المصور ساري عمر لـ”أفق جديد”: العالم رأى حرب السودان كما هو يريد ليس كما هي في الواقع

شهداء الحروب من كل الأطراف المقاتلة والأطباء والنساء اللائي عايشن الحرب والمباني التي كانت تشكل ملامح الخرطوم، جميعهم ظلموا في التوثيق خلال هذه الحروب

في مسرح النزاعات والحروب ومن قلب الفوضى التي تتناثر فيها الحقيقة وتتضارب الروايات، يصبح التوثيق أداة لحفظ الذاكرة وضرورة لا رفاهية ووسيلة لحماية الحقيقة من النسيان، حيث لا يكتفي بتسجيل لحظات العنف بل يتعداها لتأثير ذلك على تفاصيل الحياة اليومية التي يعيشها الناس، وفي وجوه الناجين المرعوبين وملامح المدينة التي اكتسحها القبح، ويظل المصور في هذا السياق وحده من يحمل هذه المسؤولية المزدوجة، إلا أن هذه المهمة تصبح في بعض الأحيان من المستحيلات، وينطوي التأريخ على لحظات مهمة يلفها النسيان ويُظلم الإنسان كما تُظلم المباني التي كانت شاهداً على المدينة. وفي هذه الزاوية من “أفق جديد” نقترب من تجربة المصور ساري عمر شاهداً بعدسته يوثق مصارعة المجتمعات لدورات الحروب والنزاعات.

حوار: رحاب فضل السيد

من هو ساري المصور الصحفي، نشأته وتعليمه واهتماماته بالتصوير

نشأت كابن مغتربين متنقل بين أماكن مختلفة، أحمل شظايا من الطقوس السودانية والقصص والصمت، جعلت من التصوير الفوتوغرافي وسيلتي لجمع هذه الشظايا معاً، لا أُصوّر لحفظ الجمال فحسب، بل لأُكرّم الصمود، والمهمشين، ولأقاوم النسيان. أتنقل بين الممارسة الوثائقية والسردية، مُزاوجةً بين الملاحظة الدقيقة والتأمل الشعري. كل صورة هي دليل واستعارة في آنٍ واحد، وصدى الهجرة، تنبثق مشاريعي من التعاون، والثقة، والحوار مع المجتمعات التي تُصارع دورات الحرب، والمنفى، والعودة، أسعى إلى تجسيد بقاء الإنسان، لا لإظهار الفقدان فحسب. التصوير الفوتوغرافي بالنسبة لي، فعل سياسي وعاطفي إنه شهادة ضد العنف، وبادرة نحو التعافي و في كل صورة، أتساءل: كم مرة يجب أن تتكرر الذاكرة قبل أن تصبح جماعية؟ كيف يمكن للصور أن تربط بين الثقافات، وتُعلي من شأن البقاء، وتفتح المجال للحوار؟ فممارستي للتصوير محاولة مستمرة للإجابة على هذه الأسئلة.

لماذا اخترت توثيق الحروب والنزاعات؟

وجدت نفسي في هذا المجال بالصور التي صورتها، خاصة صورة التقطتها في العام 2013 لأطفال يقفون أمام منزلهم المنهار بسبب السيول في معسكر للنازحين في دارفور استُخدمت الصورة لاحقاً في حملة “مبادرة نفير”. إلى جانب ذلك شح المصورين المهتمين بتوثيق القضايا الإنسانية، فضلاً عن ذلك حاولت تغيير الزوايا المشوهة التي يبرزنا بها الأجانب في تصويرهم للإنسان السوداني.

حدثنا عن مشروعك حول التوثيق في زمن التغيير؟

هو مشروع الحياة، نظراً للتغيير المستمر في حياتنا اليومية، سوى كان تغيير سياسي أو ديمغرافي، أو في المدينة، وكنت خلال السنوات العشرة الأخيرة ألاحظ التغيير الظاهر في العاصمة الخرطوم من أنفجار سكاني وفوضى في الشوارع كانت بمثابة فوضى بصرية ظاهرة من خلال مشاهد وتغييرات مؤلمة حولت المدينة إلى قرية وكلها كانت دافع لتوثيق هذا التغيير لكن للأسف فقدت هذا الإرشيف بسبب الحرب.

ما أول مشهد حرب صورته وما الذي بقي عالقاً في ذهنك منه؟

صورت الحرب في دارفور وكردفان وكاودا وكادولقي لايوجد أبشع من تصوير الموت، ولا أنسى صورة التقطتها لـ”جمجمة طفل” دعستها برجلي عند نزولنا في الطريق من كبكابية إلى جبل مرة، أيضاً من الصور المؤلمة العالقة في الذاكرة الصورة التي التقطها المصور الجنوب إفريقي جيفن كارتر لطفل في جنوب السودان يصارع الحياة وحوله صقر ينتظر موته للقضاء عليه، رأيت هذه المناظر في دارفور وتساءلت هل يمكن أن يتكرر ذلك في السودان، لكن للأسف تكررت هذه المشاهد.

كيف تعرف أن هذه اللحظة يجب أن تُصوَّر؟

أحياناً كثيرة أتوقع اللقطة وانتظرها، فالتصوير يمنحك ملكة التوقع والتحليل الحركي للأشخاص، ومن الصور التي انتظرت تصويرها هي صورة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك في كاودا عند لقائه بعبد العزيز الحلو، أنا فخور بإلتقاط هذه الصورة التي تداولتها كل وسائل الاعلام العالمي وعبّرت عن لحظة تأريخية مهمة لاتزال رمزيتها مؤثرة في السودان.

هل هناك صور التقطتها وندمت عليها؟

أنا فخور بكل صوري التي وثقتها

في اعتقادك ما الفئات التي تشعر أنها ظُلمت من التوثيق أثناء الحروب؟

الشهداء في المجموعات المتقاتلة، وتظل القوات المسلحة هي رمزية البلد وربما لحساسية الموقف لم يجد صغار الجنود الذين استشهدوا خلال هذه المعارك من يوثق لهم، أنا أرى أن هذه الفئة ظلمت في التوثيق ويجب أن يعرفهم الناس مع ضرورة إعادة النظر في كيفية التوثيق لهم باعتباره تأريخ يجب أن يُحكى ويوثق، هذا على الرغم من موقفي الرافض للحرب والداعي لوقفها، بجانب ذلك عدم التوثيق للأطباء والنساء الذين عايشوا الحرب، والمباني التي تمثل رمزية الخرطوم وأفقدتها ملامحها لم تجد من يوثق لها خلال هذه الحرب بسبب قيود التصوير أثناء الحرب وقلة التدريب على التصوير في مناطق النزاعات والحروب.

كيف يتعامل الناس مع الكاميرا في لحظات الخوف أو الفقد؟

أنا مثلاً عندما أمسك بالكاميرا للتصوير “مابسمع” وهذه خطورة بالنسبة لي في مسرح النزاعات

هل سبق أن وضعت الكاميرا جانباً لمساعدة شخص؟

عدد من المواقف أضطرتني لوضع الكاميرا وأساعد الناس وفي واحدة من المهمات تعطلت العربة وتفرغنا جميعاً للحفر وإخراج العربة، السودان ربّانا على مد يد المساعدة، لكن في مواقف النزاع أنا ملتزم بمهمتي في التصوير فقط حتى لا أحسب على طرف.

كيف أثّرت مشاهد الحرب عليك شخصيًا؟

آخر صورة التقطتها من الخرطوم قبل الحرب كانت لمطار الخرطوم، بانوراما نادي ضباط القوات المسلحة، وعندما شاهدت صور المطار بعد إندلاع الحرب أحسست بقبح الحرب لأنني كنت اراهن على جمال السودان والخرطوم.

كيف تختلف حرب السودان الدائرة الآن عن الحروب السابقة؟

شاهدت حروب في العالم ومناطق خاضت حروب، لكن لم أر مثل ماحدث في السودان، فهي دمار شامل للبيئة والأخلاق.

ما التفاصيل الصغيرة التي لم تلطقتها نشرات الأخبار؟

القنوات الإخبارية التي غطت الحرب في السودان لم تنقل الأخبار بل عكست رأيها الشخصي، غابت التغطيات ذات الطابع التحقيقي حول تدمير المخزون الثقافي السوداني في المتاحف القومية، وإرشيف السودان بوزارة الثقافة. كلنا قصّرنا في التوثيق لحرب السودان.

بصفتك مصور هل تعتقد أن العالم رأى الحرب الحالية كما هي؟

العالم رأى حرب السودان كما هو يريد ليس كما هي واقع

ما الصورة التي تلخص لك معنى الحرب السودانية؟

صورة منزلي والمتحف القومي بالسودان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى