ذكرى مأساوية في حرب السودان “المنسية”

بقلم : أريج الحاج
….
مع دخول الأزمة عامها الرابع، وانشغال العالم بصراعات أخرى، يواجه ملف السودان خطر الاختفاء.
….
في غضون أيام، سيدخل السودان عامه الرابع من الحرب، والعالم منشغلٌ مجدداً. فكما استحوذت حرب غزة ذات مرة على اهتمام العالم الدولي بعيداً عن السودان، وحوّلت صراعه إلى أزمة منسية قبل أن تعود للظهور تدريجياً، يتكرر النمط نفسه اليوم. فقد استهلكت الحرب على إيران واشنطن والعواصم الغربية. ومع ذلك، لا يزال هناك من يحاول إبقاء ملف السودان حياً.
في محاولة لإحياء القضية، كشف مسعد بولس، كبير مستشاري الولايات المتحدة للشؤون العربية والأفريقية، عن مناقشات أجراها مع ينس هانفيلد، السفير الألماني لدى الولايات المتحدة، حول ترتيبات المؤتمر الدولي الثالث حول السودان، المقرر عقده في برلين في 15 أبريل، والذي يتزامن مع الذكرى السنوية الثالثة لاندلاع الحرب.
أكد بولس في منشور على الإنترنت أن الاجتماع تناول أدوار الأطراف المشاركة في استضافة المؤتمر وسبل تعزيز التنسيق الدولي لضمان نجاحه. وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة نظراً لتوقيتها، إذ تراجعت قضية السودان في سلم الأولويات الدولية وسط انشغال العالم بالأزمة الإيرانية وتداعياتها الإقليمية الواسعة.
من هذا المنظور، يمكن اعتبار مؤتمر برلين محاولة لإعادة إدراج السودان على الأجندة الدولية بعد أشهر من تراجع الزخم الدبلوماسي. إلا أن هذه الجهود تواجه تحديات داخلية معقدة منذ البداية، مما يعكس عمق الانقسامات في السودان وغياب أي توافق حول مسار تفاوضي محتمل.
أعلنت القوى الموالية للحكومة والجيش مقاطعتها للمؤتمر، مشيرةً إلى ما وصفته بعدم التوازن في قوائم المشاركين لصالح ائتلاف صمود المدني على حساب القوى والشخصيات السياسية الأخرى. في المقابل، رحّبت قوات الدعم السريع وحكومتها المعلنة من جانب واحد بالمبادرة، في خطوة تعكس وعياً سياسياً بأهمية التواجد على المحافل الدولية كجزء من معركة الشرعية.
تكشف هذه المواقف المتباينة مرة أخرى عن مشهد داخلي سوداني معقد للغاية، حيث تتقاطع حسابات القوى السياسية مع مصالح الجهات الفاعلة العسكرية، في حين أن أولوية المواطن العادي، الذي يتحمل التكلفة الأكبر للحرب، غائبة إلى حد كبير.
الأمر الأكثر دلالة هو أن مؤتمراً بهذا المستوى من التنسيق الدولي لا يزال يُقابل داخل السودان بشكوك واسعة النطاق، ويُصوَّر أحياناً على أنه “مؤامرة أجنبية”، بينما هو في جوهره منصة حوار سياسي وإنساني. يكشف هذا عن إحدى أبرز مفارقات المشهد السوداني الراهن: رفض المبادرات الدولية قبل حتى اختبارها. وهكذا، يصبح مؤتمر برلين اختباراً لمدى قدرة القوى السياسية السودانية على التعامل مع هذه المبادرات كفرصة لإنهاء الحرب بدلاً من اعتبارها ساحة أخرى للتنافس السياسي، وفي الوقت نفسه اختباراً لمدى جدية المجتمع الدولي في دفع الملف قدماً.
هنا يواجه القادة السودانيون مسؤولية لا مفر منها. فالحوار ليس خيارًا من بين خيارات عديدة، بل هو السبيل الأول والوحيد نحو السلام الذي ينشده الشعب السوداني. ومهما كانت الخلافات والحسابات المتضاربة، فإن الجلوس إلى طاولة الحوار واغتنام كل فرصة لتقريب وجهات النظر هو الحد الأدنى المطلوب من أي طرف يدّعي العمل لمصلحة البلاد. فبدون حوار، وبدون استعداد حقيقي لتقديم تنازلات، لن يتحقق أي تقدم على أرض الواقع.
لكن الأهم من إنهاء الحرب هو ما سيأتي بعدها. يحتاج السودان إلى أكثر من مجرد وقف لإطلاق النار، بل إلى مصالحة وطنية حقيقية مبنية على إطار شامل ودائم لمستقبل يتسع للجميع، لا يُستثنى منه أحد ولا تُبنى شرعيته على أنقاض الآخرين. وهذا يتطلب رؤية جماعية لمرحلة ما بعد الحرب، لأن انتهاء القتال لن يعني نهاية الأزمة. لقد كانت حرب السودان متجذرة في الإقصاء السياسي، وغياب العدالة الاجتماعية، والتوزيع غير العادل للثروة. وما لم تُعالج هذه الأزمات الكامنة، فإن أي اتفاق سلام يُخاطر بأن يصبح نقطة انطلاق لجولة جديدة من الصراع تحت مسميات مختلفة.
لم تكن المشكلة قط غياب المبادرات أو جهود الوساطة، بل كانت دائماً غياب الرغبة في قبول تسوية. ويتجلى هذا بوضوح في التعنت الراسخ للمؤسسة العسكرية ورفضها لآلية الحوار الرباعي، فضلاً عن مناورات قوات الدعم السريع التي تُعلن تأييدها لوقف إطلاق النار بينما تنتهكه مراراً وتكراراً، وفي غياب أي مؤشر جاد على استعداد الأطراف المتحاربة لتقديم التنازلات اللازمة لحل سياسي شامل. ونتيجة لذلك، تصبح كل مبادرة جديدة مجرد محطة أخرى في طريق طويل من التعطيل، بدلاً من أن تكون فرصة حقيقية لإنهاء الحرب.
مع دخول الأزمة عامها الرابع، وانشغال العالم بنزاعات وأزمات أخرى، يُهدد ملف السودان بالاختفاء مجدداً من قائمة القضايا التي تحظى باهتمام دولي جاد. ويبدو أن هذا الغياب لا يُفضي إلا إلى مزيد من القتل والتهجير ونهب ثروات البلاد على أيدي جهات لا تُبالي بمصير المواطن السوداني.
أريج الحاج صحفي وباحث مقيم في واشنطن.





