العودة إلى ماذا تحديداً

محمد شورة
في الدول التي تفتقد تعريفها لنفسها – هوية ووظيفة وحدود للسلطة – تُصبح فيها الحروب خاتمة منطقية لمسار طويل من الاختلال البنيوي. ما جرى في 15 أبريل هو تعبير مكثّف عن خلل بنيوي تراكم لعقود دون معالجة، ولا يمكن قراءته خارج هذا السياق. كما لا معنى للحديث عن يوم تالي للحرب ما لم تُعالج الشروط التي جعلتها ممكنة من الأساس.
جوهر هذا الخلل يكمن في تعدد في القوى المسلحة خارج إطار جيش وطني موحد، والإنفلات الأمني الذي أتاح للجريمة المنظمة أن تتحول إلى نمط يومي، والمؤسسات التي تفتقر للمرجعية الدستورية، والقرار العسكري الموزع بين أكثر من مركز داخل البنية الأمنية والعسكرية. في مثل هذا السياق، تجاوزت إحتمالات الصدام كونها فرضية، وأصبحت مسألة توقيت لا أكثر.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: ما الذي تغيّر بعد ذلك؟
عملياً، لم تُمسّ الشروط التي تحكم السيطرة على القوة: لا احتكار فعلي للسلاح بيد الدولة ولا تعريف لها، ولا توحيد لمراكز القرار، ولا رقابة مدنية فاعلة، ولا إطار دستوري ينظم العلاقة بين القوة والسياسة. اذن ما أنتج الأزمة لا يزال قائماً، وبعضه ازداد رسوخاً.
بناء على ذلك، فإن الحديث عن عودة الحياة إلى طبيعتها لا يستند إلى واقع موضوعي، لأن “الطبيعي” في أي دولة هو وضوح من يحتكر القوة ومن يخضع لها، وهو ما لا يزال غائباً. ببساطة، الاستقرار يحدث نتيجة لشروط محددة، وهذه الشروط لم تتحقق بعد.
من هنا، لا تبدو المسألة متعلقة بإعلان نهاية الحرب، وإنما بغياب ما يمنح هذه النهاية معنى. فالحروب لا تنتهي فعلياً إلا بإغلاق الأسباب التي قادت إليها، لا بمجرد تراجع القتال أو انحساره في بعض المناطق.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال لا يمكن تجاوزه: أين هو اليوم التالي؟
اليوم التالي هو ترتيب جديد يعالج أصل الخلل: سلطة واحدة تحتكر السلاح، مؤسسة عسكرية بقرار موحد، رقابة مدنية فعالة، وإطار دستوري يحدد الصلاحيات ويمنع تضاربها. من دون هذا الترتيب، يظل الواقع والمستقبل معلقين بين هدنة قابلة للكسر وخطاب يطلب من الناس التعامل مع الوضع كأنه مستقر “والحياة بتمشي”، بينما شروط عدم الاستقرار ما زالت قائمة.
عند هذه النقطة، تصبح فكرة “العودة” نفسها محل تساؤل: العودة إلى ماذا تحديداً؟
إن كانت العودة إلى نفس البيئة التي سبقت الانفجار، دون إصلاح حقيقي في بنية القوة أو في طبيعة الحكم، فإن ذلك لا يعني تقدماً بقدر ما هو إعادة إنتاج للأزمة بشروط أكثر كلفة.
فاليوم التالي للحرب لا يُعلن، ولا يُفترض، ولا يُسوَّق له، وإنما يُبنى على تغيير الشروط التي جعلت الحرب ممكنة من الأساس. وما لم يحدث هذا التغيير، فإن الحديث عن “نهاية” يظل مجرد توصيف زمني، والتعويل على استقرار في ظل نفس المعطيات يظل تجاهلاً واستهتار لحقائق قائمة.
يبقى السؤال قائماً، بلا إجابة مقنعة حتى الآن: كيف يمكن الحديث عن يوم تالي للحرب، بينما اليوم الذي سبقها لم ينته بعد؟
رئيس حزب الأمة القومي الخرطوم شرق





