“الافريقية مُعاد تعريفها” .. خلاصات رحلة بروفيسور المزروعي فى ادغال اُمنا السمراء 

علاء الدين بشير 

شاركني الأخ والصديق ، منتصر أحمد النور ، عرضاً مختصراً لنسخة مترجمة قيد الصدور من كتاب بعنوان “الافريقية معاد تعريفها” للمفكر والأكاديمي الافريقي البارز ، البروفيسور علي مزروعي ، رحمه الله ، وهو عبارة عن مقالات مختارة ومنتقاة بإتقان من إرث الاكاديمي الراحل غزير الانتاج من محاور مختلفة تصب فى خدمة مضمون عنوان الكتاب . العرض والموضوعات التي تضمنها شيق جدا حيث يتنقل بك في رشاقة وعمق ما بين علوم السياسة والاقتصاد والبيئة والتاريخ والحضارة والجغرافيا الطبيعية والسياسية والانثربولجيا والآثار الفولكلور والفلسفة وأبحاث الهوية ودراسات ما بعد الإستعمار . قام بتحرير الكتاب فى اصله الانجليزي أربعة من تلاميذ المزروعي من جنسيات مختلفة . وقام بنقله إلى العربية ،المترجم السوداني ، آدم مريود ، وسيصدر عن دار الموسوعة الصغيرة ، وهى دار نشر ناشئة مقرها في مدينة جوبا بجنوب السودان .

 راهب المحراب الافريقي 

الكتاب اتسم بالشمول وهو عمل مهم لمفكر كبير ظل راهباً متبتلاً وفياً في محراب افريقيا دون انغلاق شوفيني أو عصبية تعمي عن إبصار الحقائق العالمية الاخرى ، وهو جدير بالإقتناء لأنه ومن خلال الموضوعات المعروضة يمثل إستخلاصاً لتأملات المزروعي خلال رحلته الافريقية . اتذكر أن الدكتور عبد الله علي إبراهيم كأستاذ للتاريخ الافريقي والفلكلور، تحدث عن الرجل في اكثر من محاضرة وذكره في عدة مقالات بقدر كبير من التبجيل والتوقير كأحد شيوخه المعرفيين في العلم بأفريقيا داخل الاكاديميا الغربية عموما والامريكية على وجه الخصوص . كما جرى ذكره أيضاً مصحوباً بقدر من الاحترام على لسان اخونا الامريكي الجنسية السوداني الهوى والهُويّة ،البروفيسور ستيف هوارد في احدى جلسات الانس معه ، إذ يعتبره أحد الاساتذة المرموقين في المعرفة  بإفريقيا ورمزاً في الأكاديمية الأمريكية . 

وانا شخصياً ارى وجهاً من التشابه بين بروف مزروعي واخونا البروف ستيف ، فكما اقتحم مزروعي مركزية الحضارة الغربية بمعرفته وإرثه الثقافي وهويته الافريقية غير هيّاب ولا وجل ، فعل ستيف الشئ نفسه حينما حمل عصاه على عاتقه وانطلق فى شعاب إفريقيا باحثاً عن الحقيقة التي تطفئ رمقه الروحي ، حتى ألقت به عصا تسياره فى السودان ومن ثم إلتقى بالاستاذ محمود محمد طه . قال لى في حواري الشهير معه ب”الصحافة” فى العام 2003 : إنه كشخص غربي يؤمن بالديمقراطية وحقوق الانسان وحقوق المرأة وغيرها من القيم المركزية التي تشكل عماد الحضارة الغربية ، لم يكن له أن يقبل أبدا بأي فهم جديد للاسلام لا يتضمن هذه القيم أو يقلّ عنها ، مضيفاً أنه وجد عند الأستاذ محمود فهما راقياً ومتقدماً لهذه القيم عن ما هو موجود في الحضارة الغربية . 

 جينات عربية وإهاب إفريقي 

◼️ في تقديري أن سر إنفتاحية بروف المزروعي رغم صمامته الافريقية ، تعود إلى الهويات المتعددة التى تلتقي في تكوينه الذاتي ، فهو إفريقي المولد والسحنة حيث ولد في تنزانيا واظن في زنزبار أو جزيرة القرنفل وهو الجزء الذي انضم إلى جمهورية تنجانيقا بعد الاستقلال في تعاقد كونفيدرالي ليشكل تنزانيا الحالية. وهو أيضاً عربي الاصل تعود جذوره إلى قبيلة المَزَارْعَة التي تتمدد في طول الجزيرة العربية وعرضها ،حيث تجدها في اليمن وسلطنة عمان والسعودية والإمارات والكويت “وزير النفط الاماراتي الحالي ينتمي اليها” . لكن أصول بروفيسور مزروعي تعود للفرع العٌماني من القبيلة والذى تداخل مع إفريقيا بفعل حركة التجارة والغزو العربي والإسلامي لساحل إفريقيا الشرقي قبل قرون وحكم اجزاء في ذلك الجزء من القارة لفترة طويلة حيث ترك ذلك التلاقح بصمته على تلك المناطق وكانت أسرة بروف مزروعي أثراً من تلك الحقبة. 

وهو  ايضا مسلم ، كما أنه هاجر فى وقت مبكر إلى الولايات المتحدة وصار جزءا من نسيج الحضارة الغربية فاعلاً ومتفاعلاً في قمة مراكز وعيها وتفكيرها لا من موقع هامشي فيها ، ولا ادري على وجه الدقة هل ارتبط معها بالمصاهرة ام لا ، حيث اكتب هذه المداخلة وغير متاح لي وصول إلى شبكة الإنترنت للتأكد من هذه المعلومة . 

◼️ومع أن هذا “الإلتقاء الهوياتي” اكسبه ثراءا معرفيا وسِعة فى الروح ولم يمثل عنده عقدة نفسية او يشكل له تنازعا داخليا كما جرى مع بعض المثقفين الافارقة والعرب والمسلمين ، إلا انه ظل أيضاً شاغلاً شخصياً .. حيث يبين إنتاجه الكثيف عن افريقيا والاسلام أن اعماله تنطلق دائما من جدل الذات مع الواقع ، وهذا الكتاب الذي بين ايدينا يمثل نموذجاً ساطعاً على ذلك الجدل الذي جعله يلقي بالاحجار الثقيلة لتحريك بركة التفكير الافريقية الراكدة من لدن دعوته المثيرة للجدل حتى اليوم عن “الاستعمار الحميد” وهو أن تستعمر دول القارة الاكثر تطوراً جاراتها من الدول في القارة السمراء ، إلى اطروحته عن (افرابيا Afrabia) للتقارب الاستراتيجي بين افريقيا والعالم العربي والتي ضُمِنت في هذا الكتاب .

“قرأت قبل سنوات مقالاً يؤكد من وجهة نظر علم الوراثة أن الاشخاص الذين يأتون من خلفيات عرقية وثقافية متنوعة ومتعددة يكونون أكثر إنسانية من غيرهم ، وأن مثل هؤلاء ومع انتشار الوسائط التي ساعدت على تبادل الآراء والأفكار ، ربما شكلوا مستقبلا النواة لمجتمع إنساني حقيقي متجاوزا للعصبيات القومية والحدود السياسية”.

 موطن الانسان الاول! 

◼️تكشف رؤيته الجريئة في هذا الكتاب عن الامتداد الجغرافي الطبيعي بين افريقيا وشبه الجزيرة العربية عن انه كمنتمي للقارة الأفريقية لا يجد هذا الفصل التعسفي بين المكانين العربي والافريقي في ذاته أولاً قبل أن يفنده بالحجج والاسانيد العلمية على مستوى الفكرة ومن ثم يتخذ ذلك ضمن العناصر التي يعيد بها تعريف ماهى افريقيا وما الانتماء إلى الهوية الأفريقية . فهل كان بروفيسور مزروعي بحكم خلفيته كمسلم ينحدر أجداده من جزيرة العرب حينما حاجج بذلك يضع في اعتباره إختيار النبي عليه الصلاة والسلام الحبشة كوجهة لهجرة اصحابه الأولى لمجرد أن بها ملك عادل أم أن هناك إعتبارات عرفانية أخرى ؟! .. هل تدعم اطروحات البروفيسور عبد الله الطيب عن أن السودان هو أرض الهجرتين وأن العرب كانوا موجودين في أرض السودان قبل البعثة النبوية بمئات السنين ، إلى جانب اطروحة البروفيسور جعفر ميرغني عن بلقيس كانت ملكة نوبية وأن عرشها كان على النيل ، اطروحة البروفيسور علي مزروعي هذه عن الامتداد الافريقي في شبه الجزيرة العربية؟! .. عند الاستاذ محمود إفريقيا هى موطن الانسان الأول . وقد اثبتت الدراسات الانثروبولجية ذلك . قال لى الاخ د. القراي: إن الاستاذ محمود قال لهم ذات مرة في سياق محدد : “انا إفريقي أحب الحر والليل والبخور” . لطالما كان سؤال الانتماء لافريقيا وموائمته مع اصالة الانتساب للبيت النبوي الشريف موضع حوار داخلي مستمر عندي ولم يهدأ حتى الآن !!.. بل أني سمعت بين الاخوان من يردد أن صاحب الوقت الأخير أو المسيح المحمدي من العجم رغم النص الصريح في أدبيات الجمهوريين أنه سليل البيت النبوي الشريف ومن ولد بنت النبي عليه الصلاة والسلام ،فاطمة الزهراء .. كيف يستقيم ذلك؟!! مع علمي أن مفهوم الشرف عند الاستاذ محمود لا يتحدد بالانتماء العرقي .

◼️إضافة لكل ما احتواه هذا السفر الحاشد ،فأنه  ايضاً يمثل مرافعة قوية من بروفيسور مزروعي في وجه مقولات منتجي المعرفة الاستعمارية عن عدم وجود تاريخ مكتوب لافريقيا قبل الاستعمار الاوربي وأن الموجود والمتداول لا يعدو المرويات الشفاهية المتنقلة عبر الأجيال . وهى جبهة كانت اليونسكو قد تصدت لها خلال النصف الأول من ستينيات القرن الماضي حشدت لها نحو 230 عالماً من افريقيا وحددت لهم اطار البحث وهو كتابة تاريخ لافريقيا منذ ظهور الجنس البشري وإلى حقبة ما بعد الاستعمار . وبعد عمل دؤوب اصدرت اليونسكو تاريخ أفريقيا في ثمانية مجلدات أصبحت مرجعاً للدارسين والمهتمين . ثم توجت الاعلامية السودانية البريطانية البارزة فى BBC، زينب البدوى تلك الجهود بكتابها المرجعي الهام الذي اصدرته قبل عامين باللغة الإنجليزية تحت عنوان بعنوان ( An African History of Africa from Dawn of Humanity to Independence – تاريخ إفريقي لافريقيا من فجر الانسانية إلى الإستقلال) والذى قالت عنه المؤلفة انه حصيلة جولة حملتها إلى 30 دولة في افريقيا خلال 7 اعوام .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى