سلامٌ واحد، ثلاثة مسارات وتسعة طويلة
(من أديس أبابا إلى جنيف.. اختبارٌ لهندسة السلام، وملكية السودانيين لمستقبلهم)

منعم عمر
ربّما لا تنقص السودان اليوم مبادرة سلام جديدة بقدر ما تنقصه هندسةٌ للسلام.. فمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، لم يكن العجز في عدد المنابر والاجتماعات والوسطاء. توالت جدة، والاتحاد الأفريقي، وإيغاد، والأمم المتحدة، والتحركات المصرية، والمبادرات الأميركية، واجتماعات الجوار، والرباعية والخماسية، بينما ظلت الحرب قادرة على ابتلاع كل مبادرة قبل أن تتحول إلى مسار متماسك.
وللسودان، في هذه الحرب، علاقةٌ عجيبة بالتسعات.. ومصادفات رقمية تكاد تبدو كأنها تكتب سخريتها بنفسها. فإذا عُدّت جدة، والاتحاد الأفريقي، وإيغاد، والأمم المتحدة، والتحركات المصرية، والمبادرات الأميركية، ودول الجوار، ثم الرباعية والخماسية، اكتملت تسعة؛ وإذا اجتمعت الرباعية مع الخماسية عادت التسعة من الباب الآخر.. أما التاسع من ديسمبر فله هو الآخر عادة غريبة في العودة إلى المشهد بدلالاتٍ أبلغ على نحو يكاد يثير ريبة الأرقام نفسها.. ففي 9 ديسمبر 2023 خرجت قمة إيغاد بوعدٍ بوقفٍ غير مشروط ولقاءٍ بين قائدي الحرب، ثم مضى الوعد وبقيت الحرب؛ وفي 9 ديسمبر 2025 كانت واشنطن تعلن دفعة جديدة من العقوبات المرتبطة بالسودان؛ و9 ديسمبر عالمياً هو أيضاً ذكرى اعتماد اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، إضافة إلى اليوم الدولي لمكافحة الفساد؛ أما هذا العام فيعود التاريخ كظلّ لموعد لا يظهر مكتوباً في ورقة معلنة، لكنه يتردّد في الكواليس قريباً من نهاية المهلة السياسية التي منحتها واشنطن للبرهان بعد لقاء القاهرة، وقبل يومين فقط من انتهاء التمديد القصير لنظام عقوبات مجلس الأمن في 11 ديسمبر. وقد تكون كل هذه مجرد مصادفات في الحساب، لكن للسودانيين ذاكرة خاصّة ويعرفون أن بعض التسعات إذا طالت صار لها اسم آخر..
وربّما لن تنعدم الدلالات الزمنية في هذه الحرب اللعينة الطويلة ، فاليوم الذي دخلت فيه المبادرة السعودية–الأميركية مرحلة اتصال مباشر مع البرهان، بالتزامن مع جولة لمسعد بولس بين الرياض وأبوظبي، هو عشية إكمال الحرب ألف يوم، أي اليوم 999، وهو على وجه الدقة يوم 8 يناير 2026.
وللمفارقة، بينما كانت هذه الأرقام تدور حول موائد السياسة، زادت الصورة عبثاً وظهر البرهان قبل أيام جالساً على قارعة الطريق يقلب أوراق الكوتشينة. و لم تكن البلاد في حاجة إلى من يسمّي اللعبة: المعدّنون يُدفنون، والمسيّرات تغطّي السماء، وكردفان ودارفور ومناطق أخرى تشتعل، فهل من شكّ أنّه كان يلعب “حريق”؟.. فهذه التسعة تطل مرة من المنابر ومرة من المواعيد ومرة من ذاكرة الشارع. وبين كل هذه الأوراق الموزعة، تظل الورقة الوحيدة التي لم يعرف أحد بعد كيف يضعها على الطاولة هي السلام.
لهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق الحديث عن أي منبر جديد أو اجتماع قادم: من يملك الحق في اتخاذ القرار في كل مسار؟ فهذه ليست مسألة إجرائية.. إنها في جوهرها مسألة تتعلق بمن يوقف الحرب، ومن يصنع السلام، ومن يقرر مستقبل الدولة السودانية.
في 23 سبتمبر، اجتمعت للمرة الأولى “الرباعية” مع “الخماسية” التي تضم الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية وإيغاد.. ولم يكن أهمّ ما صدر عن الاجتماع هو انعقاده في حدّ ذاته، بل إقراره بأن العمل الإنساني، ووقف الأعمال العدائية، والمسار السياسي ينبغي أن تتقدّم في توازٍ وأن يعزّز بعضها بعضاً، مع الدعوة إلى خارطة طريق مشتركة وتنسيق أكثر انتظاماً بين المنصّتين.
وفي 12 أكتوبر، التقت الخماسية في مقر الاتحاد الأفريقي بأديس أبابا قوى سياسية ومدنية سودانية مناهضة للحرب وغير مصطفة مع طرفيها. وقدّمت هذه القوى تصوراً يقوم على ثلاثة مسارات مترابطة: الاستجابة الإنسانية، ووقف إطلاق النار، والعملية السياسية؛ ودعت إلى هدنة إنسانية فورية وغير مشروطة، وإلى عملية سودانية القيادة والملكية، وإلى جمع جهود الرباعية والخماسية وغيرها ضمن إطار أكثر اتساقاً.. وهذه، هي الفكرة التي تستحق البناء عليها: سلام واحد، لكن بثلاثة مسارات لا يجوز الخلط بينها.
المسار الأول إنساني. موضوعه ليس السلطة ولا تقاسم النفوذ، بل حياة الناس: الغذاء، والدواء، والوصول إلى المحاصرين، وحماية المدنيين، وعودة الخدمات الأساسية.
والمسار الثاني عسكري-أمني: وقف الأعمال العدائية، ومواقع القوات، والمراقبة والتحقق، ومنع الإمداد العسكري الخارجي، ثم الانتقال إلى وقف دائم لإطلاق النار وترتيبات أمنية أوسع.
أما الثالث فهو سياسي: من يحكم خلال الانتقال؟ كيف تعاد مؤسسات الدولة؟ كيف يُصلح القطاع الأمني والعسكري؟ وما النظام الدستوري الذي ينبغي أن يخرج من الحرب؟
هذه المسارات متصلة، لكنها ليست قابلة للاستبدال: فالتفاوض على وقف النار لا بد أن يشمل القادرين على مواصلة الحرب. هذه حقيقة لا يمكن تجاوزها بالشعارات.. لكن ثمّة حقيقة أخرى لا تقل أهمية: القدرة على إشعال الحرب لا تمنح صاحبها حقاً إضافياً في تقرير مستقبل البلاد.. والذين نحتاج موافقتهم لإسكات البنادق ليسوا أصحاب التفويض لتحديد الدستور أو اختيار نظام الحكم أو توزيع السلطة السياسية.
وهنا يكمن أحد أخطر دروس التجربة السودانية: حين تنتقل السياسة إلى طاولة الترتيبات العسكرية، يبدأ ميزان القوة في الميدان في التحول شيئاً فشيئاً إلى “استحقاق” سياسي؛ يدخل الفصيل المسلح إلى المفاوضات بوصفه واقعاً عسكرياً، ثم يخرج منها وقد أصبح ممثلاً سياسياً مفترضاً للسكان الذين يعيشون تحت سيطرته.. لكن الخطأ والخطر المقابل ممكن أيضاً؛ فإذا بنى المدنيون عملية سياسية مثالية في قاعة منفصلة، بينما ظلّ حملة السلاح قادرين على تجاهلها، ستكون النتيجة دستوراً بلا دولة، وانتقالاً بلا قدرة على الانتقال.. فالحل، إذاً، ليس الفصل الكامل ولا الدمج الكامل، إنّه ترابط منظّم بين مسارات مستقلة في وظائفها، متكاملة في غايتها.
أخطر هدنة هي التي تُوقف الرصاص وتُرسّخ التقسيم
قد تبدو المطالبة بوقف فوري لإطلاق النار أمراً لا يحتاج إلى نقاش، لكن السؤال الأصعب هو: أي وقف لإطلاق النار؟!، فالسودان اليوم موزّع بين مناطق نفوذ عسكري وسياسي واقتصادي متباينة.. وإذا انتهت الهدنة إلى قاعدة بسيطة تقول إن كل قوة تبقى حيث تقف، من دون ضمانات سياسية وقانونية واضحة، يمكن أن تتحول الجبهة العسكرية تدريجياً إلى حد إداري، ثم إلى نظام مؤسسات منفصل، ثم إلى واقع سياسي يبحث لاحقاً عن اعتراف دولي..
وهكذا قد تنجح المفاوضات في وقف إطلاق النار، لكنها تفشل في وقف انقسام الدولة.. لهذا يجب أن يثبّت أيّ اتفاق منذ يومه الأول مبدأ لا يحتمل الغموض: (خط وقف إطلاق النار ليس حدوداً)! فوجود قوة في منطقة ما لا ينشئ لها سيادة عليها، ولا يمنح مؤسساتها المؤقتة شرعية دائمة، ولا يحول السيطرة العسكرية إلى ملكية سياسية.. وهذه ليست مخاوف نظرية؛ فمجلس الأمن نفسه حذّر من الهياكل الحكومية الموازية وخطرها على وحدة السودان، كما ظلّ الاتحاد الأفريقي والخماسية يؤكدان السيادة والوحدة وسلامة الأراضي ويرفضان تفكيك الدولة إلى سلطات متنافسة.
لهذا ينبغي ألا يكون الحفاظ على وحدة السودان مجرد فقرة محفوظة في البيانات الختامية؛ بل شرطاً تصميمياً وهندسيّاً داخل اتفاق وقف إطلاق النار نفسه.. وهنا تأتي أهمية اجتماع جنيف..!

جنيف: العالم يرتب نفسه قبل أن يرتب السودان
اليوم وغداً (20 و21 أكتوبر)، تستضيف الأمم المتحدة وسويسرا الاجتماع التشاوري السادس لتعزيز تنسيق مبادرات السلام بشأن السودان. واللافت أن الأمم المتحدة أوضحت أن هذا الاجتماع ليس تفاوضاً سودانياً: لا الحكومة ولا الدعم السريع ولا القوى المدنية ستكون أطرافاً في جلساته؛ فالمنصة أنشئت أصلاً كي ينسّق الوسطاء والدول صاحبة المبادرات جهودهم فيما بينهم. ووفق الأمم المتحدة، تضم قائمة المشاركين الرباعية والخماسية ودول الجوار، إلى جانب قطر وتركيا والنرويج وألمانيا، والدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، بما فيها روسيا والصين. والمأمول أن يخرج الاجتماع ببيان مشترك ونقاط عملية يمكن البناء عليها.
وهنا تظهر مفارقة جديرة بالتوقف عندها: قبل أن يتفق السودانيون على مستقبلهم، يبدو أن الوسطاء أنفسهم يحتاجون إلى الاتفاق على كيفية الوساطة.. وهذا ليس بالضرورة أمراً سيئاً. فتعدّد المنابر كان طوال سنوات جزءاً من المشكلة. كل طرف سوداني كان يستطيع، إذا ضاق بمنبر، أن يبحث عن آخر؛ وكل دولة إقليمية وجدت مساحة تدفع فيها بمصالحها ورؤيتها.. لكن التنسيق الدولي لا يصبح فضيلة لمجرد أن عدد المشاركين فيه كبير، فالمعيار الحقيقي هو: هل سينتج تقسيماً واضحاً للعمل، أم مجرد مظلّة أكبر للفوضى القديمة؟!
روسيا والصين تغيّران معادلة الغرفة
وجود روسيا والصين في جنيف يجعل الاجتماع أوسع كثيراً من صيغة الرباعية والخماسية.. الصين تدعو إلى وقف القتال والتنسيق بين جهود الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وإيغاد والجامعة العربية، لكنها تشدد في الوقت نفسه على سيادة السودان ووحدته و”الدور القيادي للسودانيين”، وتُحذّر من الحلول المفروضة من الخارج ومن هياكل الحكم الموازية، كما تتحفظ تقليدياً على توسيع العقوبات بوصفها بديلاً للعمل السياسي. أما روسيا، فموقفها أكثر قرباً من مؤسسات السلطة القائمة في بورتسودان، وقد أكدت في مجلس الأمن أن أي مبادرة تتجاوز تلك المؤسسات أو تضعفها لن تكون، في تصورها، أساساً صالحاً للتسوية، مع تشديد مماثل على السيادة ورفض فرض حلول خارجية.
معنى ذلك أن جنيف لن تكون ببساطة مساحة لتوحيد “المجتمع الدولي” خلف صيغة جاهزة. إنها أيضاً مساحة تفاوض بين رؤى مختلفة لمعنى الشرعية والسيادة والانتقال السياسي نفسه.. وقد يكون ذلك مفيداً إذا انتهى إلى قواعد مشتركة؛ وقد يصبح عبئاً إذا تحولت العملية السودانية إلى امتداد للتنافس الدولي.
الخطر الآخر: أن يُختزل السودان في ملف أمني إقليمي (الأمننة)
التوقيت الإقليمي لا يقل أهمية عن تصميم الوساطة.. اليمن عاد إلى قلب الحسابات الأمنية الخليجية، والبحر الأحمر أصبح أكثر التصاقاً بأمن السعودية ومصر، فيما تصاعدت التهديدات للملاحة والبنية التحتية.. وفي اليومين الماضيين، طلب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تفويضاً برلمانياً يسمح بتقديم دعم عسكري دفاعي للسعودية إذا طلبت الرياض ذلك، على الرغم من أنّه في 19 أكتوبر، أُجّل التصويت البرلماني إلى 26 أكتوبر.
وفي موازاة ذلك، ظهرت منذ أواخر سبتمبر مؤشرات تقارب في العلاقة السعودية-الإماراتية، وارتبط جانب أساسي منها بالحاجة إلى تنسيق أكبر في اليمن.. لكن هذه التهدئة لا تعني تلقائياً أن خلافات البلدين في بقية الملفات، ومنها السودان، قد انتهت.
بالنسبة للسودان، يمكن أن يعمل هذا التحول في اتجاهين متعاكسين.. إذا خُفّفت المنافسات الإقليمية، فقد يصبح من الأسهل الوصول إلى موقف متماسك يوقف الإمداد العسكري للأطراف ويمنح الهدنة فرصة حقيقية.. لكن هناك احتمال آخر: أن يصبح السودان جزءاً من منظومة أمن البحر الأحمر أكثر مما يكون قضية انتقال سياسي ودولة ديمقراطية. عندها تصبح الأولويات: الموانئ، والحدود، والهجرة، والذهب، والملاحة، والحركات المسلحة، وأمن الأنظمة؛ بينما يتراجع السؤال السوداني الأصلي: أي دولة نريد بعد الحرب؟!
السلام يحتاج إلى دول الإقليم، بالتأكيد. لكن الخطورة تبدأ حين يتحول السودان من صاحب القضية إلى موضوع في مساومات الإقليم.!
حين يكون الوسيط صاحب مصلحة
تكشف حادثة المعدّنين السودانيين في الحدود السودانية قرب الحدود المصرية تهذه الإشكالية بصورة مؤلمة.. فمصر عضو في الرباعية وتشارك في الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب؛ وفي الوقت نفسه، وقعت في 10 أكتوبر ضربة جوية دامية استهدفت موقعاً لتعدين الذهب في المنطقة الحدودية، أزهقت أرواح السودانيين وأدّت إلى سقوط قتلى وجرحى، بينما بقيت هوية منفذ الضربة موضع نزاع ولم تُحسم بتحقيق مستقل.. والقوات المسلحة المصرية أعلنت، في السياق نفسه، استمرار حملة ضد التعدين غير المشروع داخل ما تقول إنه الأراضي المصرية، وأشارت إلى تحذيرات سابقة للموجودين في المنطقة؛ لكنها لم تؤكد أو تنفِ بصورة صريحة أنها نفذت الضربة الجوية محل الجدل.
فالمسألة هنا أكبر من النزاع حول رواية واقعة واحدة – مكشوفة للعالم- إنها تطرح سؤالاً مشروعاً حول كيف يتعامل السودان مع دولة يمكن أن تكون وسيطاً وصاحبة مصلحة أمنية وحدودية في الوقت نفسه.. والجواب ليس استبعاد مصر من الدبلوماسية، ولا الانتقال إلى خصومة معها.. لكنه أيضاً لا يمكن أن يكون منح الوسيط حصانة من المساءلة.!
وإذا كان المنهج الأكثر حصانة هو: لا نتهم بلا دليل، ولا نصمت عن الدليل.. فالمطلوب هو تحقيق مستقل، وكشف سجلات العمليات والرادار والطلعات الجوية، وتحديد الإحداثيات والمسؤولية، وضمان حقوق الضحايا. وإذا ثبت استخدام قوة أجنبية بصورة غير مشروعة داخل الأراضي السودانية، تصبح القضية قضية حياة وسيادة معاً.. وهنا تكتسب المظلة الأفريقية أهمية خاصة.. فالسيادة السودانية لا ينبغي أن تتحول إلى مادة صراع ثنائي بين الخرطوم والقاهرة وحدهما، بل إلى مبدأ أفريقي تحميه مؤسسات الاتحاد الأفريقي والقانون الأفريقي لحقوق الإنسان.
“الملكية السودانية” ليست عبارة بروتوكولية
كل البيانات الدولية تقريباً تتحدث اليوم عن عملية “سودانية القيادة والملكية”؛ لكن هذه العبارة تفقد معناها إذا كان تصميم العملية، وترتيب مراحلها، ومعايير المشاركة فيها، وحدود ما يمكن التفاوض عليه، قد حُسمت كلها قبل أن يدخل السودانيون الغرفة.. الملكية السودانية لا تعني فقط أن يتحدث السودانيون في الاجتماع؛ وإنّما تعني أن يكون لهم دور حقيقي في تصميم وهندسة الاجتماع نفسه.. وتعني أيضاً ألا يتم استبدال احتكار العسكريين للعملية باحتكار مدني جديد لها. فالمسار المدني يحتاج إلى أوسع قاعدة ممكنة من القوى المناهضة للحرب وغير المصطّفة مع طرفيها أو الخاضعة لهما، وإلى مشاركة حقيقية للنساء والشباب والمجتمع المدني والأقاليم والفئات التي دفعت الكلفة الأكبر للحرب.
وفي الوقت نفسه، فإن تسمية أي حوار بأنه “وطني” لا تكفي وحدها؛ المعيار هو: هل هو مستقل عن طرفي الحرب؟ هل يملك المشاركون حرية القرار؟ هل يعالج جذور الأزمة أم يعيد ترتيب السلطة داخل البنية التي صنعتها؟! فالعملية السياسية المطلوبة ليست حواراً لإدارة نتائج الحرب، وإنما مساراً لإنتاج دولة لا تعود إليها الحرب بالطريقة نفسها.
الطرق التي يمكن أن تسلكها المرحلة المقبلة
من هنا يمكن تصور خمسة اتجاهات رئيسية:
الأول أن ينجح التنسيق الدولي في بناء مسار متكامل: هدنة إنسانية، وقف قابل للمراقبة للأعمال العدائية، وقف التدخلات والإمداد الخارجي، ومسار سياسي مدني متصل بالأمن من دون أن يخضع له.
والثاني أن تنتج المفاوضات هدنة تجمّد التقسيم: تتوقف المعارك الكبرى، لكن تبقى مناطق السيطرة والمؤسسات الموازية على حالها إلى أن يصبح المؤقت دائماً.
والثالث أن تنضج تسوية إقليمية بين العواصم المؤثرة قبل اكتمال التوافق السوداني، فيتحول دور السودانيين إلى تعديل صفقة صُنعت من دونهم بدلاً من صناعة السلام بأنفسهم.
والرابع أن تتغلب الاعتبارات الأمنية (الأمننة) في البحر الأحمر والإقليم على الاعتبارات السياسية، فتُختزل الأزمة في البحث عن «الاستقرار» ولو على حساب طبيعة الدولة التي ستنتج بعد الحرب.
والخامس، وهو الأسوأ، أن يستمر كل شيء كما هو: منابر متعدّدة، وحرب متعدّدة الرعاة، ومدنيون متعدّدون، وكل طرف ينتظر أن تغير الجبهة ميزان التفاوض لصالحه.
وفي 16 أكتوبر، حذّرت الأمم المتحدة مجلس الأمن من أن القتال ما زال يتسع في كردفان والنيل الأزرق، وأن الضربات الجوية والمسيّرات تواصل تعريض المدنيين للخطر، وأن التدخل الخارجي يظل واحداً من عناصر إطالة الحرب.. أي أن نافذة الدبلوماسية لا تُفتح في فراغ؛ إنها تُفتح بينما تستمر الحرب في صناعة وقائع جديدة كل يوم.
السلام ليس اجتماعاً
لهذا ينبغي ألّا نقيس نجاح أديس أبابا بعدد من حضروها، ولا نجاح جنيف بطول البيان المشترك الذي قد يصدر عنها.. الاختبار الحقيقي أبسط وأصعب: هل ستتفق القوى الدولية والإقليمية على من يفعل ماذا؟! هل يُعزل العمل الإنساني عن الابتزاز السياسي؟! هل يصبح وقف النار قابلاً للمراقبة والتنفيذ، لا مجرد إعلان؟! هل يتوقف الدعم الخارجي الذي يعيد تعبئة الحرب كلما قاربت الذخيرة على النفاد؟ّ! هل يُمنع ميزان القوة العسكرية من التحول إلى معيار للشرعية السياسية؟! هل يثبت أيّ اتفاق بوضوح أن خطوط وقف النار لا تنشئ حدوداً ولا دولاً جديدة؟! وهل يستطيع السودانيون—ليس الوسطاء وحدهم—أن يقرروا أيّ دولة يريدون أن تخرج من تحت أنقاض هذه الحرب؟!
هذه هي الهندسة التي يحتاجها السودان.. ليس مؤتمراً يضع الإنساني والعسكري والسياسي في وعاء واحد، ولا سلسلة من المنابر المتنافسة، ولا صفقة إقليمية تُمنح لاحقاً اسماً سودانياً؛ بل سلام واحد، بثلاثة مسارات؛ تتكامل من دون أن تبتلع إحداها الأخرى.
فالسلام يحتاج إلى الإقليم، لكن لا ينبغي أن يصبح ملكاً للإقليم؛ ووقف الحرب يحتاج إلى التفاوض مع حملة السلاح، لكن حمل السلاح لا يمنح أحداً ملكية الدولة؛ والتنسيق الدولي مطلوب، لكن كثرة الوسطاء لا تصنع السلام ما لم يكن بينهم اتفاق على الوظائف والحدود والمسؤوليات.. أما السودانيون، فمهمتهم الأصعب ليست فقط أن يطالبوا العالم بوقف حربهم، بل أن يمنعوا أيضاً أن يكون الثمن تثبيت الحرب في شكل جديد.
ذلك هو الفارق بين وقف إطلاق النار وصناعة السلام.. وبين تسكين الحرب، وبناء الدولة التي تجعل عودتها أقل احتمالاً.





