بورتسودان.. سقط السقف و بقي الصوت”

جالا زهاء 

قبل أربعة أيام، لم يكن الصباح في بورتسودان يشبه أي صباحٍ مضى. كان ثقيلاً، كأن الهواء نفسه يعرف أن شيئاً ما على وشك الانكسار. في مدرسة الرباط—التي لم تعد مدرسة، بل صارت ملاذاً—استيقظ الفنانون على وقع طرقاتٍ خشنة على الأبواب، طرقاتٍ لا تحمل خبراً جيداً.

وقف إبراهيم كومك عند مدخل أحد الفصول، ينظر إلى الجدران التي أعادوا إليها الحياة قبل ثلاث سنوات. تذكر أول يوم دخلوا فيه المكان: كانت المدرسة مهجورة، تغطيها طبقات من الغبار، تتناثر فيها الكراتين الفارغة وبقايا السوق القريب. يومها، لم يكن المكان سوى هيكلٍ منسي، كأنه خرج من ذاكرة المدينة.

قال يومها لقرني وهو يبتسم رغم التعب:

“نحن ما جينا نلقى مكان… نحن جينا نصنعه.”

ضحكت تهاني الباشا وهي تمسك مكنسة أكبر منها:

“وننضفه كمان.”

كانوا قلة في البداية. كومك، قرني، تهاني، ربيع يوسف الحسن، ووفاء معلى. ثم، شيئاً فشيئاً، جاء الآخرون. موسيقيون من التوجيه المعنوي، أعضاء فرقة أهالينا، أصواتٌ تبحث عن مأوى، وأرواحٌ ترفض أن تموت.

قطعوا الأشجار اليابسة بأيديهم. أخرجوا التراب من الفصول، حفنةً بعد حفنة. جلبوا موتور ماء بصعوبة، مدوا أسلاك الكهرباء، وركبوا مراوح كانت تدور ببطء، لكنها كانت كافية لتقول: “نحن هنا… ونعيش.”

الحمامات التي كان الناس يتجنبون حتى الاقتراب منها، صارت نظيفة. الفصول التي كانت مظلمة، صارت مسارح صغيرة. والساحة التي كانت مهجورة، صارت قلباً نابضاً بالفن.

الآن، بعد ثلاث سنوات، كانت نفس الساحة صامتة.

وقف كومك ينظر إلى وجوه رفاقه. لم يكونوا يبكون. كان الحزن أكبر من الدموع. كان ثقيلاً، صامتاً، يشبه الغبار الذي عاد ليستقر فوق الأشياء.

قال أحد الرجال بلهجة رسمية:

“لازم تخلوا المكان.”

سأل ربيع بصوتٍ مكسور:

“إلى أين؟”

لم يأتِ جواب.

في زاوية من الفناء، جلست وفاء معلى، تمسك بدفتر قديم. كان يحتوي على نصوص المسرحيات التي كتبوها هنا. فتحت صفحة، ومرّت أصابعها على الكلمات:

“هسمني”… كلمة بجاوية تعني التعايش السلمي.

تذكرت العرض الأول. كيف وقف الأطفال يرددون الجملة بصوتٍ واحد، وكيف بكى أحد الحضور دون أن يخجل. في تلك اللحظة، شعروا أنهم يفعلون شيئاً أكبر من مجرد تمثيل. كانوا يعيدون ترميم شيء مكسور في الداخل.

اقترب عبد السلام جلود من كومك، وهو يحاول أن يخفف الجو:

“حتى الضحك… طردوه معانا.”

ابتسم كومك ابتسامة باهتة:

“الضحك ما عنده مكان… بس عنده ناس.”

لم يكن ما صنعوه قليلاً. من هذا المكان، خرجت عشرات العروض. مسرحيات عن التعايش، عن الجرب حين انتشر في مراكز الإيواء، عن الأطفال الذين اضطروا للعمل في السوق، يدفعون درداقات، أو يبيعون السجائر فوق طبليات خشبية.

كانوا يحكون الألم، لكن بطريقة تجعل الناس تواجهه، لا تهرب منه.

أطلقوا مجلة “الأسرة السعيدة”، تحدثوا فيها عن التربية، عن الأمل وسط الفوضى. دربوا فرقة “فال”، حتى صارت تقدم عروضها في مراكز أخرى، كأن الفن ينتقل مثل شعلة، من يد إلى أخرى.

كان هناك أيضاً “سينما الخميس”. شاشة بسيطة، وجمهور يجلس على كراسٍ غير متشابهة، لكن القلوب كانت متشابهة. شاهدوا أفلاماً مثل “ستموت في العشرين” و”حكومة في مزاد”، ثم يناقشونها بحرارة، كأنهم يناقشون حياتهم.

حتى الأطفال… لم يتركوهم. علموهم الرسم، التمثيل، الرقص الشعبي، وحتى الراب. كانوا يشجعونهم أن يقفوا على المسرح، أن يقولوا شيئاً، أي شيء… فقط لا يصمتوا.

“يمكن الحكومة خايفة من المسؤولية…” قال كومك وهو ينظر إلى السقف.

تذكر يوم انهار سقف مركز إيواء قريب. صوت الانهيار كان مرعباً، كأنه تحذير. ربما كان هذا أحد الأسباب. وربما لم يكن.

لكن ما كان واضحاً، هو أن أهالي المنطقة لم يعودوا يريدونهم.

“عايزين نطلع…” قال أحد الجيران قبل أيام، دون أن ينظر في عيونهم.

“ارجعوا الخرطوم.”

كانت هذه الجملة تتكرر كثيراً.

لكن كومك كان يرد دائماً:

“نرجع على شنو؟”

الخرطوم لم تعد كما كانت. لا عمل، لا أمان، ولا حتى ذاكرة مستقرة.

“ما من حق زول يقرر لزول تاني كيف يعيش.” قالها مرة بصوتٍ عالٍ، كأنه يخاطب العالم كله.

عاد إلى الفصل الذي كان يستخدمه كبروفة. لمس الجدار، كأنه يودعه.

هنا، وقف ممثل شاب لأول مرة، وكان صوته يرتجف. هنا، ضحكوا حتى البكاء. هنا، اختلفوا، تصالحوا، وكتبوا نصوصاً لم تكن لتولد في أي مكان آخر.

فتح الباب ببطء، ونظر إلى الداخل.

كان فارغاً.

في الخارج، بدأ الناس يجمعون أغراضهم. بعضهم يحمل آلات موسيقية، بعضهم يحمل ملابس مسرح، وبعضهم لا يحمل شيئاً سوى ذكرياته.

طفل صغير اقترب من وفاء وسألها:

“حنرجع نلعب هنا تاني؟”

لم تستطع الإجابة.

وقف كومك عند البوابة، ونظر إلى اللافتة القديمة التي لم تعد تحمل اسماً واضحاً.

“نحن ما كنا دايرين كتير…” قال بصوتٍ منخفض.

اقترب منه قرني:

“كنا دايرين سقف… بس.”

“وسلام.” أضافت تهاني.

“واحترام.” قال ربيع.

“ووطن.” همست وفاء.

خرجوا من المكان كما دخلوا إليه أول مرة: متعبين، لكن هذه المرة دون ذلك الحماس الأول. كان هناك شيء انكسر، ليس في الجدران، بل في الداخل.

ومع ذلك، لم يكن كل شيء قد انتهى.

لأن الفن الذي صنعوه هناك، لم يكن مربوطاً بالمكان. كان مربوطاً بهم.

لكن الحقيقة المؤلمة كانت واضحة:

حتى الفن… يحتاج إلى سقف.

وسقفهم… سقط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى