الخارجية الأمريكية لـ”أفق جديد”: لا تعليق على مبادرة كرتي وموقفنا من السودان ثابت

أفق جديد
لم تنفِ وزارة الخارجية الأمريكية، ولم تؤكد في الوقت نفسه، تلقيها مبادرة من الأمين العام للحركة الإسلامية المصنفة إرهابية علي أحمد كرتي، حملت تنازلات وُصفت بالتاريخية، باعتبار أنها تضمنت ما عُدّ تخلياً عن مبادئ أساسية وشعارات أيديولوجية ظلت الحركة ترفعها طوال ثلاثين عاماً من حكم السودان، ولو على المستوى الظاهري. واكتفت الوزارة، في ردها على أسئلة “أفق جديد”، بالقول: “ليس لدينا تعليق على تفاصيل اتصالاتنا الدبلوماسية الخاصة مع الحكومات الأخرى”، مشددة على أن موقف الولايات المتحدة الأمريكية تجاه ما يجري في السودان يظل واضحاً وثابتاً، مع تجديد التزامها بالعمل على إنهاء الصراع المروع في البلاد.
وقالت الوزارة لـ”أفق جديد”: “بتوجيه من الرئيس ترامب، نعمل مع حلفائنا وآخرين لتسهيل هدنة إنسانية، ووضع حد للدعم المالي والعسكري الخارجي الذي يغذي العنف”. وأضافت: “مع تحقيق السلام والاستقرار، نعتقد أن الشعب السوداني يمكنه العودة إلى حكم مدني في سودان موحد”، مجددة دعوتها إلى إنهاء جميع أشكال الدعم الخارجي للأطراف المتحاربة.
وفي الأثناء، كشفت ثلاثة مصادر تحدثت لـ”أفق جديد” أن مبادرة كرتي ليست الوحيدة التي دفعت بها الحركة الإسلامية إلى المجتمع الدولي. وقال دبلوماسي غربي، فضّل حجب اسمه، إن الإسلاميين ما فتئوا يطرقون أبواب المجتمع الدولي المغلقة في وجوههم، مشيراً إلى أن منظمة “بروميديشن” عملت خلال الفترة الماضية على ترتيب لقاءات واتصالات مع الإسلاميين، بعد أن أجرت معهم حوارات ونظمت لهم ما لا يقل عن أربع أو خمس ورش عمل جمعت أطيافاً مختلفة، كما سهلت لهم لقاءات مع نافذين في دوائر القرار الدولي، غير أن تلك المحاولات كانت تصطدم في كل مرة بحائط من الصد والرفض.
وأضاف المصدر أن بريطانيا بدت الدولة الوحيدة التي أظهرت قدراً من التجاوب مع تحركات الإسلاميين، بحكم العلاقة التاريخية التي تربطها بحركات الإسلام السياسي في العالمين العربي والإسلامي
وفي الاتجاه ذاته، قال مصدر سياسي سوداني إن التحركات التي تقوم بها الحركة الإسلامية ليست سوى “تجريب للمجرّب”، مؤكداً أن الإسلاميين “كالبوربون، لا يتعلمون شيئاً ولا ينسون شيئاً”، مضيفاً أنهم ظلوا، طوال أكثر من ثلاثين عاماً في الحكم، يطرقون أبواب المجتمع الدولي دون أن تُفتح لهم.
أما المصدر الثالث، الذي تحدث لـ”أفق جديد” عن اللقاءات التي جمعت المبعوث البريطاني بقيادات إسلامية في الدوحة وأنقرة والقاهرة، فقال إن الإسلاميين قدموا خلال تلك اللقاءات تنازلات كبيرة مقارنة بمواقفهم المعلنة، مشيراً إلى أن جميع من التقاهم المبعوث أكدوا أنهم لا يمانعون في إيقاف الحرب، محذرين في الوقت نفسه من أن محاولات إقصائهم من المشهد ستجعل البلاد مفتوحة على احتمالات كارثية.
وأضاف المصدر أن القيادات الإسلامية أبلغت المبعوث البريطاني بأنها الجهة الوحيدة القادرة على جمع السلاح من المليشيات المتطرفة التي تقاتل إلى جانب الجيش، مستشهدين بتجربتهم السابقة مع قوات الدفاع الشعبي، التي جرى—بحسب روايتهم—تجريدها من السلاح عقب توقيع اتفاقية السلام مع الحركة الشعبية، دون حدوث أي تفلتات أمنية.
ويصل إلى الخرطوم خلال الأسبوع الأول من شهر يونيو المقبل المبعوث البريطاني الخاص للسودان ريتشارد كراودر، في زيارة تُعد الأولى لمسؤول دولي بهذا المستوى إلى العاصمة التي مزقتها الحرب، في خطوة تعكس تنامي الحراك الدولي المرتبط بملف التسوية السياسية وإيقاف القتال في السودان.
ومن المتوقع أن يضع كراودر أمام القائد العام للجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان نتائج جولته الإقليمية التي أنهاها الأسبوع الماضي، وشملت القاهرة وأنقرة والدوحة، حيث التقى أطيافاً واسعة من القوى السياسية والمجتمعية السودانية، واستمع إلى وجهات نظر متباينة بشأن الأوضاع في البلاد، وكيفية الوصول إلى وقف للحرب، وترتيبات اليوم التالي للصراع.
ولم تستثنِ لقاءات المبعوث البريطاني حتى أكثر التيارات الإسلامية تشدداً، إذ شملت شخصيات بارزة من صقور الإسلاميين، من بينهم الأمين العام للحركة الإسلامية المصنفة من قبل واشنطن تنظيماً إرهابياً علي أحمد كرتي، ومساعد الرئيس المعزول السابق نافع علي نافع، إلى جانب الرئيس الأسبق لحزب المؤتمر الوطني المحلول الدكتور إبراهيم غندور، في مؤشر على أن القوى الدولية باتت تسعى لاستكشاف مواقف جميع الفاعلين المؤثرين في المشهد السوداني، بمن فيهم الإسلاميون الذين ظلوا لسنوات خارج دوائر القبول الدولي.
وفي سياق متصل، كشفت مصادر وثيقة الصلة بحزب المؤتمر الوطني المحلول والحركة الإسلامية، لصحيفة “ديسمبر” الصادرة الخميس الماضي، عن مغادرة علي أحمد كرتي السودان إلى العاصمة القطرية الدوحة، التي يقيم فيها خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، وسط تصاعد الخلافات داخل التيار الإسلامي بشأن مستقبل الحرب، والعلاقة بالمجتمع الدولي، وملف المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية.
وقالت المصادر إن العلاقة بين كرتي والقيادي البارز بالحركة الإسلامية ورئيس حزب المؤتمر الوطني المحلول أحمد هارون شهدت توتراً متصاعداً خلال الأشهر الماضية، على خلفية تباين حاد في المواقف تجاه مقترحات طرحتها جهات مرتبطة بالاستخبارات العسكرية وقيادات داخل الحركة الإسلامية، تتعلق بالموافقة على تسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية، شريطة أن تتم محاكمتهم عبر المركز الإقليمي للمحكمة في العاصمة القطرية الدوحة.
وبحسب ذات المصادر، فإن تصنيف الحركة الإسلامية تنظيماً إرهابياً أدى إلى تفجير خلافات واسعة داخل الحزب المحلول والحركة الإسلامية، بين تيار يدفع نحو تسويات سياسية وقضائية تضمن إعادة إدماج الإسلاميين في المشهد العام، وآخر يرفض أي تنازل أو تعامل مع المحكمة الجنائية الدولية.
ويبرز أحمد هارون، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية، باعتباره أحد أبرز المعارضين لأي اتجاه نحو التعاون مع المحكمة، مستنداً—بحسب المصادر—إلى نفوذه الواسع داخل الكتائب العسكرية والمجموعات المقاتلة المرتبطة بالحركة الإسلامية والمنخرطة في الحرب إلى جانب الجيش.
وقالت المصادر إن هارون يرى أن استمرار الحرب يمثل “المخرج الوحيد” للحركة الإسلامية والحزب المحلول، وإنه يرفض بصورة قاطعة أي تسوية يمكن أن تؤدي إلى تفكيك النفوذ العسكري الذي راكمه الإسلاميون خلال الفترة الماضية.
وأضافت أن علاقة هارون بالكتائب المقاتلة، وتبنيه خطاباً حربياً متشدداً، تسببا في خلق توترات صامتة بينه وبين قيادات داخل المؤسسة العسكرية، على رأسها القائد العام للجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في ظل مخاوف متزايدة من تنامي نفوذ الجماعات العقائدية المسلحة داخل المشهد العسكري.
وأشارت المصادر إلى أن الخلاف بين كرتي وهارون أعاد إلى الأذهان الانقسام القديم بين الرجلين منذ صدور مذكرة التوقيف الدولية بحق هارون في أبريل 2007، حينما كان كرتي من بين الأصوات التي دعمت مقترحات تدعو إلى التحقيق مع هارون وإبعاده من موقعه، قبل أن يتدخل الرئيس المعزول عمر البشير آنذاك لحسم الجدل بتصريحه الشهير: “هارون لن يستقيل أو يُقال أو يُحقق معه”.
وعلى صعيد متصل، كشفت مصادر مطلعة عن تحركات تقودها جهات دولية ودبلوماسية لإقناع الإسلاميين، لا سيما أجنحة الحزب المحلول المنقسمة، بالتخلي عن العمل المسلح والانخراط في العملية السياسية ضمن ترتيبات ما بعد الحرب.
وقالت المصادر إن دبلوماسيين سودانيين سابقين نقلوا إلى قيادات إسلامية، من بينهم أحمد هارون وأميرة الفاضل، رؤية بريطانية أمريكية تقوم على إيقاف الحرب، والعودة إلى النشاط السياسي المدني، والابتعاد عن دعم العمل العسكري أو المليشياوي.
ووفقاً للمصادر نفسها، فإن القيادي بالحركة الإسلامية أسامة عيدروس لعب دوراً في ترتيب لقاء بالدوحة جمع بين علي أحمد كرتي والمبعوث البريطاني ريتشارد كراودر، إلى جانب لقاء آخر جرى ترتيبه في العاصمة التركية أنقرة بين كراودر والقيادي الإسلامي نافع علي نافع، فيما التقى المبعوث البريطاني كذلك بالقاهرة بالقيادي السابق بالحزب المحلول إبراهيم غندور.
وأضافت المصادر أن قيادات بالحزب المحلول أبدت، بصورة عامة، استعدادها لدعم مسار إيقاف الحرب، مقابل السماح لها بالعودة إلى ممارسة العمل السياسي، إلى جانب الحصول على ضمانات تتعلق بعدم الملاحقة أو المحاسبة عن الانتهاكات التي ارتُكبت خلال فترة حكمهم، وهي الطروحات التي لا تزال تواجه رفضاً واسعاً من قوى سياسية ومدنية سودانية ترى أن أي تسوية لا تتضمن العدالة والمحاسبة لن تؤسس لاستقرار حقيقي في البلاد.





