متوكل الشريف ليلى صلاح وآخرين وجوه أشرقت رغم سعير الحرب… معرض الدوحة 2026

ناهد إدريس

رغم أن الحرب حاولت أن تطفئ ملامح السودان الثقافية، إلا أن السودانيين ظلوا يكتبون، ينشرون، ويحملون أوطانهم الصغيرة داخل الكتب والقصائد والروايات. وفي الدورة الخامسة والثلاثين من معرض الدوحة الدولي للكتاب، لم يكن الحضور السوداني مجرد مشاركة عابرة، بل كان حضورًا يشبه الحنين، ويشبه المقاومة الهادئة التي تقول إن الثقافة آخر ما يسقط من الأوطان.

في أروقة المعرض، وبين مئات دور النشر القادمة من مختلف أنحاء العالم، كان للحروف السودانية طعم مختلف. حروف خرجت من قلب التعب، ومن ذاكرة المدن المثقلة بالدخان، لكنها وصلت إلى الدوحة محمّلة بالأمل، كأنها تقول إن السودان ما زال قادرًا على أن ينبت الجمال حتى من تحت الرماد.

شارك في المعرض هذا العام 515 دار نشر تمثل 36 دولة، بينما سجل السودان حضورًا لافتًا عبر ثماني دور نشر سودانية حملت معها رائحة الخرطوم وأمدرمان ومدني وبقية المدن التي أنهكتها الحرب، لكنها لم تستطع أن تهزم روحها الثقافية.

ومن بين الدور المشاركة حضرت دار المصورات للنشر، ودار الريم للنشر والتوزيع، وشركة المتوكل للطباعة والنشر والتوزيع، ودار عزة للنشر والتوزيع، إلى جانب دور أخرى ظلت تقاوم فكرة الغياب، وتؤمن بأن الكتاب يمكن أن يكون وطنًا مؤقتًا حين تضيق الجغرافيا.

ويرتبط اسم متوكل الشريف بـ دار المصورات للنشر كأحد أبرز الناشرين السودانيين الذين ظلوا أوفياء لفكرة الثقافة والمعرفة. فالدار التي عُرفت باهتمامها بالتاريخ والأدب والفكر السياسي والثقافة العامة، واجهت مثل غيرها قسوة الحرب وصعوبة الوصول إلى المخازن والمقار، لكنها رغم ذلك حضرت إلى الدوحة وكأنها تعلن انتصار الكتاب على الخراب.

ولم يكن الحضور السوداني مقتصرًا على دور النشر فقط، بل امتد إلى الأقلام التي جاءت تحمل وجعها وأسئلتها وأحلامها. تنوعت الإصدارات بين الرواية والشعر والفكر والذكريات، فحضرت أعمال مثل أنيميا الحب لـ ليلى صلاح، وريناس لـ تيسير حسين، وكتاب المجتمع المدني بين التأصيل والابتسار للدكتورة محاسن زين العابدين، وبتراب الدوحة لـ عواطف عبد اللطيف، إضافة إلى أعمال فضيلي جماع التي ظلت دائمًا منحازة للإنسان والحياة.

كان المشهد السوداني في المعرض يشبه لقاء عائليًا كبيرًا؛ وجوه جاءت من المنافي، وأخرى من قلب الوجع، لكنها التقت جميعًا حول الكتاب. بعضهم كان يوقع روايته الأولى، وبعضهم يحمل تاريخًا طويلًا مع الحرف، لكن القاسم المشترك بينهم جميعًا هو الإيمان بأن الثقافة قادرة على ترميم ما تهدمه الحروب.

في الدوحة، بدا السودانيون وكأنهم يستعيدون شيئًا من ملامحهم القديمة. الضحكات الخفيفة بين الأجنحة، النقاشات الطويلة حول الكتب، صور التوقيع، ولمعة الفخر في عيون الزوار وهم يشاهدون اسم السودان حاضرًا رغم كل شيء… كلها تفاصيل صغيرة، لكنها كانت كافية لتفتح نافذة واسعة للأمل.

هذا الحضور لم يكن مجرد مشاركة ثقافية، بل رسالة كاملة تقول إن السودان لن يغيب. قد تتعب البلاد، وقد تضيق الطرق، لكن الحروف السودانية ستظل تجد طريقها إلى الضوء دائمًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى