قراءة نقدية في تحالفات القوى السياسية السودانية وتناقضات المشهد المدني

عطب في الذاكرة

بشير بدوي

أولاً: اشتراطات المشاركة ومفارقات التحالف

في اللقاء الذي جمع الخماسية ومجموعة «صمود»، نُقل عن نائب رئيس «صمود»، في حديثه لقناة العربية، أنهم اشترطوا أن تُحدَّد المشاركة من خلال ثلاث مجموعات، من بينها «صمود» والكتلة الديمقراطية.

فلنتوقف عند هذا الشرط، ولنحلّل ما تنطوي عليه هذه المطالب من تناقضات سياسية، وما تثيره من أسئلة حول طبيعة التحالفات التي يجري العمل على تشكيلها.

ثانياً: الكتلة الديمقراطية وذاكرة المواقف السياسية

ألم تكن الكتلة الديمقراطية، في نظر خصومها، من القوى التي تآمرت على قوى الثورة، وساعدت في انقلاب 25 أكتوبر، ولا تزال مواقف بعض مكوناتها موضع انتقاد بسبب موقفها من الحرب؟

فكيف يُؤتمن من خان، وفق هذا التوصيف السياسي، دون مراجعة لمواقفه السابقة؟

إن الخلاف هنا لا يتعلق بمجرد مواقف سياسية عابرة، بل بطبيعة القوى التي يُراد أن يُبنى معها مشروع للتحول المدني الديمقراطي. فقد كانت هذه القوى، أو بعض مكوناتها، جزءاً من المشهد الذي تشكّلت في إطاره قوى الحرية والتغيير (قحت)، قبل أن تتباين المواقف وتتقاطع المصالح.

وهنا يبرز السؤال: هل كان ذلك التباين نابعاً من اختلاف حقيقي في الرؤى والبرامج السياسية، أم أن المصالح المتقاطعة، بما فيها الاعتبارات العرقية والسياسية، أسهمت في تشكيل التحالفات وتفكيكها؟

وكيف يمكن بناء تحول مدني ديمقراطي على أرضية تعاني اختلالات في التعامل مع التعدد والتنوع الإثني والجغرافي والثقافي والسياسي؟

ثالثاً: أردول وتناقضات الممارسة السياسية

ألم يروّج بعض قيادات قوى الحرية والتغيير لعودة مبارك أردول إلى المشهد السياسي، في خطوة أثارت تساؤلات حول طبيعة الحسابات التي تحكم مواقفهم؟

ألم يكن ذلك، في جوهره، تعبيراً عن خلل في التفكير السياسي، وعن تصورات مرتبكة في إدارة التوازنات داخل التحالف؟

لقد بدت تلك الخطوة، في نظر منتقديها، مناقضة للبرامج المعلنة لقوى الحرية والتغيير، التي رفعت شعار تجميع القوى المدنية والعمل من أجل الانتقال الديمقراطي.

فلنجرِ حساباً سياسياً لهذه الخطوة، ولنطرح الأسئلة الآتية: هل ساعدت في فرض أردول على المشهد السياسي؟ وهل أسهمت في دعم التحول المدني الديمقراطي؟ أم أنها جاءت بنتائج مناقضة لذلك الهدف؟

إن مراجعة النتائج ضرورة سياسية، لا سيما عندما تتعارض الممارسة مع الشعارات المعلنة.

رابعاً: تأسيس والتحالفات التي تثير الأسئلة

أما الإصرار على أن يكون «تأسيس» طرفاً مهماً في أي عملية سياسية، في ظل ارتباطه بأحد أطراف الحرب، فيطرح سؤالاً جوهرياً: أين المعالجات الفكرية والسياسية والتنظيمية التي تضمن عدم إعادة إنتاج الأزمات نفسها؟

إن غياب هذه المعالجات يجعل قراءة البنية التنظيمية قراءةً قاصرة، خصوصاً عندما تتداخل الروابط التنظيمية مع الانتماءات القبلية والجغرافية، دون إدراك كافٍ لتداعيات ذلك على المشروع الوطني.

ولنأخذ مثالاً على ذلك: كيف يمكن التعامل مع الباشا طبيق، في ضوء ما يُثار حول خلفيته وعلاقاته السياسية السابقة، ولا سيما ما يُتداول بشأن صلته بالحركة الإسلامية ودوره في تحركاتها السياسية؟

كيف يمكن التوفيق بين هذا النوع من التحالفات وبين الخطاب الذي يطالب بإخراج الحركة الإسلامية من المشهد السياسي؟

أليس في ذلك تناقض يستوجب المراجعة؟

خامساً: الحركة الإسلامية وتعدد واجهاتها السياسية

إن دخول شخصيات ذات خلفيات إسلامية إلى تحالفات جديدة يثير سؤالاً آخر: هل يعني تغيير الموقع السياسي بالضرورة حدوث تحول فكري وتنظيمي حقيقي، أم أن الأمر قد يكون مجرد انتقال من واجهة سياسية إلى أخرى؟

لقد شهد المشهد السوداني، عبر مراحل مختلفة، حضور شخصيات وتيارات ذات خلفيات متباينة، وتداخلت العلاقات السياسية والتنظيمية بينها بطرق تستوجب الفحص والتحليل.

ومن هنا، تبرز أسماء مثل الباشا طبيق، وبركة، الذي شغل منصب والي غرب كردفان، وحسبو عبد الرحمن، نائب الرئيس السابق عمر البشير. ويستدعي ذكر هذه الأسماء بحث طبيعة العلاقات والتحالفات التي تربط الشخصيات والتيارات المختلفة، ومدى تأثيرها في تشكيل المشهد السياسي الراهن.

كما يبرز سؤال آخر يتعلق بعزت الماهري، وبما أُثير حوله من مواقف وتحالفات، في سياق الجدل بشأن العلاقة بين الفاعلين السياسيين والعسكريين.

إن المطلوب ليس الاكتفاء بتصنيف الأشخاص وفق انتماءاتهم السابقة، وإنما فحص مواقفهم الراهنة، وشبكات علاقاتهم، ومدى اتساق ممارساتهم مع أهداف التحول المدني الديمقراطي.

سادساً: القبيلة والسياسة وحدود المشروع المدني

ما قراءتكم لانحيازات القبيلة التي اجتاحت الفضاء السياسي؟ وهل يستلزم هذا التمدد القبلي في المجال السياسي تجميع القوى المدنية الديمقراطية واستبعادها تحت لافتة «الإغراق السياسي»؟

أم أن الأمر يتعلق، في بعض الحالات، بضيق الأفق السياسي وعدم الاستعداد لقبول مشاركة الآخرين في رسم ملامح الدولة السودانية؟

إن بناء الدولة السودانية لا يمكن أن يتحقق بإقصاء القوى المدنية، ولا باختزال السياسة في الولاءات القبلية أو المصالح الضيقة. بل يتطلب إطاراً وطنياً جامعاً يضمن المشاركة، ويؤسس لمستقبل أفضل، ويضع التحول المدني الديمقراطي في صدارة الأولويات.

وفي هذا السياق، تبرز تساؤلات بشأن ما يتعرض له نقد في نيالا، وما إذا كانت بعض الوقائع المتداولة تدخل ضمن تدابير سياسية تستهدف التأثير في المشهد العام. كما يقتضي الأمر النظر في الوقائع المرتبطة بما يُشار إليه بمظاهرات «غرزة»، ودلالاتها في الاستخدام السياسي للمصطلح، فضلاً عن قضية سجن دقريس وما تثيره من أسئلة.

إن التعامل مع هذه الوقائع يتطلب معلومات دقيقة، وتحليلاً موضوعياً، بعيداً عن الاكتفاء بالتأويلات أو إطلاق الأحكام دون أدلة.

سابعاً: هل يكفي تغيير الواجهة لعزل الحركة الإسلامية؟

ما الصيغ السياسية والتنظيمية التي يمكن من خلالها التمييز بين الإسلاميين المنتمين إلى مشروع «تأسيس» وأولئك المرتبطين بالحركة الإسلامية؟

إن هذا السؤال ليس جديداً، فالتجربة السياسية السودانية مليئة بالنماذج التي انتقلت فيها الشخصيات بين التحالفات والمواقع المختلفة، مع استمرار بعض الروابط التنظيمية والفكرية.

ومن الأمثلة التي تستحق الدراسة الحاج آدم: ألم يكن جزءاً من التجمع الوطني الديمقراطي؟ وما طبيعة مواقفه اللاحقة من قوى الحرية والتغيير؟ إن تتبع هذه المسارات يساعد على فهم التحولات في الولاءات السياسية، وما إذا كانت تعكس مراجعات فكرية حقيقية أم مجرد تبدلات في المواقع والتحالفات.

فالعضو المنتمي إلى تنظيم سياسي لا يتحرك بالضرورة بمعزل عن شبكاته الداخلية؛ إذ قد تربطه بالتنظيم علاقات اقتصادية وأخلاقية وتنظيمية وغيرها، وقد تؤثر هذه الروابط في استقلال قراره السياسي.

وإذا كانت هناك ملفات أو مصالح متبادلة تُستخدم للضغط على بعض الأفراد وإلزامهم بالطاعة، فإن ذلك يستوجب بحثاً جاداً في طبيعة هذه الشبكات ومدى تأثيرها في المواقف السياسية، دون تعميم الاتهامات على الجميع.

ثامناً: الخطاب الديني والتعبئة السياسية

لقد استُخدمت، في مراحل مختلفة من الصراع السياسي السوداني، خطابات دينية وتعبوية لتبرير مواقف سياسية، ولتشكيل تصورات معادية لقوى الحرية والتغيير قبل انقلاب 25 أكتوبر.

ومن هنا، تبرز أهمية مراجعة الخطابات والمواقف التي رُوّجت في تلك المرحلة، وفحص مدى ارتباطها بمشروعات سياسية وتنظيمية محددة.

ويمكن الرجوع إلى الحوارات التي أُجريت مع عدد من الفاعلين السياسيين عبر قناة العربية الحدث، ومقارنتها بمواقفهم السابقة واللاحقة، للوصول إلى قراءة أكثر دقة لمساراتهم السياسية.

فالمعيار الحقيقي ليس الاسم أو الواجهة أو الخطاب المعلن، وإنما الموقف من الحرب، والالتزام بالديمقراطية، واحترام التعدد، والاستعداد لقبول التداول السلمي للسلطة.

إن من يرفع شعار التحول المدني الديمقراطي مطالب بأن يجعل هذا الشعار أساساً لممارسته السياسية، لا مجرد وسيلة لتبرير تحالفات متناقضة.

ونواصل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى