العطش في الخرطوم.. حرب المياه تُرهق السكان

أفق جديد

في أحياء العاصمة الخرطوم الطرفية، لم تعد الحرب تُقاس فقط بعدد القذائف أو أصوات الرصاص، بل بعدد الساعات التي يقضيها الناس بحثًا عن الماء. فمع دخول الصراع عامه الرابع، تحولت الحياة اليومية إلى رحلة شاقة بين العطش والعتمة، بعدما أدت الانقطاعات الطويلة للكهرباء إلى شلل واسع في محطات الضخ وتفاقم أزمة المياه في الأحياء السكنية.

أمام عربات المياه والآبار القليلة، تمتد الطوابير منذ ساعات الفجر، بينما يحمل السكان أوعيتهم على أمل الحصول على ما يكفي ليوم واحد فقط. وفي مدينة أنهكتها الحرب وارتفاع الأسعار وانهيار الخدمات، لم تعد المياه خدمة أساسية، بل أصبحت معركة بقاء يومية تستنزف ما تبقى من قدرة الأسر على الاحتمال.

في أحد أحياء جنوب العاصمة السودانية الخرطوم، تقف حليمة عبد الله، منذ ساعات الصباح الأولى بجوار عربة كارو تحمل أواني فارغة، تراقب الطريق بقلق انتظارًا لوصول عربة مياه قد لا تأتي. تقول لـ “أفق جديد”: “أحيانًا نقضي يومين كاملين من دون مياه. حتى إذا وصلت العربة، يكون السعر مضاعفًا، ولا نملك خيارًا آخر”.

دخلت الحرب في السودان عامها الرابع، لكن معاناة المدنيين لا تتوقف عند أصوات الرصاص والقصف، إذ تحوّل الحصول على المياه إلى واحدة من أكثر الأزمات قسوة في حياة السكان، خصوصًا في الأحياء البعيدة التي تعاني من انهيار شبه كامل في خدمات الكهرباء والمياه.

ومع الانقطاع الطويل للتيار الكهربائي، توقفت محطات ضخ عديدة أو باتت تعمل بصورة متقطعة عبر مولدات تستهلك كميات كبيرة من الوقود النادر أصلًا. وفي كثير من المناطق، أصبح السكان يعتمدون على عربات الكارو التي تجرها الدواب أو صهاريج المياه التجارية التي تبيع البرميل بأسعار تفوق قدرة معظم الأسر.

ساعات انتظار طويلة

وكانت المنظمة الدولية للهجرة قد أعلنت في وقت سابق أن نحو ثلث سكان السودان أصبحوا نازحين داخل البلاد وخارجها، في واحدة من أكبر أزمات النزوح في العصر الحديث.

في حي الحاج يوسف شرقي الخرطوم، يقول يوسف الطاهر، وهو موظف سابق نزح ثم عاد إلى منزله: “أصبح يومنا مرتبطًا بالمياه. نستيقظ باكرًا للبحث عنها قبل التفكير في الطعام أو العمل. أحيانًا أقضي ثلاث أو أربع ساعات في الصف للحصول على برميل من الماء”.

ويضيف لـ”أفق جديد”، أن أزمة المياه أثرت على كل تفاصيل الحياة اليومية، من الطهي وغسل الملابس إلى النظافة الشخصية، موضحًا أن بعض الأسر باتت تقلل استخدام المياه إلى الحد الأدنى خوفًا من نفادها.

ولا تبدو الأزمة أقل قسوة في أم درمان، حيث يعتمد سكان أحياء عديدة على الآبار التقليدية أو المياه المنقولة عبر العربات. تقول أماني مصطفى، وهي صاحبة مطعم شعبي صغير: “المياه أصبحت أغلى من بعض المواد الغذائية. ندفع مبالغ كبيرة يوميًا فقط حتى نتمكن من تشغيل المطعم وغسل الأواني”.

وتشير إلى أن كثيرًا من أصحاب المطاعم والمخابز اضطروا إلى تقليص ساعات العمل بسبب صعوبة الحصول على المياه، ما تسبب في خسائر إضافية لأسر تعتمد أصلًا على دخل محدود في ظروف الحرب.

محطات متوقفة

يرى مختصون أن أزمة المياه ترتبط بصورة مباشرة بانهيار قطاع الكهرباء، إذ تعتمد غالبية محطات الضخ على التيار الكهربائي المستقر لتشغيل الطلمبات وتوزيع المياه إلى الأحياء.

ومع تضرر البنية التحتية جراء الحرب، وتراجع إنتاج الكهرباء، أصبحت المحطات تعمل بصورة جزئية أو تتوقف كليًا لساعات طويلة. كما تواجه السلطات المحلية صعوبات في توفير الوقود اللازم لتشغيل المولدات البديلة، في ظل الارتفاع الحاد في أسعار الجازولين وتعطل سلاسل الإمداد.

ويقول مصعب عمر، وهو أحد الفنيين العاملين في قطاع المياه، إن بعض المحطات تحتاج عشرات البراميل من الوقود يوميًا للاستمرار في الضخ، مضيفًا أن الأعطال الفنية باتت تستغرق وقتًا أطول بسبب نقص قطع الغيار وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق المتأثرة بالاشتباكات.

مخاطر صحية 

ومع تراجع إمدادات المياه النظيفة، تتزايد المخاوف من انتشار الأمراض المرتبطة بالتلوث وسوء الصرف الصحي، خصوصًا في الأحياء المكتظة ومراكز الإيواء التي تستقبل آلاف النازحين.

وتقول هند عباس وهي متطوعة في مبادرات أهلية، إن كثيرًا من الأسر باتت تلجأ إلى مصادر مياه غير آمنة، بما في ذلك الآبار السطحية أو المياه المخزنة لفترات طويلة، في ظل غياب البدائل.

وتضيف: “أكبر مشكلة ليست فقط ندرة المياه، بل جودة المياه أيضًا. الناس أحيانًا يشربون أي مياه متاحة لأن العطش لا يترك لهم خيارًا”.

عبء إضافي

في كثير من الأحياء، تتحمل النساء والأطفال الجزء الأكبر من مشقة البحث عن المياه ونقلها لمسافات طويلة. وتقول آمنة يوسف، وهي أم لأربعة أطفال في منطقة دار السلام أقصى غربي مدينة أم درمان: “أطفالي يذهبون معي لجلب المياه بدلًا من الدراسة أو اللعب. الحرب سرقت منهم حياتهم الطبيعية”.

وتضيف أن بعض الأسر تضطر إلى تخزين المياه في أوعية كبيرة تحسبًا لانقطاعها أيامًا متواصلة، لكن ذلك يخلق أعباء صحية إضافية مع ارتفاع درجات الحرارة وانتشار الحشرات.

رغم محاولات بعض المبادرات المجتمعية توفير المياه للأحياء الأكثر تضررًا، إلا أن حجم الأزمة يتجاوز قدرات العمل الطوعي المحدود، في ظل استمرار الحرب وتدهور الخدمات الأساسية.

وبين أصوات المولدات وصفوف الانتظار الطويلة، يعيش سكان الخرطوم يوميًا معركة صامتة عنوانها العطش؛ معركة لا تحظى بكثير من الاهتمام مقارنة بدخان المعارك، لكنها بالنسبة لآلاف الأسر مسألة بقاء يومي وحياة معلقة على وصول برميل ماء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى