تدويل الأزمة السودانية: قراءة في الحقائق وتفنيد اتهامات الارتهان للخارج

كتب أحمد عثمان محمد المبارك 

منذ بزوغ فجر ثورة ديسمبر، واجهت القوى المدنية (قوى الحرية والتغيير وصولاً إلى تقدم ثم صمود) حملة شعواء تتهمها بالخيانة والارتهان للأجندة الأجنبية. لكن القراءة المتأنية لمسار الأحداث تكشف مفارقة صارخة، فبينما كانت القوى المدنية تسعى لتوطين الحل بين بين السودانيين، كان الطرف العسكري (الجيش وقوات الدعم السريع) ومن خلفهم قوى النظام البائد يدفعون البلاد دفعاً نحو التدويل عبر الانقلابات واشعال الحرب.

أولاً: قوى الثورة والبحث عن الحل السوداني الخالص

عقب سقوط النظام في 2019، قادت قوى الحرية والتغيير مفاوضات سودانية سودانية مباشرة مع المجلس العسكري، ولم يطلب المدنيون وقتها أي وساطة دولية في البداية، بل اعتصموا في الميادين وبحثوا عن صياغة وطنية للحكم. اذن من الذي قطع الطريق على الحوار السوداني؟

لم يكن فض اعتصام القيادة العامة في 3 يونيو مجرد جريمة إنسانية، بل كان طعنة في خاصرة السودنة. لقد خلق هذا العنف المفرط فراغ سياسي استدعى تدخل رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد والاتحاد الأفريقي حينذاك، لإنقاذ البلاد من الانهيار الشامل. إذن، العسكرة هي التي استجلبت الوساطة، الاجنبية ولم تكن رغبة قوى الحرية والتغيير.

ثانياً: انقلاب أكتوبر.. تدمير السيادة من أجل السلطة

استمرت الحكومة الانتقالية في محاولة إصلاح ما دمره النظام السابق، ولكن وضع العسكريون العراقيل تلو الأخرى، الى ان نفذوا انقلاب 25 أكتوبر 2021 ليعصف بكل ما تبقى من حلول وطنية. وزج بكل القيادات المدنية في السجون، فأغلق العسكريون بذلك نافذة الحوار السوداني الداخلي تماماً. كما ان هذا الانقلاب هو الذي جعل السودان تحت مجهر العقوبات الدولية، وجلب الآلية الثلاثية والرباعية كضرورة دولية لملء الفراغ السياسي الذي أحدثه الانقلابيون. فالخارج لا يتدخل إلا عندما يفشل الداخل في إدارة شؤونه بسلام.

ثالثاً: الاتفاق الإطاري وهروب العسكر إلى الحرب

عندما طرحت قوى الحرية والتغيير الاتفاق الإطاري كمخرج وطني أخير لاستعادة المسار الديمقراطي، كان اتفاقاً نابع من مشاورات سودانية سودانية واسعة. الا ان القوى العسكرية بإيعاز من فلول النظام السابق الذين يخشون المحاسبة وفقدان الامتيازات، اختاروا خيار هدم المعبد على الجميع. لذلك فإن اندلاع حرب 15 أبريل لم يكن صدفة، بل كان الوسيلة الأخيرة لإجهاض الحل المدني. وباندلاع الحرب، تحول السودان من أزمة سياسية إلى كارثة إنسانية عالمية، مما فتح الباب على مصراعيه لمنبر جدة، وإيغاد، والتدخلات الإقليمية الكثيفة.

تفنيد تهمة العمالة

إذا كان تعريف الخيانة هو الإضرار بالمصلحة الوطنية العليا، فمن هو الخائن؟ هل هي القوى المدنية لتي ترفع شعارات لا للحرب وتسعى لاستعادة الدولة من براثن التفكك، وتتحرك في الخارج لإيصال صوت الضحايا وتوفير الإغاثة؟ ام هي القوى العسكرية والجيش المختطف الذي عجز عن حماية المواطنين، ودمر البنية التحتية، وجلب الميليشيات (التي صنعها بنفسه)، وفتح حدود البلاد للتدخلات العسكرية والاستخباراتية هرباً من استحقاقات التحول الديمقراطي؟

اذن من هو الخائن الحقيقي للوطن؟

إن تدويل الأزمة هو النتيجة المباشرة لفشل العسكريين في الالتزام بالعهود الوطنية، والقوى المدنية هي الضحية التي تُتهم بجريمة لم ترتكبها. فالمدنيون لا يملكون طائرات تقصف ولا جيوشاً تفتح الحدود، بل يملكون رؤية لدولة المؤسسات.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه على ضمير كل سوداني، أيهما يمثل الخيانة الوطنية الحقة قوى مدنية تسعى لوقف نزيف الدم عبر الحلول السياسية، أم مؤسسة عسكرية تم اختطاف قرارها من قبل تنظيمات أيديولوجية، فضّلت تحويل البلاد إلى ركام وساحة للصراعات الدولية فقط لكي لا تسلم السلطة للشعب؟

وأخيراً، فإن الوطنية ليست في التغني بالسيادة فوق الأنقاض، بل في حماية أرواح المواطنين وصون مستقبلهم من التدويل الذي تسببت فيه طموحات العسكر ومغامراتهم.

والله غالب يا وطن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى