“الافريقية مُعاد تعريفها” .. خلاصات رحلة بروفيسور المزروعي فى ادغال اُمنا السمراء 

 

◼️زار المزروعي الخرطوم عام 2006 وتحدث عن الإسلام وأعمدة الحكمة السبعة

◼️جيناته العربية الافريقية وهجرته المبكرة إلى أمريكا جعلت هذا المزيج منطلقاً لأفكاره

◼️اطروحة (افرابيا) عند المزروعى هل تلتقى مع عبد الله الطيب وجعفر ميرغنى عن عراقة العروبة فى السودان؟

◼️من أكبر المآخذ على المزروعى اعتبار السودان هامشياً فى افريقيا والعالمين العربي والاسلامي

◼️هل كان تجاهله للاستاذ محمود محمد طه بأثر من انتماء لتيارات الاسلام السياسي ام لخلفيته الخليجية السلفية؟

 

علاء الدين بشير

شاركني الأخ والصديق ، منتصر أحمد النور ، عرضاً مختصراً لنسخة مترجمة قيد الصدور من كتاب بعنوان “الافريقية معاد تعريفها” للمفكر والأكاديمي الافريقي البارز ، البروفيسور علي مزروعي ، رحمه الله ، وهو عبارة عن مقالات مختارة ومنتقاة بإتقان من إرث الاكاديمي الراحل غزير الانتاج من محاور مختلفة تصب فى خدمة مضمون عنوان الكتاب . العرض والموضوعات التي تضمنها شيق جدا حيث يتنقل بك في رشاقة وعمق ما بين علوم السياسة والاقتصاد والبيئة والتاريخ والحضارة والجغرافيا الطبيعية والسياسية والانثربولجيا والآثار الفولكلور والفلسفة وأبحاث الهوية ودراسات ما بعد الإستعمار . قام بتحرير الكتاب فى اصله الانجليزي أربعة من تلاميذ المزروعي من جنسيات مختلفة . وقام بنقله إلى العربية ،المترجم السوداني ، آدم مريود ، وسيصدر عن دار الموسوعة الصغيرة ، وهى دار نشر ناشئة مقرها في مدينة جوبا بجنوب السودان .

*راهب المحراب الافريقي*

الكتاب اتسم بالشمول وهو عمل مهم لمفكر كبير ظل راهباً متبتلاً وفياً في محراب افريقيا دون انغلاق شوفيني أو عصبية تعمي عن إبصار الحقائق العالمية الاخرى ، وهو جدير بالإقتناء لأنه ومن خلال الموضوعات المعروضة يمثل إستخلاصاً لتأملات المزروعي خلال رحلته الافريقية . اتذكر أن الدكتور عبد الله علي إبراهيم كأستاذ للتاريخ الافريقي والفلكلور، تحدث عن الرجل في اكثر من محاضرة وذكره في عدة مقالات بقدر كبير من التبجيل والتوقير كأحد شيوخه المعرفيين في العلم بأفريقيا داخل الاكاديميا الغربية عموما والامريكية على وجه الخصوص . كما جرى ذكره أيضاً مصحوباً بقدر من الاحترام على لسان اخونا الامريكي الجنسية السوداني الهوى والهُويّة ،البروفيسور ستيف هوارد في احدى جلسات الانس معه ، إذ يعتبره أحد الاساتذة المرموقين في المعرفة بإفريقيا ورمزاً في الأكاديمية الأمريكية .
وانا شخصياً ارى وجهاً من التشابه بين بروف مزروعي واخونا البروف ستيف ، فكما اقتحم مزروعي مركزية الحضارة الغربية بمعرفته وإرثه الثقافي وهويته الافريقية غير هيّاب ولا وجل ، فعل ستيف الشئ نفسه حينما حمل عصاه على عاتقه وانطلق فى شعاب إفريقيا باحثاً عن الحقيقة التي تطفئ رمقه الروحي ، حتى ألقت به عصا تسياره فى السودان ومن ثم إلتقى بالاستاذ محمود محمد طه . قال لى في حواري الشهير معه ب”الصحافة” فى العام 2003 : إنه كشخص غربي يؤمن بالديمقراطية وحقوق الانسان وحقوق المرأة وغيرها من القيم المركزية التي تشكل عماد الحضارة الغربية ، لم يكن له أن يقبل أبدا بأي فهم جديد للاسلام لا يتضمن هذه القيم أو يقلّ عنها ، مضيفاً أنه وجد عند الأستاذ محمود فهما راقياً ومتقدماً لهذه القيم عن ما هو موجود في الحضارة الغربية .

*جينات عربية وإهاب إفريقي*

◼️ في تقديري أن سر إنفتاحية بروف المزروعي رغم صمامته الافريقية ، تعود إلى الهويات المتعددة التى تلتقي في تكوينه الذاتي ، فهو إفريقي المولد والسحنة حيث ولد في تنزانيا واظن في زنزبار أو جزيرة القرنفل وهو الجزء الذي انضم إلى جمهورية تنجانيقا بعد الاستقلال في تعاقد كونفيدرالي ليشكل تنزانيا الحالية. وهو أيضاً عربي الاصل تعود جذوره إلى قبيلة المَزَارْعَة التي تتمدد في طول الجزيرة العربية وعرضها ،حيث تجدها في اليمن وسلطنة عمان والسعودية والإمارات والكويت “وزير النفط الاماراتي الحالي ينتمي اليها” . لكن أصول بروفيسور مزروعي تعود للفرع العٌماني من القبيلة والذى تداخل مع إفريقيا بفعل حركة التجارة والغزو العربي والإسلامي لساحل إفريقيا الشرقي قبل قرون وحكم اجزاء في ذلك الجزء من القارة لفترة طويلة حيث ترك ذلك التلاقح بصمته على تلك المناطق وكانت أسرة بروف مزروعي أثراً من تلك الحقبة.
وهو ايضا مسلم ، كما أنه هاجر فى وقت مبكر إلى الولايات المتحدة وصار جزءا من نسيج الحضارة الغربية فاعلاً ومتفاعلاً في قمة مراكز وعيها وتفكيرها لا من موقع هامشي فيها ، ولا ادري على وجه الدقة هل ارتبط معها بالمصاهرة ام لا ، حيث اكتب هذه المداخلة وغير متاح لي وصول إلى شبكة الإنترنت للتأكد من هذه المعلومة .

◼️ومع أن هذا “الإلتقاء الهوياتي” اكسبه ثراءا معرفيا وسِعة فى الروح ولم يمثل عنده عقدة نفسية او يشكل له تنازعا داخليا كما جرى مع بعض المثقفين الافارقة والعرب والمسلمين ، إلا انه ظل أيضاً شاغلاً شخصياً .. حيث يبين إنتاجه الكثيف عن افريقيا والاسلام أن اعماله تنطلق دائما من جدل الذات مع الواقع ، وهذا الكتاب الذي بين ايدينا يمثل نموذجاً ساطعاً على ذلك الجدل الذي جعله يلقي بالاحجار الثقيلة لتحريك بركة التفكير الافريقية الراكدة من لدن دعوته المثيرة للجدل حتى اليوم عن “الاستعمار الحميد” وهو أن تستعمر دول القارة الاكثر تطوراً جاراتها من الدول في القارة السمراء ، إلى اطروحته عن (افرابيا Afrabia) للتقارب الاستراتيجي بين افريقيا والعالم العربي والتي ضُمِنت في هذا الكتاب .
“قرأت قبل سنوات مقالاً يؤكد من وجهة نظر علم الوراثة أن الاشخاص الذين يأتون من خلفيات عرقية وثقافية متنوعة ومتعددة يكونون أكثر إنسانية من غيرهم ، وأن مثل هؤلاء ومع انتشار الوسائط التي ساعدت على تبادل الآراء والأفكار ، ربما شكلوا مستقبلا النواة لمجتمع إنساني حقيقي متجاوزا للعصبيات القومية والحدود السياسية”.

*موطن الانسان الاول!*

◼️تكشف رؤيته الجريئة في هذا الكتاب عن الامتداد الجغرافي الطبيعي بين افريقيا وشبه الجزيرة العربية عن انه كمنتمي للقارة الأفريقية لا يجد هذا الفصل التعسفي بين المكانين العربي والافريقي في ذاته أولاً قبل أن يفنده بالحجج والاسانيد العلمية على مستوى الفكرة ومن ثم يتخذ ذلك ضمن العناصر التي يعيد بها تعريف ماهى افريقيا وما الانتماء إلى الهوية الأفريقية . فهل كان بروفيسور مزروعي بحكم خلفيته كمسلم ينحدر أجداده من جزيرة العرب حينما حاجج بذلك يضع في اعتباره إختيار النبي عليه الصلاة والسلام الحبشة كوجهة لهجرة اصحابه الأولى لمجرد أن بها ملك عادل أم أن هناك إعتبارات عرفانية أخرى ؟! .. هل تدعم اطروحات البروفيسور عبد الله الطيب عن أن السودان هو أرض الهجرتين وأن العرب كانوا موجودين في أرض السودان قبل البعثة النبوية بمئات السنين ، إلى جانب اطروحة البروفيسور جعفر ميرغني عن بلقيس كانت ملكة نوبية وأن عرشها كان على النيل ، اطروحة البروفيسور علي مزروعي هذه عن الامتداد الافريقي في شبه الجزيرة العربية؟! .. عند الاستاذ محمود إفريقيا هى موطن الانسان الأول . وقد اثبتت الدراسات الانثروبولجية ذلك . قال لى الاخ د. القراي: إن الاستاذ محمود قال لهم ذات مرة في سياق محدد : “انا إفريقي أحب الحر والليل والبخور” . لطالما كان سؤال الانتماء لافريقيا وموائمته مع اصالة الانتساب للبيت النبوي الشريف موضع حوار داخلي مستمر عندي ولم يهدأ حتى الآن !!.. بل أني سمعت بين الاخوان من يردد أن صاحب الوقت الأخير أو المسيح المحمدي من العجم رغم النص الصريح في أدبيات الجمهوريين أنه سليل البيت النبوي الشريف ومن ولد بنت النبي عليه الصلاة والسلام ،فاطمة الزهراء .. كيف يستقيم ذلك؟!! مع علمي أن مفهوم الشرف عند الاستاذ محمود لا يتحدد بالانتماء العرقي .

◼️إضافة لكل ما احتواه هذا السفر الحاشد ،فأنه ايضاً يمثل مرافعة قوية من بروفيسور مزروعي في وجه مقولات منتجي المعرفة الاستعمارية عن عدم وجود تاريخ مكتوب لافريقيا قبل الاستعمار الاوربي وأن الموجود والمتداول لا يعدو المرويات الشفاهية المتنقلة عبر الأجيال . وهى جبهة كانت اليونسكو قد تصدت لها خلال النصف الأول من ستينيات القرن الماضي حشدت لها نحو 230 عالماً من افريقيا وحددت لهم اطار البحث وهو كتابة تاريخ لافريقيا منذ ظهور الجنس البشري وإلى حقبة ما بعد الاستعمار . وبعد عمل دؤوب اصدرت اليونسكو تاريخ أفريقيا في ثمانية مجلدات أصبحت مرجعاً للدارسين والمهتمين . ثم توجت الاعلامية السودانية البريطانية البارزة فى BBC، زينب البدوى تلك الجهود بكتابها المرجعي الهام الذي اصدرته قبل عامين باللغة الإنجليزية تحت عنوان بعنوان ( An African History of Africa from Dawn of Humanity to Independence – تاريخ إفريقي لافريقيا من فجر الانسانية إلى الإستقلال) والذى قالت عنه المؤلفة انه حصيلة جولة حملتها إلى 30 دولة في افريقيا خلال 7 اعوام .

 

*موعد فى الخرطوم*

◼️لا زلت اتذكر زيارة بروفيسور علي مزروعي إلى السودان في يناير 2006 ضمن فعاليات قمة الاتحاد الإفريقي التي انعقدت في الخرطوم . واذكر محاضرته الشهيرة التي نظمتها له (مؤسسة إتجاهات المستقبل) التي اسسها الدكتور غازي صلاح الدين بعد إقالته من منصب مستشار السلام وإبعاده عن ملف التفاوض في نيفاشا . كانت المحاضرة في قاعة الشارقة الكبرى بجامعة الخرطوم وحملت عنوان : (الاسلام واعمدة الحكمة السبعة) . وقد جاء في بالي وقتها أن غازي الغاضب من ما اسماها المجموعة الأمنية داخل النظام ، والتي قال في حديث خاص لنا انها تحكمت في مفاصل الدولة وسيطرت على ملف التفاوض وكانت وراء إقالته . ربما أراد هو ومشايعوه من مثقفي الحركة الإسلامية داخل وخارج السودان ، ومن خلال المؤسسة البحثية التي أسسها ثم المحاضرة التي قدموا من خلالها بروفيسور مزروعي ، منازلة تلك المجموعة المتنفذة داخل النظام بأدوات القوة الناعمة .
أدار المحاضرة ، مدير المؤسسة د. محمد محجوب هارون . وقد حشد وروّج لها من خلال صحيفة الصحافة بحكم موقعه في مجلس إدارتها في ذلك الوقت . كنت قد اتفقت معه قبل يوم من المحاضرة على منح فرصة للدكتور عمر القراي القادم لتوّه من مهجره في امريكا ضمن المتداخلين وجزمت له بأني متأكد أن مداخلته ستجيئ متميزة جداً دوناً عن كل المُداخلات بحكم نشاط القراي الطويل كداعية إسلامي وفقاً للفهم الجديد الذي دعا له الاستاذ محمود ، ولمعرفته بالحضارة الغربية التي درس في مؤسساتها الاكاديمية وعاش في مجتمعها لسنوات وتفاعل معه ولاهتمامه الخاص بمسالة الحوار بين الاديان والثقافات ..
وافقني د. محمد محجوب وبدا متحمسا لتلك المشاركة ، طلب مني تذكيره بمداخلة القراي في اليوم التالي اثناء الندوة إذا ما شعرت انه نسى ذلك . اخبرت د. القراي وابدى موافقة فورية ورأى أن الدقائق الخمس كافية جداً لتوضيح وجهة نظره حول الموضوع .
فى يوم المحاضرة والتي كانت التاسعة صباحاً ،لم استطع الوصول قبل بدايتها بسبب المواصلات الصعبة فى الفترة الصباحية من ود البخيت شمال ام درمان حيث اسكن وحتى جامعة الخرطوم . وصلت بعد بدايتها بنحو خمس دقائق .. كانت القاعة مكتظة عن بكرة أبيها ويقف بعض الحضور في الممرات .. كنت احمل كاميرا وجهاز تسجيل للتغطية ويسّر لى ذلك العبور من امام المنصة الرئيسية حتى يراني د. محمد محجوب . وصعدت عبر الممر لأتاكد من وجود د. القراي ووجدته يجلس فى موقع ممتاز وفي معيته زوجته الراحلة اختنا الاستاذة عواطف عبد القادر وبعض الاخوان والاخوات من الجمهوريين . كان د. مزروعي يتحدث عن اعمدة الحكمة السبعة والتي يرى أنها قيم إنسانية وبحكم التطور الانساني وتطور الحياة ينبغي على المسلمين اعتبارها جزءا من منظومتهم القيمية وهم أولى الناس بها ، وقد عرفها بأنها الديمقراطية ، حقوق الانسان ، العدالة الاجتماعية ، العولمة ، التنوع الديني والثقافي ، حكم القانون والفصل بين السلطات ، الشفافية ومكافحة الفساد . وارجو أن أكون تذكرتها جيدا .
المهم انهى المحاضر محاضرته فىغ نحو أربعين دقيقة وفتحت الفرص للمداخلات . وبدت الفرص وكأنها معدة مسبقاً لبعض الحضور من كبار المسؤولين وبينهم غازي صلاح الدين نفسه ومستشار مصطفى عثمان اسماعيل ، ووزير الخارجية ،لام اكول ،ثم كبار اساتذة جامعة الخرطوم .. وحينما رأيت ان الزمن قد ينتهي . ذهبت الى المنصة وسلمت د. محمد ورقة تذكره ان د. القراي داخل القاعة وينتظر فرصته . ولكن بدا واضحا لي انه كان مقيدا بقائمة من المتداخلين معدة سلفا، والوقت الذي يتآكل سريعاً
مع المحاضرة الشيقة ومقدمها العالم الجهبذ ،لا يمنحان سعة فى الخيارات . بعد ذلك اجرى معه رئيس تحرير “الصحافة” عادل الباز حوارا مطولا تناول شؤون وشجون افريقيا والسودان الذى كان يخطو أولى خطواته بعد اتفاقية السلام التىق انهت أطول نزاع فى القارة الافريقية فى ذلك الوقت .

 

*مآخذ على المزروعي*

◼️رحل بروفيسور علي مزروعي بعد تلك الزيارة بنحو ثمانية سنوات فى العام 2014 بعد عمر مديد قارب التسعين عاما ،رحمه الله واحسن اليه ، فقد كان عالماً مخلصاً لعلمه ولقارته ولمجتمعه الانساني كله . وإن كان هناك مآخذ فكرية على الرجل وخاصة عندنا فى السودان ، هو أنه كان يرانا بلداً هامشياً في كل شئ ، في عروبتنا وإسلامنا وإفريقيتنا وفي موقعنا من الحضارة الانسانية لدرجة أنه وضمن اطروحته المثيرة للجدل عن الاستعمار الحميد رأى أن نوضع تحت الوصاية الاستعمارية الاقليمية لاثيوبيا ضمن عدد من دول شرق أفريقيا التى يراها ضعيفة وغير قادرة على النهوض بمفردها، الأمر الذي أغضب كثيرون ظناً منهم أنه لم يُعِر العمق الحضاري العريق الضارب الجذور للسودانيين ومساهمتهم الكبيرة في الحضارة الانسانية أى قدر من الاهتمام .

أيضاً من المآخذ عليه وهو تجاهله لمساهمات الاستاذ محمود محمد طه ومواقفه حد الاستشهاد من أجل الاستنارة الدينية ،وعدم تناوله في أياً من مباحثه بأعتباره مفكراً ومصلحاً ووطنياً افريقياً مسلماً سعى بجد وإخلاص لإنارة ظلام افريقيا والعالم الإسلامي وإلحاقه بالأزمنة الحديثة لتتمكن افريقيا والعالم الإسلامي من التفاعل الايجابي مع المنجز الحضاري الانساني الايجابي ، إلى جانب رؤاه النقدية العميقة للاستعمار والجانب المظلم من الحضارة الغربية . هذا التجاهل من المزروعى غير مبرر فى تقديرى لشخص مشتغل في مجال الاكاديميه والأفكار ودراسات الاسلام وافريقيا ويسعى للانتصاف للقارة السمراء ،وقد يقلل كثيراً من قيمته كمفكر واكاديمي حر ، حيث لم يكن منتظرا منه هو تحديداً أن يقبع خلف الجدار العازل السميك الذي شيده خصوم الاستاذ محمود في كل مكان مدعوماً بسردية تكفيرية نشرت على نطاق واسع . وبينما يرجع البعض تجاهل المزروعي هذا إلى أنه ربما كان بأثر من وشائج سابقة له مع تيارات الاسلام السياسي أو لجذوره الخليجية ذات المفاهيم الدينية السلفية ما حجبه عن استيعاب وهضم الفهم الجديد الذي يدعو له الاستاذ محمود ، إلاّ أننى أرى أن هذه الخلفية يفترض أن تكون هى نفسها الباب الذي كان يمكن له أن ينفذ إلى أفكار الاستاذ محمود خاصة بعد موجة الاسلاموفوبيا التي اجتاحت العالم الغربي منذ التسعينيات واستعر اوارها بعد هجمات الحادى عشر من سبتمبر 2001 على نيويورك وواشنطن والتي دفعت الاكاديميه الامريكية والغربية للانشغال بدراسات الاسلام بمختلف مدارسه ومذاهبه ، وحملت مفكراً واكاديميا في قامة البروفيسور كورنيل ويست ان يأتي من مكان قصي كأمريكي مسيحي وعالم مرموق لينتبه للاستاذ محمود وفكره حيث وصفه في احد مؤلفاته بأنه “ثر وثورى” وصاحب مساهمة جذرية غير مسبوقة في ديمقراطية الاسلام من الداخل .

*وريث اللواء الافريقي*

◼️إنب أرى أن من برز وحمل لواء المنافحة عن إفريقيا بهمة والمعية في عرصات الأكاديمية ومراكز الفكر الغربية بعد رحيل المزروعي هو البروفيسور ،محمود مامداني ،الهندي الاصل اليوغندي والامريكي الجنسية والمسلم ايضا ، ومعلوم انه والد عمدة نيويورك الحالي الشاب الذي ملأ دنيا السياسة الامريكية وشغلها ، زهران مامداني . ظل والده العالم المرموق البروفيسور محمود مامداني لعقود يزود ويصحح المفاهيم عن افريقيا وصراعاتها في الاكاديميا الغربية عموماً والأمريكية على وجه الخصوص المستمدة من رؤى المركزية الأوربية ، حيث كان يشغل منصب مدير معهد الدراسات الافريقية في جامعة كولومبيا المرموقة بنيويورك واظنه لا يزال يعمل بها كبروفيسور ممتاز مدى الحياة. ومن اشهر مؤلفاته التى ذاعت بين الامم لصلتها بالنزاع في إقليم دارفور في أوج صيته في العالم خلال الحرب الأولى الموسوم: (دارفور .. منقذون وضحايا) . وكنت حضرت مناظرة حول الصراع في دارفور ، انعقدت بين البروف مامداني وجون برندر غاست ، المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي الامريكي خلال إدارة الرئيس الأسبق ،بيل كلينتون، ومؤسس منظمة كفاية، خلال الاسبوع الأول لوصولى أمريكا في مايو 2009 نظمتها جامعة كولومبيا ، اصطحبني اليها في أحد نهارات المدينة الصاخبة الاخ والصديق الدكتور أسامة عثمان ،الاستاذ الجامعي السابق والموظف بالامم المتحدة الذي قضيت معه ايامي الأولى ببلاد العم سام . وأذكر أن القاعة الواسعة في الجامعة اكتظت بالمهتمين والطلاب ووسائل الاعلام الامر الذي عزز عندي وقتها أن الصراع في دارفور صار شأنا عالميا ،وقد عرض كِلا المتناظرين ،مامداني وغاست مؤلفيهما عن دارفور خلال تلك المناظرة للبيع ، واتخذا من المناظرة فرصة للترويج لافكارهما الواردة في الكتابين .

◼️لكن وفي تقديري وعلى ذيوع صيت البروفيسور محمود مامداني كعالم بارز في مجال دراسات الاسلام وإفريقيا ،لكنه لم يبلغ الشأن الذي ارتقاه بروفيسور مزروعي في هذا المجال ولربما السبب وراء ذلك ان المزروعي كان صاحب “وجعة” اكبر بحكم الجينات الافريقية والعربية التى تجري في دمائه والبصمة السوداء على سحنته ، كما أنه عاصر جيل الآباء المؤسسين للقومية الافريقية من زعماء القارة الذين قادوا حركة التحرر من الاستعمار وتأثر بهم شيئا ما ، كما انه وحينما هاجر إلى امريكا ادرك طرفا ما من حركة الحقوق المدنية للسود فتاثر وتفاعل معها ايضا . كل ذلك جعل قضية أمنا السمراء افريقيا شاغلاً ذاتياً للبروفيسور مزروعي قبل أن تكون شغفاً أكاديمياً ومهنة لأكل العيش ..

علاء الدين بشير – الشارقة

10 مايو 2026

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى