السودان في عامه الرابع من الحرب.. حين ينزف الشعب ويتجول القادة

بقلم: طارق فرح
السودان اليوم لا يعيش مجرد حربٍ عسكرية، بل يواجه حالة استنزافٍ كامل لإنسانه وكرامته ومستقبله. يدخل العام الرابع من هذه المحرقة العبثية، وملايين السودانيين لا يزالون يقتاتون الصبر في مخيمات النزوح أو يبحثون عن الأمان في منافي اللجوء، بينما جيلٌ كامل من الطلاب يرى مستقبله يتبخر، والمرضى يصارعون الموت وسط انهيارٍ شبه كامل للنظام الصحي وغيابٍ مخجل للدولة عن أبسط واجباتها.
ولم تعد مأساة السودان مجرد أزمةٍ سياسية أو صراعٍ عسكري، بل تحولت إلى واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم اليوم، في ظل اتساع رقعة النزوح والجوع وانهيار الخدمات الأساسية. ملايين السودانيين باتوا يعتمدون على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة، بينما لا تزال كثير من المناطق تعاني من صعوبة وصول الإغاثة بسبب استمرار القتال وتعقيدات المشهد الأمني. ولذلك فإن فتح الممرات الإنسانية الآمنة وضمان دخول المساعدات دون عوائق لم يعد مطلباً سياسياً فحسب، بل واجباً أخلاقياً وإنسانياً عاجلاً لإنقاذ الأرواح.
الأكثر إيلاماً هو ذلك المشهد السريالي الذي يراقبه المواطن يومياً؛ مشهدٌ سياسي منفصل تماماً عن أنين الأرض. رأس الدولة في رحلات مكوكية لا تُشرح أهدافها ولا تُعلن نتائجها، كأنما الدبلوماسية أصبحت غايةً في حد ذاتها لا وسيلةً لإنهاء المعاناة.
وفي المقابل، نرى رئيس مجلس الوزراء وطاقمه، بدلاً من أن يكون في قلب الأزمة بحثاً عن حلول حقيقية، ينتقل بين لقاء بابا الفاتيكان والجولات الأكاديمية في بريطانيا، وكأن منصب “رئيس الوزراء” تحوّل إلى مساحةٍ للظهور السياسي لا إلى مسؤولية تاريخية تقتضي الانحياز لمعاناة الناس والعمل العاجل لإيقاف الحرب. فالأوطان في زمن الانهيارات لا تُنقذ بالندوات والمحاضرات، بل بالقرارات الشجاعة والمواقف الواضحة والوجود الحقيقي وسط الناس، فضلاً عن أن منصب رئيس الوزراء أكبر من أن يُختزل في زيارات جامعية، حتى وإن كانت لأكسفورد أو كامبريدج.
أما حاكم إقليم دارفور الذي يئن تحت وطأة الحرب، فيظهر في مشاهد عبثية و استعراضٍ ينم عن انفصالٍ ذهني وأخلاقي صادم؛وهو يتجول في أسواق الجلاليب مع ضيوف أجانب وفي سوق أمدرمان كأن البلاد تعيش ربيعاً من الرخاء لا خريفاً من الدم والدمار.
هذه الفجوة بين بؤس الواقع وترف التحرك السياسي ترسل رسالةً قاسية للشعب السوداني: أنتم في وادٍ، ومن يديرون المشهد في وادٍ آخر. فالمواطن السوداني اليوم لا يريد استعراضات سياسية، ولا صوراً في القصور، ولا مواكب وخطباً جوفاء، بل يريد دولةً تشعر به، ومسؤولاً يضع إنهاء الحرب فوق التكيف معها، ويضع التفاوض فوق المكابرة، لأن قيمة السلطة الحقيقية لا تُقاس بعدد السفريات ولا ببريق الخطابات، بل بقدرتها على حماية الإنسان وإنقاذ ما تبقى من الوطن.
وفي ظل استمرار الحرب واتساع رقعتها، أصبح المشهد السوداني أكثر تعقيداً وتشابكاً من أي وقتٍ مضى؛ سياسياً وعسكرياً وإنسانياً. فكل يومٍ إضافي من القتال لا يعني فقط مزيداً من الضحايا والدمار، بل يعني أيضاً تعقيد فرص الحل وإطالة معاناة الناس وتعميق الانقسامات داخل المجتمع والدولة. ولهذا فإن الحكمة الوطنية والأخلاقية تقتضي اليوم تغليب صوت العقل والحوار، وتقديم مصلحة الوطن والإنسان السوداني على أي حسابات سياسية أو عسكرية ضيقة، لأن استمرار الحرب لن يصنع منتصراً حقيقياً، بل سيترك وطناً منهكاً وشعباً يدفع الثمن وحده.
إن أي حربٍ مهما طال أمدها مصيرها في النهاية إلى طاولة التفاوض، فبأي حقٍ يُؤجل هذا المصير وتُحرق في سبيله سنوات أخرى من عمر الوطن؟
وعليه، فإن المسؤولية تقع اليوم على عاتق الجميع؛ من قوى مدنية، ومثقفين، ونخب وطنية. كما أن المسؤولية الوطنية تفرض على القوى المدنية والوطنية أن تتحرك بوتيرةٍ أسرع وأكثر تأثيراً، وأن تتجاوز حالة التشتت والخلافات الثانوية، لأن حجم الكارثة لم يعد يحتمل البطء أو الحسابات الضيقة. المطلوب اليوم موقفٌ مدني موحد وضاغط باتجاه وقف إطلاق النار، وفتح الممرات الإنسانية، وإعادة المسار المدني الديمقراطي بعيداً عن الاصطفافات الضيقة والمكاسب المؤقتة.
فالتاريخ لن يرحم من آثر الصمت، أو من قدّم صورته الشخصية ومصلحته الحزبية على أنقاض البيوت المهدمة.
السودان يستحق أكثر من هذا الخراب، والشعب الذي ضرب أروع الأمثلة في الصبر والكرامة يستحق قيادةً ترى فيه غايتها لا مجرد وسيلة للبقاء في المشهد. ويبقى الأمل قائماً بأن يعلو صوت العقل على صوت الرصاص، قبل أن تبتلع المنافي والحروب ما تبقى أجيال





