السودان.. صيف ساخن وأزمة كهرباء بلا حلول

أفق جديد

في بلدٍ أنهكته الحرب وأثقلت كاهله الأزمات الاقتصادية والإنسانية، تحولت الكهرباء في السودان من خدمة أساسية إلى معركة يومية يخوضها الملايين من المواطنين، وسط انهيار واسع للبنية التحتية وتراجع حاد في قدرات التوليد والإمداد.

ومع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية، تتفاقم تداعيات الانقطاع الطويل للتيار الكهربائي على الحياة المعيشية والاقتصاد والخدمات الصحية والمائية، بينما تبدو السلطات عاجزة عن احتواء الأزمة المتصاعدة.

ومنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، تعرض قطاع الكهرباء لضربات قاسية شملت محطات التوليد وخطوط النقل والمحولات، ما أدى إلى خروج أجزاء واسعة من الشبكة القومية عن الخدمة، في وقت فقدت فيه الدولة القدرة على تنفيذ أعمال الصيانة الدورية أو توفير قطع الغيار والوقود اللازم لمحطات التوليد الحراري.

وباتت العاصمة الخرطوم، التي كانت تمثل مركز الاستهلاك الأكبر للطاقة في البلاد، تعيش على وقع انقطاعات تمتد لأكثر من 12 ساعة يوميًا، فيما تواجه بعض المناطق انقطاعًا كاملاً لأيام متتالية، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على إمدادات المياه والخدمات الصحية وحركة الأسواق والأنشطة الاقتصادية.

حالة إنهاك يومي

ويقول المواطن عيسى الطيب، من حي الثورة بمدينة أم درمان، إن الأسر أصبحت تعيش “حالة إنهاك يومي” بسبب انقطاع الكهرباء، مضيفًا لـ “أفق جديد”: “المشكلة لم تعد مجرد انقطاع تيار كهربائي، بل انهيار كامل للحياة. المياه تنقطع، الطعام يفسد، والأطفال وكبار السن يعانون من الحر الشديد، بينما ترتفع تكلفة المعيشة بصورة غير مسبوقة”.

من جهته يقول عبد الله الأمين، وهو موظف يسكن منطقة أم بدة: “نعيش ساعات طويلة بلا كهرباء، وأحيانًا يستمر الانقطاع يومًا كاملًا. أكثر ما يؤلمنا هو أزمة المياه، لأن الطلمبات تتوقف مباشرة مع انقطاع التيار، فنضطر لشراء المياه بأسعار مرتفعة رغم الظروف المعيشية الصعبة”.

بينما تقول آمنة مصطفى، وهي أم لخمسة أطفال من حلة كوكو شرقي الخرطوم: “الأطفال لا يستطيعون النوم من شدة الحرارة، خاصة في الليل مع انقطاع المراوح. نحاول تبريد المنزل بطرق بدائية لكن الوضع أصبح مرهقًا جدًا، خصوصًا مع ارتفاع أسعار الثلج والوقود”.

انقطاعات متكررة

أما التاجر مصعب يوسف، من سوق مدينة بحري، فيؤكد أن الانقطاعات المتكررة أثرت على النشاط التجاري بشكل مباشر، موضحًا لـ “أفق جديد”: “الكهرباء أصبحت غير مستقرة تمامًا، وهذا تسبب في تلف بعض المواد الغذائية والمشروبات. كثير من المحال تضطر لإغلاق أبوابها مبكرًا بسبب انعدام الكهرباء وارتفاع تكلفة تشغيل المولدات”.

وتقول الطالبة الجامعية سارة مرتضى من مدينة بحري” “أصبح من الصعب المذاكرة أو استخدام الإنترنت بصورة منتظمة، خصوصًا للطلاب الذين يعتمدون على الهواتف والأجهزة الإلكترونية في الدراسة. الانقطاع الطويل للكهرباء أثر حتى على الدراسة والامتحانات”.

وفي ولاية الجزرة، يقول المواطن أحمد حسن من مدينة المناقل: “نعيش في درجات حرارة قاسية، والكهرباء تنقطع لساعات طويلة جدًا، وأحيانًا لأيام. كبار السن والمرضى هم الأكثر تضررًا، وبعض الأسر أصبحت تنام خارج المنازل بسبب شدة الحر”.

وتشير إفادات مواطنين إلى أن العديد من الأحياء باتت تعتمد على شراء المياه من عربات الكارو أو الصهاريج التجارية بأسعار مرتفعة، بعد توقف محطات الضخ المرتبطة بالكهرباء، وهو ما يضاعف الأعباء على الأسر التي تواجه أصلًا ظروفًا اقتصادية بالغة القسوة.

عبء التوصيلات العشوائية

وفي محاولة لتفسير الأزمة، أرجع وزير الطاقة والنفط السوداني، المعتصم إبراهيم، جزءًا من المشكلة إلى التوصيلات العشوائية والاستخدام غير المرشد للكهرباء، إلى جانب الأضرار الكبيرة التي تعرض لها القطاع خلال الحرب.

وأكد الوزير في تصريحات إعلامية، أن السودان يعتمد حاليًا بصورة أكبر على التوليد المائي بعد خروج معظم محطات التوليد الحراري عن الخدمة نتيجة “التدمير الممنهج”، مشيرًا إلى أن المحطات الحرارية كانت تمثل ما بين 60 و70 في المائة من إجمالي الإنتاج الكهربائي قبل الحرب.

غير أن مراقبين يرون أن الأزمة تتجاوز مسألة الاستهلاك العشوائي، وترتبط بصورة أساسية بانهيار البنية التحتية وغياب الاستثمارات والصيانة، فضلًا عن اتساع رقعة الحرب التي عطلت الإمداد بالوقود وقطعت خطوط النقل بين مناطق الإنتاج ومراكز الاستهلاك.

كما تعاني الشبكة القومية من فاقد كهربائي مرتفع نتيجة تهالك الخطوط والمحولات، بينما أدى النزوح الجماعي إلى ضغط إضافي على المناطق الآمنة نسبيًا والخاضعة لسيطرة الجيش، خاصة في ولايات الشمالية ونهر النيل والبحر الأحمر.

عجز ألف ميغاواط

ويرى خبراء في قطاع الطاقة أن السودان يواجه اليوم واحدة من أعقد أزمات الكهرباء في تاريخه الحديث، في ظل تراجع الإنتاج وارتفاع الفاقد وتدمير أجزاء واسعة من البنية التحتية، إلى جانب غياب التمويل اللازم لإعادة التأهيل.

وقبل الحرب، كان السودان يعاني أصلًا من فجوة في التوليد تُقدّر بنحو ألف ميغاواط، بينما لم تكن خدمات الكهرباء تصل سوى إلى 39 في المائة من السكان، وفق تقديرات سابقة. لكن الحرب ضاعفت العجز إلى نحو 3 آلاف ميغاواط، وسط انهيار اقتصادي حاد وتراجع قيمة العملة المحلية وارتفاع تكاليف التشغيل والاستيراد.

ويحذر مختصون من أن استمرار الأزمة قد يقود إلى تداعيات أوسع على قطاعات الصحة والصناعة والخدمات، خاصة مع اعتماد المستشفيات ومحطات المياه والمخابز على التيار الكهربائي أو الوقود البديل مرتفع التكلفة.

كما أن تدهور قطاع الكهرباء يهدد بتقويض أي فرص للتعافي الاقتصادي في مرحلة ما بعد الحرب، باعتبار الطاقة أحد أهم أعمدة إعادة الإعمار وتحريك النشاط الإنتاجي والاستثماري.

وفي ظل غياب حلول عاجلة، يبدو أن ملايين السودانيين سيواصلون مواجهة صيف قاسٍ تحت وطأة العتمة، بينما تتحول الكهرباء تدريجيًا إلى واحدة من أكثر أزمات الحرب تأثيرًا على تفاصيل الحياة اليومية في البلاد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى