دقلو في كمبالا: جدل قميص حمدان أم قميص السودان

بقلم : الزين عثمان
في مشهدٍ سياسي تتقاطع فيه الرمزية مع الوقائع الميدانية، برز قائد قوات الدعم السريع ورئيس المجلس الرئاسي لحكومة «تأسيس»، محمد حمدان دقلو، الشهير بـ«حميدتي»، في العاصمة الأوغندية كمبالا، ساخرًا من رواياتٍ راجت سابقًا بشأن وفاته، والتي تداولتها مجموعات مناوئة له على نطاق واسع، مستندة إلى تقارير غير مؤكدة زعمت أن ما يُعرض له في وسائل الإعلام ليس سوى نتاج تقنيات الذكاء الاصطناعي.
الرجل الذي يقود أحد أطراف الحرب المستعرة في السودان منذ ثلاثة أعوام، اختار أن يصنع الحدث من خارج الحدود، متوجهًا إلى كمبالا، حيث التقى بالرئيس الأوغندي يوري موسيفيني. في مشهدٍ تجاوز دلالات القميص الأفريقي المزركش الذي ظهر به، ليعكس لوحة أكثر قتامة عن واقع السودان الغارق في أتون الصراع، والمتجه – وفق مراقبين – نحو منعطف انقسامي جديد. وبينما يعيد البعض طرح الأسئلة بصيغ مختلفة، يتردد في الأوساط السياسية سؤالٌ مثقل بالرمزية: هل عاد “البعاتي” إلى المشهد، ملوّحًا بأداة جديدة في معركة تمزق ما تبقى من البلاد؟
إن وجود حميدتي وقيادات حكومة «تأسيس» في كمبالا، واللقاء الذي جمعه بموسيفيني – رغم أن الأخير أوضح في تغريدة أنه استقبله بصفته قائدًا لقوات الدعم السريع لا رئيسًا لحكومة موازية يشير إلى تدشين مرحلة جديدة في مسار الصراع السوداني. وسرعان ما تسربت أنباء عن موافقة أوغندا على فتح مكتب تمثيل لحكومة «تأسيس» في كمبالا، وهي خطوة، إن تأكدت، قد تجد صدىً لدى دول أفريقية أخرى مثل كينيا وتشاد وإثيوبيا. الأمر الذي يشي بأن الإطلالة بـ«القميص» الأفريقي قد تحمل إشارات سياسية تتجاوز المظهر، وربما تعيد رسم مشهدٍ شبيه بتجربة “جوبا” ولكن هذه المرة في نيالا، في توقيتٍ قادم.
في المقابل، جاء الرد الرسمي من الخرطوم سريعًا. فقد اعتبرت وزارة الخارجية السودانية، في بيان صادر يوم الأحد، أن “الاحتفاء الذي استُقبل به حميدتي من قبل الحكومة الأوغندية يستهزئ بالضحايا”، مؤكدة أن “استقباله في أوغندا يسيء للإنسانية وللشعب السوداني”، ومبدية استنكارها للقاء الذي جمعه بالرئيس الأوغندي، ومعربة عن أملها في “عدم السماح له باستغلال أراضي أوغندا من أجل استمرار انتهاكاته”.
وبذلك، حددت حكومة الأمر الواقع في بورتسودان موقفها من الخطوة الأوغندية، ومن تعامل كمبالا مع قائد الدعم السريع الذي تصفه بالمتمرد، وترى أنه يسعى إلى إعادة ترسيم الخارطة السياسية في سياق يتعارض بحسب رؤيتها مع مبادئ الاتحاد الأفريقي التي تجعل سيادة الدولة على أراضيها خطًا أحمر لا يجوز تجاوزه.
هذا هو الإطار الرسمي لموقف الخرطوم من استقبال كمبالا لحميدتي، وتوفير منصة له لمخاطبة السودانيين من أراضيها. غير أن مسألة افتتاح مكتب تمثيل لحكومة «تأسيس» لا تزال، حتى الآن، في دائرة التسريبات غير المؤكدة، ولم ترتقِ بعد إلى مستوى الإعلان الرسمي.
غير أن الجدل حول زيارة دقلو إلى أوغندا لم يتوقف عند حدود المنصة أو احتمالات الاعتراف السياسي. فقد أثار تصريحٌ له موجة جديدة من النقاش، حين أقرّ بالاستعانة بمرتزقة أجانب من كولومبيا، قائلاً أمام حشدٍ من أنصاره: “أنا استعنت بعشرة من الكولومبيين لتشغيل المسيّرات”، في وقتٍ واصل فيه توجيه الاتهامات للطرف الآخر باللجوء إلى مرتزقة في خوض ما وصفها بحرب العبث.
وفي هذا السياق، انتقد حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، التصريحات الأخيرة لحميدتي، معتبرًا أنها تمثل “إقرارًا خطيرًا” باستقدام مقاتلين أجانب إلى السودان. وقال مناوي إن من أخطر ما ورد في حديث دقلو إقراره بجلب مقاتلين أجانب، بينهم فنيون مختصون بالطائرات المسيّرة من جنسيات متعددة، معتبرًا أن هذا التحول من الإنكار إلى الإقرار يفتح الباب أمام تساؤلات قانونية وأخلاقية بشأن استدعاء عناصر خارجية إلى نزاع داخلي.
وأضاف أن استقدام مقاتلين أجانب “يضاعف الألم ويفتح الباب لفوضى لا يمكن ضبطها”، مشددًا على أن “الجريمة لا تُبرر بجريمة أخرى”. غير أن المفارقة التي أشار إليها مراقبون تكمن في أن انتقاد مناوي لظاهرة الارتزاق لا ينطلق في نظرهم من موقف مبدئي خالص، في ظل مشاركته السابقة بقواته في نزاع خارج حدود السودان، وهو الذي يقود حركة تحمل اسم “تحرير السودان”.
واستدعاء ملف المرتزقة الكولومبيين تحت إمرة الدعم السريع سرعان ما قاد الجدل إلى زاوية أخرى، تتعلق بخلفيات التحرك من قلب أفريقيا. إذ يفسر بعض مناصري الجيش ظهور حميدتي في كمبالا بوصفه مؤشرًا على تغيير جغرافية الراعي الإقليمي للتمرد، مستندين إلى إرث موسيفيني التاريخي في دعم حركات التمرد ضد الحكومات السودانية. كما يرون أن الضغوط التي يواجهها الراعي الإقليمي لقوات الدعم السريع، خاصة من المملكة العربية السعودية، ربما دفعت إلى اختيار كمبالا محطةً جديدة للتحرك. وتشير مراصد تتبع حركة الطيران إلى أن الطائرة التي أقلّت وفد حميدتي انطلقت من مطار عاصمة خليجية قبل أن تهبط في كينيا، ومنها إلى كمبالا.
كل ذلك يشي بأن الجولة تتصل بمصير تحالف «تأسيس»، الذي لم يتمكن من إحراز تقدم عسكري يُذكر، بل تعرض لنكسات وخسائر كبيرة في إقليم كردفان. كما أن حكومته الموازية في نيالا لم تنجح في نيل اعتراف دولي أو تقديم خدمات ملموسة لمواطني دارفور أو إنشاء مؤسسات فاعلة، ما يجعل الخيار السياسي وفق بعض التقديراتالمخرج الأكثر واقعية أمامها.
في المحصلة، فإن الظهور الأخير لحميدتي في كمبالا، وتعهداته بمواصلة المعركة ضد بورتسودان، ولوّحه بالحصول على مكتب تمثيل لحكومته في العاصمة الأوغندية، كلها مؤشرات على أن الحرب السودانية دخلت طورًا جديدًا ومختلفًا؛ طورٌ تتراجع فيه سلطة الفاعلين المحليين لصالح أطراف إقليمية تسعى إلى إعادة رسم المشهد بما يحقق مصالحها الذاتية، دون اكتراثٍ يُذكر بمصالح السودانيين وتطلعاتهم، بل وربما على حساب حقهم في صياغة مستقبلهم المشترك ونقاش تاريخهم وتعايشهم بحرية.





