المغتربون السودانيون،، أيادٍ بيضاء تمنح الحياة..

قلم ،،،يوسف الغوث،،
في لحظات إنهيار الدول وتعطل المؤسسات، تبقى الروح الإنسانية والاجتماعية هي الخط الدفاعي الأول و الأخير.،، وفي السودان الذي مزقته الحرب، كانت أيادي المغتربين البيضاء هي الدفة التي أمسكت بخيوط الحياة المتداعية,,فهم الذين حملوا هم الوطن في حقائب سفرهم ثم لم يقطعو حبل الود مع اترابهم،،، تحولوا إلى جيش لا يرتدي الزي العسكري لكنه يحارب بالمال والدعاء والحنين، فقد كتب عليهم إبقاء قلوب السودانيين تخفق رغم كل الحزن والوجع الرصاص.
منذ انفجار الحرب، وجد الملايين أنفسهم أمام حقيقة قاسية تتمثل في انهيار الدولة، و توقف المرتبات، شلل القطاع الصحي، وتشريد العائلات. …وفي هذه الفوضى، تحولت هواتف المغتربين إلى خطوط ساخنة للأمل، وتحولت محافظهم إلى خزائن إغاثة، و صارت قلوبهم المثقلة بالغربة أشبه بأوعية تتسع لكل آلام وأوجاع الوطن.
إن المجتمع السوداني بطبيعته مجتمع تضامني، تمتد فيه أواصر الأسرة لتشمل الأعمام والأخوال والجيران و هذه القيم تجلت بقوة في الحرب، حيث تحولت أسر المغتربين إلى ملاذ لمئات الآلاف من النازحين والأرامل والأيتام، مجسدة أروع صور التكافل. فمع انهيار الدولة، لم يبق أمام السودانيين إلا شبكة الأمان العائلية الممتدة إلى الخارج، فبرز المغتربون كسند حقيقي، لم يكتفوا بإعالة أسرهم المباشرة بل فتحوا قلوبهم ومحافظهم للجميع…
فالعديد من الأسر الميسورة في الخارج تبنت أسراً كاملة فقدت عائلها، فأرسلت مبالغ شهرية ثابتة تؤمن الغذاء والدواء والإيجار….فهؤلاء الأيتام الجدد وجدوا في المغتربين أباً بديلاً ،، كما شمل الدعم بعض الأرامل اللاتي فقدن أزواجهن، فتحول المغتربون إلى عائل لهن، يؤمن المسكن والعلاج ويعين أبناءهن على التعليم.،،ولعل هذه الروح قد تجاوزت حدود الدم لتشمل الجيران والأصدقاء، فكانت حملات التبرعات المنظمة عبر الجاليات درعاً حصيناً للنازحين…
لقد تولى المغتربون دفع إيجارات آلاف الأسر والتي نزحت إلى ولايات آمنة مثل نهر النيل والشمالية ودول الجوار، لينقذوهم من التشرد. بل وقد ساهموا في تمويل العمليات الجراحية والأدوية المنقذة للحياة خاصة مع تدهور القطاع الصحي. كما نظموا أنفسهم في فرق عمل تطوعية لجمع التبرعات، ومن ثم دعموا التكايا (المطابخ الشعبية) والمستشفيات الميدانية وغرف الطوارئ التي قادها شباب متطوعون داخل السودان…
هنا، وبكل فخر وإمتنان، لا بد أن نقف إجلالاً لهؤلاء الأبطال الصامتين،،،وفي هذه الأيام المباركات أقول بكل ود واحترام ( أيها المغترب السوداني، أنت الذي تعيش غربة قاسية، وتكدح ساعات طويلة، ثم تعود لتجد رسالة من أختك النازحة مفادها (لا يوجد طعام) أو من أمك المريضة الدواء غالٍ أو من جارتك الثكلى ،،من يعول أبنائي بعد أن مات زوجي؟ و أنت الذي تنام على جمر الغربة وتستيقظ على نار الهم، تقطع من قوت أبنائك في المهجر لتعطي إخوانك في الداخل، وتؤثر غيرك على نفسك ولو كان بك خصاصة…
أنت الذي تسمع القصف عبر الهاتف وأنت عاجز، تدمع عيناك وأنت تمسح دموع أطفال أختك، ثم ترسل آخر ما تملك متسائلاً ،،ماذا بعد؟ لكنك لا تتردد. كم من عائلة باتت آمنة لأنك سددت إيجارها؟ وكم من مريض تعافى لأنك اشتريت دواءه؟ وكم من يتيم ابتسم لأنك كفلته؟ أنت شريان الحياة لملايين السودانيين، واذا لا سمح الله انقطع نبضك لانهارت أسر بأكملها…..
نعم، أنت ايها المغترب السوداني، تستحق كل الشكر والتقدير. فانت نموذج في التضحية والوفاء. و مهما كتبنا، لن نفي ولو جزءاً بسيطاً من جميلك. فلك منا كل التحايا، ولكل دولار أرسلته وكل دينار بذلته نقف له احتراماً، لأنك أنقذت كرامة ملايين السودانيين…
وررغم هذا العطاء، فإن المغتربين يعيشون ظروفاً صعبة. يعانون الغربة والضغوط النفسية الهائلة بسبب القلق على أسرهم في مناطق النزاع، مما حرمهم النوم الهادئ والاستقرار. فالكثيرون يواجهون تحديات اقتصادية في المهجر كفقدان الوظائف أو تراجع الدخل، فيضطرون لتبني تقشف قاس على أنفسهم وأبنائهم لتوفير الحد الأدنى لإعالة ذويهم. ومع ذلك، ورغم تراجع تحويلاتهم عبر القنوات الرسمية بسبب تعقيدات الحرب، فإن عطاءهم لم يتوقف….
هؤلاء الرجال والنساء الذين حملوا على عاتقهم إعالة أسرهم ومد يد العون لكل محتاج هم عصب التعافي والنهضة بعد الحرب، لأنهم أدركوا أن الأسرة السودانية ليست جدران بيت بل روح تمتد عبر القارات، وأن التكافل الاجتماعي ليس خياراً عاطفياً بل واجب وجودي يميز الإنسان السوداني حيثما حل وارتحل.
كل عام وانتم بخير ،،،والعيد ليس مجرد يوم،،بل هو جرح يفيض حنين وشوق الي السودان واهل السودان،،
أسأل الله ان برد الجميع سالمين غانمين،،





