الروح المدنية… والكلمة التي تواجه الحرب

بقلم: طارق فرح
“الذين لا يعملون يؤذي نفوسهم أن يعمل الآخرون.”
الدكتور طه حسين
تبدو هذه العبارة اليوم كأنها تصف جانبًا من المشهد السوداني الراهن، حيث يتجلى الفرق بوضوح بين من يحاولون الفعل وسط هذا الخراب الكبير، ومن يكتفون بالمشاهدة أو التقليل من أي محاولة تسعى إلى إيقاف الحرب.
تشهد نيروبي هذه الأيام اجتماعات لقوى سودانية ضمن مسارات مدنية متعددة، تحت مظلة إعلان المبادئ لبناء وطن جديد، بمشاركة شخصيات سياسية وقيادات مدنية ومكونات من المجتمع المدني، في محاولة لفتح باب للحوار ووقف الحرب والبحث عن مخرج يعيد للسودان استقراره ومساره المدني.
وبينما تتحرك هذه القوى بحثًا عن حلول للأزمة التي أنهكت البلاد وأثقلت كاهل شعبها، تتصاعد في المقابل أصوات لا ترى في أي جهد مدني سوى مساحة للتخوين والسخرية والتقليل، دون أن تقدم بدائل عملية أو مبادرات حقيقية يمكن أن تسهم في إنهاء الحرب.
هذه القوى لم تدّعِ يومًا أنها تمثل كل السودانيين، وقد أكدت ذلك مرارًا في خطاباتها ومواقفها السياسية، لكنها تعبر عن قطاع واسع من المجتمع ما يزال متمسكًا بخيار الحل السياسي، ويرفض استمرار الحرب كوسيلة لحسم الصراع. ومن حق الناس أن يختلفوا معها، لكن ليس من حق أحد أن يصادر أي جهد مدني فقط لأنه لا يوافق هواه السياسي. صحيح أن بعض المنتقدين يطرحون تساؤلات جدية حول جدوى هذه الاجتماعات وقدرتها على التأثير الفعلي في مسار الحرب، وهي تساؤلات مشروعة لا يمكن تجاهلها أو وصفها جميعها بالتخوين. لكن المفارقة أن المتشككين في جدوى العمل المدني لا يملكون بديلاً واضحاً يطرحونه، فالتشكيك وحده لا يوقف مدفعاً ولا يُعيد نازحاً إلى بيته.
لقد كانت هذه القوى جزءًا من التراكم الوطني الذي صنع الثورة السودانية 2018–2019، يوم توحد السودانيون حول شعارات الحرية والسلام والعدالة. بدأت تحت مظلة قوى الحرية والتغيير، ثم واجهت الانقلاب، وبعده الحرب، فتحولت إلى “تقدم” وهي تدعو إلى وقف الحرب والحل السلمي. وحين رأت بعض مكوناتها أن الحياد قد تراجع لدى أطراف داخل التحالف، حدث الانقسام السياسي المعروف، وخرجت قوى جديدة بموقف مدني واضح تحت اسم “صمود”.
ومنذ اندلاع الحرب، لم تتوقف هذه القوى المدنية عن الاجتماعات والتحركات والنداءات المطالبة بوقف القتال، والعودة إلى طاولة التفاوض، وإنهاء معاناة السودانيين. وربما أصابت أحيانًا وأخفقت أحيانًا، لكن قيمة المحاولة نفسها تظل أشرف من حالة الجمود والفرجة التي اختارها البعض.
منذ اليوم الأول للحرب، ظلت “صمود” متمسكة بالموقف نفسه: لا للحرب، لا للانحياز العسكري، نعم للحل السوداني–السوداني، ونعم للتفاوض باعتباره الطريق الوحيد لإنقاذ السودان. لم تبدل شعاراتها، ولم تغيّر مطالبها، بل بقيت وفية لشعارات ثورة ديسمبرالمجيدة.
رغم اختلاف المسميات وتعدد المسارات، فإن القاسم المشترك بين هذه القوى ظل ثابتًا: رفض الحرب، والدعوة إلى حل سياسي سوداني–سوداني، مع الإيمان بأن السودان لا يمكن أن يخرج من هذا الخراب إلا عبر الحوار والتفاوض، لا عبر استمرار السلاح.
لا أحد ينكر الدور المهم الذي تقوم به المنظمات الإقليمية والدولية ودول الجوار في دعم جهود السلام، لكن الحقيقة التي لا ينبغي أن تغيب هي أن حل الأزمة السودانية لا يمكن أن يُفرض من الخارج، بل يجب أن يكون سودانيًا خالصًا، بينما يظل دور الآخرين هو التيسير والمساندة لا صناعة القرار نيابة عن السودانيين.
إن الانتقاد مشروع، والاختلاف السياسي طبيعي، لكن تحويل أي جهد مدني إلى هدف للتخوين والتقليل لا يخدم سوى إطالة أمد الأزمة. فالحروب لا تنتهي بالشعارات العالية، ولا بالمزايدات السياسية، بل عندما ينتصر صوت العقل على صوت البندقية، وتعلو مصلحة الوطن فوق حسابات الاصطفاف والانفعال.
ظلت هذه القوى في جوهرها منحازة لفكرة وقف الحرب، والحفاظ على ما تبقى من الدولة والمجتمع، والإيمان بأن الوطن لا يُبنى بالغلبة، بل بالتوافق والسلام والعدالة.
قبل عقود، حين سُئل عبد الخالق محجوب عما قدّمه لشعبه، أجاب في هدوء: “الوعي… بقدر ما استطعت.” لم يدّعِ النصر، ولم يعد بالخلاص. اكتفى بأن يُبقي الفكرة حية حتى آخر لحظة. وهذا بالضبط ما تحمله القوى المدنية السودانية اليوم: ليس وعداً بالحل، بل إصراراً على ألا يخلو الميدان لمنطق البنادق.
هي معركة لا تزال مستمرة حتى اليوم: معركة الوعي في مواجهة الكراهية، والكلمة في مواجهة الرصاص، والسياسة في مواجهة الفوضى والخراب.
التحية لكل الذين ساروا على الجمر، وتمسكوا بالموقف الأخلاقي والوطني وسط هذا الخراب الكبير.
التحية لكل من قاوم خطاب الكراهية، ورفض الاصطفاف الأعمى، وآمن بأن إنقاذ السودان يبدأ بإيقاف الحرب لا بإطالة أمدها.
والتحية لكل الصامدين والصامدات الذين ظلوا أوفياء لفكرة الوطن، لا لفكرة الغلبة.





