حين انتصر الشارع وأخفقت النخبة: قراءة في ما بعد 6 أبريل

محمد عمر شمينا 

السادس من أبريل 2019 لم يكن مجرد تاريخ في سياق الحراك السياسي السوداني، بل كان لحظة مفصلية كسرت توازنات قائمة وفتحت الباب لتحولات عميقة ما زالت آثارها ممتدة حتى اليوم. في ذلك اليوم، لم يسقط نظام عمر البشير بصورة فورية، لكنه فقد الركيزة الأساسية التي كان يستند إليها: القدرة على السيطرة. ومع انتقال مركز الفعل من مؤسسات الدولة إلى الشارع، بدا وكأن البلاد تقف على أعتاب تأسيس جديد، تتراجع فيه البنى القديمة لصالح معادلة أكثر اتصالاً بالإرادة الشعبية.

غير أن هذه اللحظة، على قوتها، لم تُترجم لاحقاً إلى مشروع متكامل يعيد بناء الدولة على أسس مختلفة. فما أعقب السادس من أبريل لم يكن امتداداً طبيعياً لزخمه، بل كشف عن فجوة واضحة بين القدرة على إحداث التغيير والقدرة على إدارته. في قلب هذه الفجوة برز دور النخبة المدنية السياسية، التي وجدت نفسها أمام فرصة تاريخية، لكنها تعاملت معها بذات الأدوات القديمة، وكأن السياق لم يتغير.

وإذا كان من الضروري تفسير جانب من هذا الإخفاق، فلا يمكن تجاهل أن هذه النخبة نفسها لم تُتح لها، عبر عقود حكم عمر البشير، فرصة حقيقية لاكتساب خبرة إدارة الدولة أو التدرّب على أدوات الحكم. فقد عمل النظام السابق، بطبيعته الإقصائية، على تفريغ المجال السياسي من المنافسة المؤسسية الطبيعية، وأضعف تقاليد الإدارة العامة خارج دائرته الضيقة. وبذلك، عندما وجدت هذه النخبة نفسها في موقع المسؤولية، كانت تواجه دولة معقدة دون رصيد كافٍ من الخبرة العملية، وهو ما انعكس على قدرتها في اتخاذ القرار وإدارة التوازنات الدقيقة. هذا العامل لا يعفيها من المسؤولية، لكنه يفسر جانباً مهماً من التعثر الذي أعقب تلك اللحظة.

بدلاً من تحويل الزخم الثوري إلى رؤية استراتيجية واضحة، انخرطت هذه النخبة في صراعات تقليدية حول السلطة، أعادت إنتاج أنماط مألوفة في التجربة السودانية: تحالفات هشة، غياب للتخطيط طويل المدى، وانشغال بتقاسم النفوذ أكثر من الانشغال بتأسيس قواعد حكم مستقرة. بهذا المعنى، لم يكن التعثر الذي أعقب تلك اللحظة مجرد نتيجة لظروف معقدة، بل كان أيضاً انعكاساً لطبيعة الفاعل السياسي ذاته، الذي لم يتمكن من تجاوز إرثه التاريخي.

على المستوى القانوني، أفرز هذا الأداء بنية انتقالية مرتبكة، لم تقم على أساس دستوري راسخ، بل على ترتيبات مؤقتة تحكمها موازين القوى أكثر مما تحكمها قواعد القانون. فبدلاً من تأسيس شرعية جديدة واضحة المعالم، نشأت حالة من الازدواج: نصوص انتقالية تفتقر إلى الحماية السياسية، وتوافقات سياسية لا تستند إلى إطار قانوني مستقر. هذا الوضع جعل المرحلة الانتقالية عرضة للاهتزاز المستمر، وأضعف قدرتها على إنتاج استقرار مؤسسي حقيقي.

وفي خضم ذلك، ظلت العلاقة مع المؤسسة العسكرية أحد أكثر الملفات تعقيداً، حيث لم تُحسم ضمن إطار دستوري واضح، بل تُركت لتُدار بمنطق التوازنات المؤقتة. هذا النهج لم يؤدِ إلى معالجة الإشكال، بل أسهم في ترحيله وتعقيده، وجعل من أي تسوية قائمة وضعاً قابلاً للانهيار عند أول اختبار جدي.

ومع تراكم هذا الضعف البنيوي، وجدت القوى المسلحة غير النظامية، وعلى رأسها قوات الدعم السريع، بيئة مثالية لإعادة تموضعها خارج أي ضبط مؤسسي حقيقي. لم يكن الأمر مجرد تفلت عسكري، بل عملية استغلال ممنهجة لحالة الانقسام داخل القوى المدنية، والتباين بين مكوناتها، وكذلك هشاشة العلاقة بينها وبين المكون العسكري الرسمي.

ففي ظل غياب جبهة مدنية موحدة، وتعدد مراكز القرار داخلها، تمكنت هذه القوى من نسج علاقات متباينة مع أطراف مدنية وإدارات أهلية، مستفيدة من تناقضاتها وصراعاتها. بعض هذه العلاقات كان يقوم على حسابات سياسية قصيرة المدى، وبعضها الآخر على اعتبارات محلية أو اجتماعية، لكنها في مجموعها أضعفت الموقف المدني، وفتحت المجال لتغلغل نفوذ هذه التشكيلات خارج إطار الدولة.

وبمرور الوقت، لم تعد هذه القوى مجرد طرف ضمن معادلة انتقالية، بل تحولت إلى فاعل مستقل يمتلك أدواته الخاصة في فرض الوقائع على الأرض. وعندما وصلت التناقضات إلى ذروتها، انفجرت في أحداث حرب 15 أبريل 2023 في السودان، التي لم تكن انقلاباً تقليدياً بقدر ما كانت نتيجة مباشرة لمسار طويل من التفكك، وسوء إدارة التوازنات، وغياب الرؤية الموحدة.

بهذا المعنى، لم تكن تلك الأحداث معزولة عن سياقها، بل كانت امتداداً منطقياً لما بعد السادس من أبريل. فقد استُغلت حالة الضعف والانقسام داخل القوى المدنية، وكذلك هشاشة البنية القانونية والسياسية، لتُعاد صياغة موازين القوة على نحو أكثر عنفاً ووضوحاً.

في المحصلة، تظل أهمية السادس من أبريل كامنة ليس فقط في كونه لحظة ثورية، بل في كونه نقطة بداية لمسار لم يُحسن الفاعلون إدارته. مسار انتقلت فيه البلاد من فرصة لإعادة التأسيس إلى حالة من الصراع المفتوح، حيث لم يعد السؤال فقط كيف سقط النظام، بل كيف أُهدرت لحظة السقوط، وكيف استُثمرت ثغراتها لإعادة إنتاج أزمة أكثر تعقيداً.؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى