التعديلات الأخيرة.. وإعادة تموضُع فلول النظام البائد

الهادي الشواف

شهد السودان في أبريل 2026 تعديلات واسعة في قيادة الجيش شملت إلغاء منصب نائب القائد العام إلى جانب تغييرات في مواقع حساسة مثل رئاسة الأركان والاستخبارات والعمليات والإمداد، هذه التغييرات أثارت جدلاً واسعاً حول دستوريتها وقانونيتها خاصة في ظل غياب إطار دستوري متفق عليه بعد أن قام البرهان بتمزيق الوثيقة الدستورية والانقلاب عليها في أكتوبر 2021م، وظل يعيد تفصيلها بالحذف والاضافة بصورة تسمح له بإجراء تعديلات تعزز سيطرته على مقاليد السلطة لأطول فترة ممكنة في محاولة فاشلة كسب الزمن وإعادة تدوير الأزمة الوطنية الشاملة.

هذه الخطوة ليست مجرد إعادة توزيع للمناصب أو إجراءات روتينية كما يروج لها، بل هي انعكاسًا مباشرًا لأزمة داخلية عميقة يعيشها الجيش والدولة السودانية في ظل حرب ممتدة منذ ثلاث سنوات، وبالاضافة إلى ضغوط مدنية ودولية متزايدة وفي ظل انهيار اقتصادي واجتماعي شامل وعدم قدرة في حسم الحرب أو الذهاب إلى طاولة التفاوض، وقد ظلت الحركة الإسلامية وفلول المؤتمر الوطني يسعون منذ سقوط نظام البشير إلى إعادة التموضع عبر المؤسسة العسكرية محاولين استغلال الحرب الطويلة لإعادة إنتاج سلطتهم التي لفظها الشعب بثورة ديسمبر المجيدة.

خلفية العلاقة بين الإسلاميين والجيش:

علاقة ما يسمى بالحركة الاسلامية بالجيش قديمة ارتبطت ببداية بناء أول خلية لها داخله ومنذ انقلابهم المشؤوم في 1989م توزع نفوذها عبر شبكة من الولاءات والمصالح، ومثل المؤتمر الوطني الذراع السياسي المباشر بينما الجيش والأمن وبقية الأجهزة  والمؤسسات شكلت أدوات التنفيذ، بعد سقوط النظام في ثورة ديسمبر المجيدة 2019م تراجع النفوذ العلني للإسلاميين لكنهم حافظوا على وجودهم داخل الجيش ومؤسسات الدولة عبر قيادات ودوائر مؤثرة، ومع إندلاع الحرب بين الجيش والدعم السريع عام 2023م، التي اشعلوها للعودة للسلطة عبرها عادوا إلى الواجهة بمحاولة استغلال الصراع لإعادة التموضوع والسيطرة من جديد.  

أثر التغييرات الأخيرة:

التعديلات الاخيرة ربما تستهدف بشكل أساسي إعادة ترتيب الولاءات داخل كابينة القيادة وقد تقرأ كخطوة لتقليص نفوذ بعض القيادات المرتبطة بالإسلاميين من حيث الشكل وضمان اصطفاف القيادة حول البرهان، كما أن التغييرات في الاستخبارات والعمليات والإمداد قد تكون محاولة لتقليص شبكات المؤتمر الوطني داخل الجيش، لكنها لا تعني بالضرورة إنهاء نفوذهم وسيطرتهم واستمرار اختطاف القرار داخل المؤسسة العسكرية.

هذه الخطوات تعكس وبشكل فاضح الاصرار على استمرار عسكرة الدولة وتأيد المأكد بأن الجيش أصبح الفاعل السياسي الأول في الساحة بعيداً عن أي رقابة مدنية، كما أنها تكشف أن البرهان يسعى لتثبيت سلطته عبر إعادة ترتيب القيادة العسكرية دون أي اعتبار للقوى المدنية أو لمطالب الثورة، وبعض التعيينات ما زالت تحمل خلفيات إسلامية مما يشير إلى أن البرهان ما زال متمسكًا بحلفائه الاسلاميين والاجراءات الاخيرة لم تقصيهم تماماً بل عملت على اعادت تموضعهم داخل المؤسسات العسكرية والمدنية.

كما أن التعديلات الأخيرة تفتقر إلى الشرعية الدستورية والسياسية لأنها تتم خارج إطار الوثيقة الدستورية كما ذكرنا، وهذه الخطوة تكشف عن استمرار عسكرة الدولة وعن محاولة فلول النظام البائد والحركة الإسلامية التمركز داخل المؤسسة العسكرية بصورة تسمح لها بالعودة والسيطرة بشكل كامل على مفاصل الدولة، وإذا استمر الجيش وخلفه فول النظام البائد في إدارة الدولة خارج أي إطار دستوري أو شرعي فإن ذلك سيؤدي إلى إطالة أمد الأزمة السياسية وتوسع الحرب إعادة إنتاج الازمة والاستبداد، كما أنه يضعف فرص التوافق الوطني ويؤخر أي عملية لايقاف الحرب والعودة إلى مسار الانتقال الديمقراطي.

مستقبل الدولة ومؤسساتها في ظل هذه السيطرة: 

في ظل اصرار فلول ما يسمى بالحركة الاسلامية على استمرار اختطاف المؤسسة العسكرية تظل الازمة قائمة ولم تبرح مكانها، ورغم  إدرك الجميع أن الجيش السوداني يجب أن يكون مؤسسة وطنية فوق الولاءات الحزبية والأيديولوجية والقبلية والجهوية الا أن فلول ما يسمى بالحركة الاسلامية يصرون على اعادة تموضعهم داخله، ونظل نردد بأن أي محاولة لاستمرار الاختطاف من قبل فلول النظام السابق هي تهديد مباشر لمكتسبات ثورة ديسمبر المجيدة ولحق الشعب في بناء دولة مدنية ديمقراطية عادلة، والتغييرات الأخيرة في القيادة العسكرية قد تقرأ كخطوة لتقليص نفوذ بعض القيادات المرتبطة بالإسلاميين، لكنها في الوقت نفسه تكشف أن هذه القوى ما زالت تحاول التمركز داخل مفاصل الجيش كما اشرنًا انفًا وعليه أن معركة التحرر لم تنته بعد وامامنا مشوار طويل لفك هذا الارتباط المخل.  

وفي سياق متصل إن التحدي الأكبر أمامنا ليس فقط في مواجهة الحرب وآثارها بل في مواجهة محاولات إعادة إنتاج الاستبداد عبر بوابة المؤسسة العسكرية ففلول ما يسمى الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني يسعون إلى استغلال حالة الفوضى لإعادة التموضع هو ما يهدد وحدة الجيش ويضعف ثقة الشعب فيه، إننا بحاجة إلى جيش وطني مهني، جيش يحمي الوطن لا يحمي حزباً أو أيديولوجية جيش يقف على مسافة واحدة من جميع السودانيين.  

وفي ذات السياق نؤكد أن أي إصلاح حقيقي يقود إلى تحقيق استقرار ورسم ملامح مستقبل زاهر للدولة لا يكتمل إلا بإبعاد فلول النظام البائد عن مواقع القرار داخل الجيش وتطهير مؤسسات الدولة من دنسهم، وإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس من المهنية والشفافية والولاء للوطن وحده فالسودان لا يمكن أن ينهض إذا ظل أسير الماضي ولا يمكن أن يحقق السلام إذا بقيت ذات القوى التي أشعلت الحروب تتحكم في مصيره، وإن مستقبل السودان سيظل رهناً بقدرة القوى الوطنية المدنية على إعادة بناء عقد اجتماعي جامع وإطار يؤسس لقيم مشتركة ويمثل المصالح العليا للمجتمع، وصناعة دستور شامل ينظم حياة المجتمع ويضمن خضوع الجيش للسلطة المدنية ويعيد الثقة بين الشعب والدولة.  

خاتمة:

خلاصة القول أن التعديلات الواسعة في قيادة الجيش السوداني ليست مجرد خطوة إدارية بقدر ما تعكسه من صراع أعمق على النفوذ داخل المؤسسة العسكرية وإعادة صياغة موازين القوة ضلًا عن رسائل موجهة للخارج والداخل، وهي محاولة لتعزيز مركزية القرار وضبط الولاءات لكنها لن تنجح إذا لم تترجم إلى إصلاح سياسي واجتماعي شامل.

وهي في المقابل تمثل ترجمة حرفية لطبيعة العلاقة ما بين الجيش وفلول ما يسمى بالحركة الاسلامية هذه العلاقة المعقدة ستظل عاملاً حاسماً في مستقبل السودان، إذ أن أي عودة فعلية للإسلاميين عبر الجيش ستضعف فرص الإصلاح السياسي وتزيد من عزلة السودان إقليمياً ودولياً، بينما إقصاؤهم بشكل كامل قد يفتح الباب أمام إعادة بناء الدولة على أسس جديدة.  

واعادة بناء الدولة على أسس جديدة تتطلب وعياً جماعياً بأن المعركة ليست فقط معركة ايقاف الحرب ولكنها بالاساس معركة ضد كل محاولة لإعادة إنتاج الاستبداد وعودة فلول النظام البائد، وعليه نحن مطالبون بالتمسك بمكتسبات ثورة ديسمبر المجيدة وبالضغط من أجل إصلاح شامل يضمن أن الجيش السوداني يصبح مؤسسة وطنية بحق بعيدة عن نفوذ الحركة الإسلامية وفلول المؤتمر الوطني، وهذا يحتاج إلى اصطفاف واسع من أجل سودان جديد سودان الحرية والعدالة والسلام، سودان لا مكان فيه لفلول النظام البائد ولا لهيمنة الأيديولوجيات على مؤسسات الدولة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى