عرض ترامب وقبول البرهان .. من عداوة الحرب إلى اختبار التسوية

حاتم أيوب أبو الحسن
حاتم أيوب أبو الحس
بلا قناع

حاتم أيوب أبو الحسن

لم تكن أيرلندا الشمالية، بعد عقود من الصراع والدماء والعداء السياسي، تتوقع أن يجلس خصوم الأمس إلى طاولة واحدة بحثاً عن مستقبل مشترك. لكن اتفاق الجمعة العظيمة عام 1998 فتح طريقاً مختلفاً، حين أدركت أطراف الصراع أن استمرار المواجهة لن يمنح أيّاً منها نصراً يضمن الاستقرار، وأن التسوية، مهما كانت صعبة ومليئة بالتنازلات، قد تكون أقل كلفة من حرب تستنزف الجميع. لم يُنهِ الاتفاق الخلافات بين تلك الأطراف، لكنه نقل الصراع تدريجياً من ميادين العنف إلى ساحة السياسة، وأثبت أن التوافق لا يحتاج إلى زوال العداوة بقدر ما يحتاج إلى إدراك حدود القوة واستحالة بناء مستقبل مستقر على أنقاض المجتمع.
ليس المقصود من استحضار هذه التجربة القول إن الحالة السودانية تطابق الحالة الأيرلندية، فلكل صراع جذوره التاريخية وتركيبته السياسية والاجتماعية المختلفة، وإنما الإشارة إلى حقيقة تتكرر في تجارب الحروب: قد يبدأ طريق السلام حين يكتشف المتحاربون أن ما عجزوا عن حسمه بالسلاح لن يُحسم بالضرورة بمزيد من القتال.
من هذه الزاوية، تكتسب رسالة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي أعلن فيها التزام الحكومة السودانية بجهود السلام الأمريكية واستعدادها للعمل مع الأطراف كافة لتحقيق سلام عادل ودائم، أهمية تتجاوز مضمونها الدبلوماسي المباشر. فهي تأتي بعد مرحلة من التوتر بين الخرطوم وواشنطن، وفي أعقاب خلافات حول مقترح هدنة إنسانية لمدة تسعين يوماً، وبعد تعثر مشاركة البرهان في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وبذلك، تفتح الرسالة باباً للتساؤل: هل نحن أمام مراجعة في إدارة الأزمة، أم أمام انتقال إلى مرحلة جديدة من التفاوض على شروط إنهاء الحرب ومستقبل الدولة السودانية؟
إن ما يجعل هذه اللحظة مهمة ليس مجرد قبول البرهان التواصل مع ترامب، بل التوقيت الذي جاءت فيه الخطوة. فالسودان يدخل مرحلة تتزايد فيها كلفة الحرب على المجتمع والدولة، بينما تتسع الضغوط الإقليمية والدولية لوقف القتال ومنع تحوله إلى انقسام دائم في السلطة والأرض. وفي المقابل، لا تزال الأطراف المتحاربة تختلف حول طبيعة الهدنة، والانسحابات المطلوبة، والترتيبات الأمنية، وموقع القوى المسلحة في مستقبل البلاد.
لقد طرحت واشنطن هدنة إنسانية لمدة تسعين يوماً تمهيداً للتفاوض على وقف دائم لإطلاق النار، واستئناف مسار سياسي يقود إلى انتقال مدني. غير أن الخلاف لم يكن حول مبدأ السلام وحده، بل حول الشروط التي ينبغي أن تسبقه أو تصاحبه. فقد طالبت القيادة السودانية بانسحاب قوات الدعم السريع من المدن والمناطق التي تسيطر عليها، بينما دفعت واشنطن باتجاه قبول المقترح من دون شروط مسبقة. وهذا التباين يوضح أن الطريق إلى التسوية لا يزال محكوماً بتعارض في ترتيب الأولويات والضمانات، حتى مع تجدد لغة الانفتاح السياسي.
وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي لقبول البرهان: هل يمثل استعداداً للدخول في مفاوضات عملية بشأن الهدنة، أم يقتصر على إعادة فتح القنوات الدبلوماسية مع واشنطن؟ فالتعبير عن الالتزام بجهود السلام لا يعني بالضرورة الموافقة النهائية على كل تفاصيل المقترح، كما أن العودة إلى الحوار لا تعني أن الخلافات قد حُسمت. لكن هذه الخطوة تتيح فرصة لاختبار إمكانية تحويل المواقف المعلنة إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ.
بالنسبة إلى ترامب، لا يبدو الملف السوداني منفصلاً عن حسابات الاستقرار الإقليمي. فالسودان يقع عند تقاطع مصالح البحر الأحمر والقرن الأفريقي، ويتصل أمنه باستقرار دول الجوار وممرات التجارة والملاحة. ولذلك، فإن تحرك واشنطن لا يقتصر على وقف الكارثة الإنسانية، بل يرتبط أيضاً بمنع اتساع الصراع، والحد من مخاطر تفكك الدولة، وفتح المجال أمام صيغة سياسية تنهي الحرب وتمنع تحول السودان إلى ساحة مفتوحة لتنافس القوى الإقليمية والدولية.
لكن الحسابات الأمريكية، مهما كان تأثيرها، لا تستطيع بمفردها إنتاج سلام مستدام. فالتجارب المقارنة تشير إلى أن الضغوط الخارجية قد تدفع الخصوم إلى التفاوض، لكنها لا تضمن التزامهم بالاتفاق ما لم تتوافر مصالح داخلية في إنهاء الحرب، وآليات واضحة للتحقق من التنفيذ، وضمانات تحمي المدنيين وتمنع العودة إلى القتال. ومن هنا، فإن السؤال ليس فقط ما إذا كان ترامب يستطيع دفع البرهان والدعم السريع نحو الهدنة، بل ما إذا كان الاتفاق المحتمل سيعالج أسباب الحرب أم سيكتفي بتجميد خطوط المواجهة وإعادة توزيع النفوذ.
هذه هي المعضلة السودانية الأعمق. فالحرب التي اندلعت في أبريل 2023 لم تنتج أزمة عسكرية فحسب، بل كشفت هشاشة الدولة، وأزمة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة المدنية، وتعدد مراكز القوة المسلحة، وفشل النخب السياسية في بناء توافق وطني مستقر. وإذا انتهت الحرب من دون معالجة هذه الجذور، فإن وقف إطلاق النار قد يتحول إلى استراحة بين جولتين، بدلاً من أن يكون بداية لسلام يضمن عدم تكرار المأساة.
لذلك، ينبغي التمييز بين ثلاثة مسارات: هدنة إنسانية توقف القتال وتفتح ممرات الإغاثة؛ وتسوية عسكرية وأمنية تعالج انتشار القوات ومستقبل التشكيلات المسلحة وبناء جيش وطني موحد؛ ثم عملية سياسية سودانية واسعة تعيد تأسيس الحكم على المواطنة وسيادة القانون والشرعية المدنية. هذه المسارات مترابطة، لكنها ليست شيئاً واحداً. فالهدنة لا تعني السلام النهائي، والاتفاق العسكري لا ينتج وحده دولة مستقرة، كما أن الحوار السياسي يفقد معناه إذا ظل المدنيون تحت نيران الحرب أو بقي السلاح هو المحدد الأساسي للسلطة.
وفي هذا السياق، لا يجوز أن يتحول التفاوض إلى مساومة بين القوى المسلحة على اقتسام الدولة، أو إلى ترتيب يمنح مناطق السيطرة العسكرية شرعية سياسية دائمة. فالمطلوب ليس فقط وقف الحرب بين طرفيها، بل منع إعادة إنتاج الظروف التي سمحت باندلاعها. وهذا يستدعي إشراك القوى المدنية والمجتمعية في صياغة المستقبل، من دون احتكار سياسي أو إقصاء مسبق، مع وضع حماية المدنيين والعدالة والمساءلة وإعادة الإعمار في صميم أي تسوية.
إن تجربة أيرلندا الشمالية تقدم درساً مفيداً في أن التسوية قد تبدأ من الاعتراف المتبادل بوجود الخصم واستحالة إلغائه، لكنها لا تعني التنازل عن الحقوق أو محو المسؤوليات. وفي السودان، لا يمكن أن يكون السلام مرادفاً للنسيان، ولا أن تُترك الانتهاكات بلا مساءلة، ولا أن تُختزل إرادة الشعب في تفاهمات تُعقد بين القيادات العسكرية أو العواصم الخارجية. فالتفاوض الذي لا يحمي المجتمع ولا يفتح الطريق أمام دولة مدنية موحدة قد يوقف بعض مظاهر الحرب، لكنه لن ينهي أزمتها التاريخية.
أما المستقبل، فسيتوقف إلى حد بعيد على ما إذا كانت رسالة البرهان ستتبعها خطوات ملموسة: تفاهم حول شروط الهدنة، والتزام متبادل بوقف الهجمات، وضمان وصول المساعدات، وآلية مراقبة موثوقة، ثم مسار سياسي لا يُفرض على السودانيين من الخارج ولا تحتكره الأطراف المسلحة في الداخل. وإذا تعثرت هذه الخطوات، فقد تبقى الرسالة مجرد محاولة لاحتواء التوتر الدبلوماسي، بينما تستمر الحرب في إنتاج مزيد من الانقسام والمعاناة.
إن قبول البرهان الانخراط في جهود ترامب لا يعني أن السلام أصبح قريباً بالضرورة، لكنه يفتح نافذة تستحق الاختبار. فالفرصة السياسية لا تُقاس بلغة التصريحات وحدها، بل بقدرتها على تحويل التراجع عن التصعيد إلى التزام، وتحويل الهدنة إلى بداية لمسار سياسي، وتحويل التفاوض من أداة لإدارة الحرب إلى وسيلة لإنهائها.
في النهاية، لا يحتاج السودان إلى اتفاق يفرض على السودانيين التعايش مع واقع الحرب، بل إلى تسوية تعيد إليهم حقهم في بناء الدولة. وإذا كان درس أيرلندا الشمالية هو أن الخصوم قد يخرجون من دائرة العنف حين تتغير حساباتهم، فإن درس السودان الذي لم يُحسم بعد هو أن وقف الحرب يجب أن يكون بداية لإنهاء احتكار السلاح والسلطة، لا مدخلاً لإعادة إنتاجهما بوجوه وصيغ جديدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى