عام من السراب 

في بلدٍ صار الوصول إلى التيار الكهربائي فيه ضربًا من المستحيل، وأصبح الحصول على المياه أشبه بتحصيل لبن الطير، تتفاقم معاناة السودانيين تحت وطأة حربٍ أحرقت الأخضر واليابس، ودفعت بالبلاد إلى حافة الغليان؛ غليان الطقس وغليان الموت معًا. ومع اقتراب عيد الأضحى، تبدو الأسواق أكثر قسوة من أي وقت مضى، بعدما تجاوز سعر كيلو اللحوم حاجز الـ35 ألف جنيه، هذا إن تمكنت الخراف أصلًا من تجاوز الارتكازات العسكرية والوصول إلى الخرطوم أو مدن الشمال والشرق.

وفي مدينة نيالا، أُغلقت الأسواق والحياة العامة لليوم الثالث على التوالي احتجاجًا على مقتل تاجر بارز من أعيان المدينة، في مشهد يعكس حجم الانهيار الأمني الذي يعيشه السودان. ففي سودان الحرب، صار الأمان حلمًا بعيد المنال، بينما يقف المواطن عاجزًا حتى عن توفير ثمن الأضحية، في بلدٍ تحوّل غالبية شعبه إلى ضحايا، بينما تبدو سلطات الأمر الواقع شرقًا وغربًا وكأنها منشغلة بأحلام السلطة وحدها، حتى وإن كان الطريق إليها مفروشًا بالدماء.

وسط هذا المشهد المثقل بالأوجاع، يبرز سؤال يفرض نفسه بإلحاح: أين “الأمل”؟ والأمل هنا لا يأتي بوصفه معنى مجردًا، بل بوصفه الشعار الذي رافق صعود حكومة كامل إدريس، الذي أكمل الأسبوع الماضي عامًا كاملًا منذ أن أصدر قائد الجيش قرار تعيينه رئيسًا للوزراء في ما وُصف حينها بحكومة السودان المدنية. يومها خرج إدريس في خطابه الأول متحدثًا عن نفسه بوصفه “خادمًا للشعب” في سبيل تحقيق الأمل للسودانيين.

لكن، وبعد عامٍ كامل، يبدو ذلك الأمل غائبًا عن المشهد، أو على الأقل غير مرئي بالعين المجردة بالنسبة لكثير من المواطنين. وفي محاولة للدفاع عن أداء الحكومة، ظهر وزير الإعلام خالد الإعيسر على شاشة قناة الجزيرة متحدثًا عن “إنجازات” الحكومة، ومشيرًا إلى جهات لم يسمّها قال إنها تعمل على إسقاط “حكومة الأمل”، مضيفًا أن أعضاء الحكومة تركوا شركاتهم ووظائفهم في أوروبا من أجل خدمة الشعب السوداني.

غير أن ظهور الإعيسر لم يمر بهدوء، فقد أثارت تصريحاته موجة واسعة من الجدل، لا سيما بعد هجومه على صحفيين ووصفه بعضهم بـ”النائحة المستأجرة”، مع حديثه عن استعداده لاسترداد حقه عقب مغادرة المنصب. كما تحدث وزير الثقافة والإعلام والسياحة في حكومة الأمل عن وجود “أقلام مستأجرة” وحملات إعلامية تُدار مقابل المال للدفاع عن القوات المسلحة، وهي التصريحات التي فجّرت بدورها نقاشًا واسعًا داخل الأوساط السياسية والإعلامية.

وجاء هذا الجدل متزامنًا مع الانتقادات التي طالت زيارة رئيس الوزراء والوفد المرافق له إلى بريطانيا، وهي الزيارة التي اعتبرها منتقدون باهتة سياسيًا، خصوصًا بعد اقتصار أبرز مشاهدها على تناول الغداء تحت قبة البرلمان البريطاني دون عقد لقاءات معلنة مع مسؤولين في الحكومة البريطانية. كما أثار حديث إدريس عن مخاطبة طلاب جامعتي كامبردج وأكسفورد موجة سخرية وانتقادات، إذ رأى كثيرون في تلك المشاهد تعبيرًا عن حالة الانحدار التي وصلت إليها الدولة السودانية، والانفصال الواضح بين معاناة الشعب الذي يقاتل يوميًا لانتزاع حياته من تحت رماد الحرب، وبين انشغالات النخبة السياسية المسيطرة على المشهد.

وفي الشمال السوداني، وتحديدًا بمنطقة عبري، خرج المواطنون في احتجاجات شعبية كثيفة للمطالبة بالخدمات الأساسية، متبنين ذات المسار السلمي الذي عُرفت به احتجاجات ديسمبر. إلا أن هذه التحركات قوبلت بعنف من قبل الشرطة التي استخدمت الغاز المسيل للدموع وطاردت المحتجين داخل الأحياء والمنازل، في مشهد أعاد إلى الأذهان سيناريوهات الخرطوم قبل اندلاع الحرب، وأعاد معه الأسئلة القديمة حول طبيعة دور الشرطة؛ حضورٌ كثيف عند الاحتجاجات، وغيابٌ لافت عندما يتعلق الأمر بحماية الأرواح والممتلكات.

وفي خضم تلك التطورات، يتصاعد السؤال الموجه مباشرة إلى رئيس الوزراء: أين الخدمات التي تعهدت الحكومة بتوفيرها للمواطنين؟ بل كيف يمكن الحديث عن الخدمات أصلًا، في وقت يعجز فيه الناس عن الحصول على مياه الشرب والكهرباء، ويجدون أنفسهم في مواجهة هراوات الشرطة بدلًا من حلولٍ تخفف عنهم أعباء الحياة؟ خصوصًا وأن صعود السلطة الحالية ارتبط، وفقًا لرواية ديسمبر، بانتصار الشعب على أدوات القمع التي كانت تمارسها السلطة السابقة.

وليس بعيدًا عن عبري، يتحول معبر أرقين إلى محطة جديدة لمعاناة السودانيين العائدين إلى بلادهم. آلاف المواطنين يتكدسون في أوضاع إنسانية قاسية وتحت درجات حرارة خانقة، بينما تتكرر حوادث الوفاة وسط اتهامات لسماسرة بصات السفر باستغلال المواطنين وتركهم لمصيرهم. وفي ظل هذا الواقع، تتزايد الانتقادات لغياب دور حكومي حقيقي في حماية العائدين أو حتى تنظيم عمليات العودة بصورة تحفظ كرامتهم، بدلًا من التعامل معها كمواد للاستهلاك السياسي والإعلامي.

عامٌ كامل مرّ على جلوس كامل إدريس على كرسي رئاسة الوزراء، لكنه، وفقًا لمنتقديه، كان عامًا من السراب والأمل الكاذب. حتى أولئك الذين هللوا لصعوده واعتبروه الرجل القادر على إصلاح ما أفسدته الحرب وتجارها، باتوا يرون أنه تحوّل إلى مجرد ترس داخل ماكينة الأزمة، عاجزًا حتى عن تجميل صورة القبح المتفشي، فضلًا عن إحداث اختراق حقيقي في واقع السودانيين.

ويرى كثير من المراقبين أن الاحتجاج على أداء إدريس وحكومته لم يعد يحمل جدوى حقيقية، باعتبار أن الرجل ــ بحسب توصيفهم ــ وصل إلى المنصب أساسًا لتحقيق مجد شخصي يضيف إلى سيرته الذاتية لقب “رئيس وزراء سابق”، وهو ما تحقق بالفعل، لكن دون أن يمتلك أدوات الفعل الحقيقي أو أعباء رجل الدولة، مكتفيًا بسلسلة من التصريحات التي يعتبرها منتقدوه أكثر إساءة إلى قيمة المنصب والبلاد من كونها إضافة لهما.

وبين تصريحات إدريس، وجبايات جبريل، وعنتريات الإعيسر، وغياب الكهرباء، وأنين المواسير الخاوية من المياه، وتصريحات الوزراء المتلاحقة التي يرى المواطنون أن أثرها لا يتجاوز حدود الشاشات، تتشكل صورة عامٍ كامل من الحكم لا يجد السودانيون فيه ما يمكن التمسك به سوى الخيبة.

وفي أم درمان، تختصر سيدة تجلس تحت ظل شجرة أمام منزلها المشهد كله بعبارة بسيطة لكنها شديدة القسوة، حين تصف كامل إدريس بأنه “رجل التصريحات التي لا تغني من جوع ولا عطش”، مضيفة أن وجوده وغيابه سواء؛ “بقاؤه لن يحسه أحد، وإن غادر لن يفتقده زول

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى