البرهان.. ماذا يريد الجنرال؟ 

إبراهيم هباني 

ظهر الفريق أول عبد الفتاح البرهان في الأسابيع الأخيرة في مشاهد بدت للوهلة الأولى عفوية وبسيطة. احتسى العرديب في أحد الأسواق الشعبية، أقلّ طلابا في صندوق سيارة “دبل كابين”، استقبل النور قبة بعد انشقاقه عن قوات الدعم السريع، ثم برزت وجوه من خارج المجال العسكري، بينها الفنانة شهد أزهري، في مشهد التعبئة المساندة للجيش. وبالتوازي مع ذلك، واصل الرجل زياراته غير المعلنة ولقاءاته البعيدة عن الأضواء، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على تحركات سياسية لإعادة ترتيب المشهد السوداني.

هذه الصور لا يمكن قراءتها باعتبارها تفاصيل متفرقة أو مصادفات بروتوكولية. إنها تكشف عن جهد واضح لإعادة تسويق البرهان، ليس بوصفه قائداً عسكرياً فحسب، بل باعتباره الرجل الذي يريد أن يبدو في هيئة القائد الشعبي، والسياسي البراغماتي، وصاحب القدرة على جمع المنشقين والحلفاء تحت مظلة واحدة.

في 25 أكتوبر 2021، أطاح البرهان بالحكومة الانتقالية التي كان يرأسها عبد الله حمدوك، منهياً الشراكة الهشة بين المدنيين والعسكريين، وقاطعاً الطريق أمام عملية انتقال سياسي كانت، رغم عثراتها، تمثل الأمل الأخير في إخراج السودان من إرث الانقلابات والحروب.

ومنذ ذلك اليوم، لم ينتقل السودان من أزمة إلى استقرار، بل من أزمة إلى أزمة أكبر. تفككت مؤسسات الدولة، وتعمقت العزلة الدولية، ثم انفجرت الحرب بين شريكي الانقلاب، البرهان ومحمد حمدان دقلو، فتحول الصراع على السلطة إلى كارثة وطنية دفعت ثمنها ملايين الأسر السودانية.

عندما اندلعت الحرب، قدم البرهان نفسه قائداً لمعركة قال إنها تهدف إلى استعادة الدولة وإنهاء ظاهرة الميليشيات. وبعد أكثر من ثلاثة أعوام على انقلابه، وأكثر من ثلاثة أعوام من إدارة البلاد بمنطق القوة، يبدو المشهد مختلفاً تماماً. فبدلاً من جيش موحد يحتكر السلاح، تتكاثر حوله التشكيلات المسلحة، ويزداد عدد القادة الذين ينضمون إليه بشروطهم الخاصة، بينما تتوسع شبكة الولاءات المؤقتة التي يصعب تصور بقائها تحت قيادة مركزية واحدة.

استقبال النور قبة قدم للرأي العام باعتباره نصراً سياسياً وعسكرياً. لكن ما رشح لاحقاً أظهر أن الرجل لم يصل منفرداً، بل ومعه قوة أكبر من المتوقع، وأنه تمسك بوضع مستقل لقواته ورفض دمجها الفوري في الجيش. وبعده ظهر علي رزق الله “السافنا”، في حلقة أخرى من مسلسل الانشقاقات التي تبدو في ظاهرها مكاسب للبرهان، لكنها في جوهرها تضيف مراكز قوة جديدة إلى معسكر مزدحم أصلا بالتوازنات الحساسة والحسابات المتعارضة.

في السياق، يصبح من الصعب تجاهل المفارقة الأساسية في خطاب البرهان. الرجل الذي أعلن الحرب بإسم استعادة الدولة، يجد نفسه مضطراً إلى توسيع دائرة القوى المسلحة المحيطة به. وكلما أعلن عن انشقاق جديد، بدا وكأنه يحقق مكسباً تكتيكياً، لكنه في الوقت نفسه يؤجل الأسئلة الأصعب المتعلقة بكيفية بناء مؤسسة عسكرية موحدة في المستقبل.

أما مشاهد العرديب والقهوة والتنقل وسط الأسواق، فهي ليست بلا دلالة. البرهان يدرك أن الحرب استنزفت الجميع، وأن صور الجنرال في الميدان لم تعد تكفي وحدها لإقناع السودانيين أو طمأنة الخارج. ولذلك يسعى إلى بناء صورة جديدة: قائد بسيط قريب من الناس، قادر على كسب الحلفاء، ومستعد للانتقال من لغة الحرب إلى لغة التسويات إذا اقتضت الضرورة.

غير أن الصورة، مهما كانت متقنة، لا تستطيع إخفاء التناقضات. فالقائد الذي أطاح بالانتقال المدني باسم “تصحيح المسار” يقود اليوم بلداً أكثر انقساماً وفقراً ودمارا. والرجل الذي أعلن الحرب لإنهاء الميليشيات يضيف إلى معسكره في كل مرة قوة جديدة لها حساباتها وشروطها الخاصة. والسياسي الذي يظهر بثقة أمام الكاميرات يتحرك في الوقت ذاته في مسار يدرك فيه أن الحرب لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية.

ماذا يريد البرهان إذن؟ يريد، على الأرجح، أن يضمن بقاءه في قلب المعادلة السودانية. يريد أن يدخل أي تسوية مقبلة وهو ممسك بأكبر عدد من الأوراق. ويريد أن يقنع الجميع بأنه، رغم كل ما جرى، لا يزال الرجل الذي لا يمكن تجاوزه.

هذا هدف مفهوم في عالم السياسة، لكنه لا يكفي لإنقاذ بلد أنهكته الحرب. فالسودان لا يحتاج إلى مزيد من الصور المحكمة الإخراج، ولا إلى حفلات استقبال للمنشقين، ولا إلى استعراضات شعبية محسوبة بعناية. ما يحتاجه هو مشروع واضح يضع نهاية للحرب، ويعيد بناء الدولة، ويعيد للسودانيين حقهم في وطن لا تحكمه البنادق ولا تحدده الصور.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى