل إلى 70% خلال العام، إلى جانب رفع معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي بنحو 9%.
وأوضح أن تحقيق هذه الأهداف يرتبط بتنفيذ حزمة من الإجراءات الاقتصادية، تشمل الحد من فرض أعباء ضريبية إضافية على المواطنين، وتحسين إدارة سعر الصرف، والعمل على تضييق الفجوة بين السعر الرسمي والموازي للجنيه السوداني في السوق السوداء.
تدهور الأوضاع الاقتصادية
وخلال جولة واسعة في عدد من أسواق الماشية، تراوحت أسعار الخراف بين 700 ألف ومليون و200 ألف جنيه سوداني، بحسب الحجم والسلالة والحالة الصحية، في ارتفاع وصفه مواطنون وتجار بأنه غير مسبوق مقارنة بالأعوام الماضية.
ويقول متعاملون في السوق إن الأسعار أصبحت تفوق بكثير القدرة الشرائية لمعظم الأسر، خاصة في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية واستمرار الحرب التي أرهقت المواطنين وأفقدت كثيرين مصادر دخلهم.
يقول أحمد عبد الله، وهو موظف من ولاية الجزيرة، إن شراء الأضحية أصبح حلمًا بعيد المنال بالنسبة له هذا العام. وأضاف لـ “أفق جديد”: “كنا نعتبر الأضحية من أساسيات العيد مهما كانت الظروف، لكن الوضع تغيّر بالكامل. راتبي لم يعد يكفي لتوفير الطعام والإيجار والعلاج، فكيف يمكنني شراء خروف وصل سعره إلى مئات الآلاف من الجنيهات؟”.
ويتابع وهو يتفقد أحد الخراف قبل أن يبتعد عن الحظيرة: “أطفالي يسألون عن الأضحية والملابس الجديدة، لكننا بالكاد نستطيع تدبير احتياجاتنا اليومية”.
تراجع قيمة العملة
ولم تعد الأزمة مقتصرة على الأسر محدودة الدخل فقط، إذ يقول عدد من المواطنين إن الطبقة المتوسطة أيضاً أصبحت عاجزة عن مجاراة الارتفاع الكبير في الأسعار، خاصة مع استمرار التضخم وتراجع قيمة العملة المحلية وندرة فرص العمل.
في حي الكدور بمدينة بحري، تقول عائشة عبد الله، وهي أم لأربعة أطفال، إن الحرب سلبت الناس أبسط تفاصيل الحياة الطبيعية. وتضيف لـ “أفق جديد”: “العيد في السابق كان مناسبة للفرح ولم الشمل، أما الآن فنحن نفكر فقط في كيفية توفير الطعام والمياه والدواء. الأضحية أصبحت رفاهية لا يقدر عليها معظم الناس”.
وتشير إلى أن كثيرًا من الأسر داخل مراكز النزوح تعتمد على المساعدات الإنسانية، بينما تواجه أوضاعًا معيشية شديدة القسوة مع ارتفاع أسعار السلع الأساسية وانعدام مصادر الدخل.
من جهتهم، يؤكد تجار ماشية أن ارتفاع أسعار الخراف يعود إلى عوامل متعددة ترتبط بشكل مباشر بالحرب والأزمة الاقتصادية. ويقول التاجر عز الدين إبراهيم إن تكاليف النقل والترحيل تضاعفت خلال الفترة الماضية بسبب انعدام الأمن في بعض الطرق وارتفاع أسعار الوقود.
ويضيف لـ “أفق جديد”: “الحرب أثرت على كل شيء؛ مناطق الإنتاج تأثرت، وحركة النقل أصبحت صعبة ومكلفة، كما ارتفعت أسعار الأعلاف بصورة كبيرة. كل هذه العوامل انعكست على سعر الخروف”.
ويشير إلى أن حركة البيع هذا العام تعد من الأضعف منذ سنوات، رغم اقتراب العيد، موضحاً أن كثيراً من المواطنين يكتفون بالسؤال عن الأسعار ثم يغادرون دون شراء.
ويقول: “حتى الزبائن الذين اعتادوا شراء خراف كبيرة أصبحوا يبحثون عن الأصغر أو الأرخص. الناس فقدت القدرة الشرائية بصورة واضحة”.
أزمة اقتصادية خانقة
يعاني السودان من أزمة اقتصادية خانقة تجلت في التراجع الحاد للقوة الشرائية وتآكل الدخول الحقيقية للمواطنين، نتيجة الارتفاع المتواصل في أسعار السلع والخدمات وتصاعد معدلات التضخم إلى مستويات قياسية بفعل تداعيات الحرب.
وأدى ذلك إلى تفاقم الأعباء المعيشية على الأسر السودانية، التي بات كثير منها عاجزاً عن توفير الاحتياجات الأساسية اليومية من غذاء ودواء وخدمات ضرورية.
ويرى أستاذ الاقتصاد، محمد عباس، في حديثه لـ “أفق جديد”، أن الأزمة الحالية تكشف حجم التدهور الاقتصادي الذي تعيشه البلاد منذ اندلاع الحرب، حيث ارتفعت معدلات التضخم بصورة كبيرة، وتراجعت قيمة الجنيه السوداني، فيما فقد آلاف المواطنين وظائفهم ومصادر دخلهم بسبب النزوح وتوقف الأنشطة الاقتصادية.
وفي ظل استمرار الحرب وتفاقم الأزمة الإنسانية، يخشى كثير من السودانيين من أن تتحول الأعياد إلى مواسم للحزن بدلًا من الفرح، خاصة مع اتساع رقعة النزوح والفقر وغياب أي مؤشرات لتحسن قريب في الأوضاع المعيشية.
وبينما تتواصل حركة البيع الخافتة داخل أسواق الماشية، يبقى المشهد الأكثر حضورًا هو نظرات العجز التي يحملها مواطنون أنهكتهم الحرب، وأصبحوا يراقبون خراف العيد من بعيد، عاجزين عن الاقتراب من أسعارها، فيما تبتلع الأزمة الاقتصادية آخر ما تبقى من ملامح الفرح في السودان.





