عاد معتذراً ..النور تحت قباب الظلام 

الزين عثمان – أفق جديد 

أثر الدماءِ التي سالت في الفاشر ما يزال عالقًا على قميصه “المبرقع”، يحطّ اللواء النور القبة رحاله في “الدبة” بالولاية الشمالية، ليُعلن—وهو أحد المؤسسين لقوات الدعم السريع—مفارقته لها والتحاقه بصفوف الجيش، متقدّمًا قوةً تُقدَّر بنحو إحدى وعشرين عربة قتالية، ملتحقًا بأبي عاقلة كيكل، قائد هجوم الدعم السريع على ولاية الجزيرة، الذي لُقّب لاحقًا بقائد الفرقة الأولى بود مدني، قبل أن يخلع كاكي الدعم السريع ويتوشّح كاكي الجيش، ويُمنح لقب “خالد بن الوليد” في حرب الكرامة السودانية.

يصل النور القبة، فتشتعل حوله دوائر الجدل، ويعود السؤال القديم بثوبٍ جديد: ماذا لو عاد معتذرًا؟ تتباين القراءات في تفسير هذه الخطوة؛ فثمة من يراها انعكاسًا لغضبٍ مكتوم تجاه قيادة الدعم السريع، عقب سيطرتها على الفاشر، إذ كان القبة يرى نفسه الأجدر بقيادة الفرقة السادسة وفق تراتبية الميدان، لا سيما بعد تعيين اللواء جدو ابنشوك في المنصب. ويُقال إن ذلك القرار—الذي تلا سيطرة الدعم السريع على المدينة في أكتوبر 2025—دفعه إلى الانكفاء نحو قريته في شمال دارفور، حيث لزمها معتصمًا لأكثر من سبعة أشهر.

وفي مقابل هذه الرواية، يذهب آخرون إلى أن ما جرى لم يكن إلا استجابةً لضغوطٍ عشائرية، تفجّرت عقب استباحة قوات الدعم السريع لبلدة مستريحة، مقر موسى هلال، وبادية المحاميد التي ينتمي إليها القبة. غير أن تعدد الأسباب لا يبدّد جوهر المسألة؛ فمجرد وصوله إلى مناطق سيطرة الجيش يعيد تعريف الحرب ذاتها، ويعيد طرح سؤالها الأكثر إيلامًا: ضد من تُخاض هذه الحرب؟

موجة من الفرح اجتاحت أنصار الجيش مع خبر التحاقه، رغم كونه—في نظر كثيرين—واحدًا من أبرز المتورطين في معاناة المدنيين خلال حصار الفاشر، حين كان في الضفة الأخرى من المعركة. ويستحضر المرحبون به مشاهد “مسلسل كيكل”، حيث يعود القائد معتذرًا ومنتصرًا في آن، فيُقدَّم باعتباره “المخلّص” للجزيرة وأهلها من ويلات المليشيات.

هذا الاحتفاء بانضمام أحد قادة الجنجويد ينبع، لدى مناصري حلف الكرامة، من شعورٍ بأن الرجل سيعيد رسم خارطة الميدان لصالحهم، وسيشكّل إضافةً نوعية في معركةٍ تتأرجح موازينها، فضلًا عن أن وجوده بينهم يُفقد الدعم السريع أحد أبرز قادته الميدانيين. غير أن أنصار الدعم السريع يرون الصورة على نحوٍ مغاير؛ إذ يعتقدون أن الرجل لن يُحدث تحولًا حقيقيًا في مجريات القتال، بل سيخسر موقعه بانضمامه إلى ما يصفونه بتحالف “الفلول” والجيش.

ولا يمكن قراءة انضمام القبة كحدثٍ معزول، بل هو فصلٌ من فصول إعادة تشكيل موازين القوى داخل المعسكرات المتصارعة، حيث تتكاثر الانقسامات، لا سيما داخل الدعم السريع، بطابعٍ عشائري يتغذى على خطابٍ قبلي يتصاعد في فضاءات التواصل الاجتماعي، أكثر مما يستند إلى احتجاجاتٍ مؤسسية واضحة. ويبدو ذلك جليًا في تسجيلات منسوبة لـ“السافنا”، أحد قيادات الدعم السريع المنحدر من ذات البيئة العشائرية.

ويمضي هذا المسار على خطى من سبقوه؛ بقال، الذي تولّى ولاية الخرطوم في ظل سيطرة الدعم السريع على أجزاء واسعة منها، ثم كيكل، قائد حملة اجتياح الجزيرة، الذي عاد لاحقًا ليتوشّح شارات اللواء، ويُمسك بـ“درع السودان”، مستعيدًا صورة حميدتي حين كان قائدًا للدعم السريع، يتدخّل في شؤون التعليم والصحة، في مشهدٍ يعيد طرح السؤال الجوهري: ماذا أضاف هؤلاء لمسار الحسم العسكري الذي يلوّح به أنصار الحرب؟ وهل جسّدوا فعلًا مقولة أن “الدعم السريع انتهى”، بينما لا يزال يسيطر على مساحاتٍ واسعة من البلاد؟

بالنسبة لكثيرين، أعادت عودة “النور” الجدل إلى جذوره الأولى، حيث تتكشّف الظلامات، وتطفو النزعات الجهوية على السطح، حتى داخل معسكرٍ واحد، في محاولةٍ لإعادة تأطير الصراع كحرب “غرب” ضد شمال وشرق ووسط، على حساب الخطاب الذي كان يتحدث عن الديمقراطية أو الكرامة.

غير أن الوجه الأكثر قتامة في هذه العودة يكمن في ما تكشفه عن طبيعة إدارة الحرب؛ مقاتلون تورّطوا في انتهاكات جسيمة—بعضها يُقال إنه تم بأوامر مباشرة منهم—يبدّلون مواقعهم، ويعلنون انحيازهم للجيش، فيُستقبلون استقبال الفاتحين، وتُعيد الآلة الإعلامية إنتاجهم كأبطالٍ ومنقذين. وبينما لم يُسدل الستار بعد على “مسلسل كيكل”، يُعرض الآن فصلٌ جديد بعنوان “القبة”: بلا تحقيقات، بلا مساءلات، بلا إنصافٍ حقيقي للضحايا، بل بتبريراتٍ تُمنح لهم من ذات الجهات التي كانت تدين أفعالهم حين كانوا في الضفة الأخرى.

وهكذا، يُخاطَب الضحايا بخطابٍ ملتبس: أولئك الذين قتلوكم وشرّدوكم ونهبوا بيوتكم، فعلوا ذلك—كما يُقال—حفاظًا على “كرامتكم”، فاستقبلوهم بالهتاف، وامنحوهم مقاماتٍ عليا بينكم.

وفي ذروة الاحتفاء بوصول “النور”، تهتز ود مدني على وقع توترٍ أمني، إثر اشتباكات محدودة في حي ناصر، أسفرت عن إصابة أكثر من اثني عشر شخصًا، بينهم أطفال، بحسب إفادات سكان ومنصات إعلامية. ويقول شهود عيان إن مجموعةً مسلحة تتبع لقوات “درع السودان” اقتحمت الحي ليلًا، ما أشاع الفوضى، وتسبب في اعتداءات على السكان وممتلكاتهم باستخدام أسلحة خفيفة وذخيرة حية وأدوات حادة.

وتشير الروايات إلى أن شرارة الأحداث بدأت بخلافٍ فردي داخل الحي، قبل أن تتسع رقعته وتتحول إلى مواجهاتٍ أوقعت إصاباتٍ متعددة، نُقل بعضها إلى مرافق طبية داخل المدينة. وفي المقابل، أعلنت قوات درع السودان—بقيادة كيكل العائد إلى “حضن الوطن”—أن ما جرى كان نتيجة تصرفٍ فردي، مؤكدة توقيف ثلاثة عشر عنصرًا، بينهم ضابط برتبة رائد، وفتح تحقيقٍ عسكري لمحاسبة المتورطين وفق القوانين.

غير أن السؤال الأثقل يظل معلقًا: ماذا عن حقوق الضحايا؟ ماذا عن أولئك الذين تضرروا من بقال وكيكل والقبة، ومن قد يأتي بعدهم؟ ماذا لو قرر آخرون، كأبي لؤلؤ “السفاح”، أن يسلكوا الطريق ذاته، ويعودوا تحت ذات الشعارات؟

أولئك الذين استقبلوا كيكل بالهتاف، هل طووا صفحة المظالم التي عاشها أهل الجزيرة؟ هل جفّت في ذاكرتهم الدماء التي سالت؟ والذين يقفون اليوم تحت قبة “النور”، هل عاد منهم من يقتسم مع أهل الفاشر ما تبقى من وجعهم؟ وكيف يمكن لأرضٍ واحدة أن تتسع، في آنٍ واحد، للضحايا وجلاديهم؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى