نصوص .. ذاتُ وجهٍ أخضرَ لَزِج

 عادل يعقوب أحمد نور

الحيرةُ والحزنُ يعصرانك عصارةَ الخوف والخذلان.

الصحوُ حالةٌ معلّقةٌ بين التراخي والانتباه، يطلُّ عليك بوجهه الأخضر اللزج ليقول:

أنت الآن مِلْكي.

هذه الشاشاتُ تنفّذ ما أريد،

والقوةُ الغاشمةُ تخرج من تحت سترتي،

وهذه الضوضاءُ صنعتها أكتافي.

ثم يصرخ:

من أخرجكم من حظيرتي أيها الجرذان؟!

قالت حفرةٌ على الأسفلت:

الماءُ غسلني من دنس عجلات السيارات، وعمّقني حتى صار الحديدُ يتجنبني.

العتمةُ هي الطريق الوحيد للوقوع في حبائلي،

فالمدينةُ العاهرة لا تتطيّب لمن يضاجعها.

الموتُ يكمن خلف فوهات البنادق،

وتحت عجلات الـ«تاتشر»،

وعلى أعمدة الإنارة،

وتحت شرفات المدينة،

وعلى قارعة الطريق.

رائحةُ الموت تملأ المقاعدَ والجنبات،

وجوالاتِ السابلة،

وضفافَ النهر العتيق.

العسسُ الانقلابيون لا يكلّون عن سرقة أحذية المصلين،

ومكبراتِ الصوت فوق المآذن.

من سلب الطمأنينة من مدينتي،

ثم تفضّل علينا بالخبز الحاف،

وأمرنا أن نسبّح بحمد ملكه الأخضر اللزج؟

يعود الصوت ليهمس:

أنت الآن مِلْكي،

وهذه الطرقات تؤدي إلى قصري.

وحدي أملك تفاصيل الحقيقة،

وغيري أعمى، مهما أصغى، لن يفهمني.

قالت ستُّ الشاي:

السكرُ لم يعد طيبَ المذاق،

والبُنُّ اكتسى لون الاحتراق.

غنّت «الشرقر» أغنيةَ الخروج الكبير،

وتراقصت الفناجين جزعاً من طعم الزنجبيل،

والملاعقُ تمارس المبارزة على حواف الصواني.

في تلك اللحظة خرج العودُ الأخضر اللزج ليقول:

أنا من هندس هذا الارتباك،

وأنا من صاغ هذا القلق.

في الهزيع الأخير من الليل،

يظهر المذيعُ الشاحب اللزج على الشاشة ويقول:

أنت الآن في نهاية الحفل الراقص.

وقع عليك الاختيار لمراقصة المومس الثملة،

أو الجلد حتى السكر،

وأنت تفاوض للخروج بأقل الخسائر.

العسسُ السكارى يقهقهون فرحاً بابتذالك المرضي لبذاءاتهم.

أن ترقص حتى السكر،

أو تُجلد حتى الثمالة،

فالأمر ليس لك.

في الشارع المفضي إلى وسط المدينة،

تتقافز لمباتُ الإنارة جذلةً بانقطاع التيار.

أغمضت عينيها،

وتركت القمامة تمارس فوضى التمدد على الأرصفة وجنبات الطريق.

رائحةُ العفن والتحلل تحتل أنفك،

وأنفاسك تكابد من أجل ذرة أوكسجين لم يخامرها العطن.

الطريقُ الأخضر اللزج يتشبث بحذائك البالي،

ويقودك إلى درب الوداع.

حذاؤك البالي يوزع خطواته المتعبة بالتساوي على الأسفلت الشاحب اللزج،

ويتمطى فوق قدمك المتشبثة بالطريق جزعاً من رائحة الجورب المهترئ.

هل هذا أنت،

المصلوب على أستار التوجس والظنون؟

هل هذا أنت؟

هل هذه الأكفان قادرة على ستر عورات الموتى؟

الأكفانُ لم تعد ناصعة البياض،

بل صارت ذات لونٍ شاحبٍ لزج.

الناسُ لم يعودوا بشراً من لحمٍ ودم،

بل صاروا مجرد أرقام.

وعندما يعلن المذيعُ الشاحب اللزج رقمك،

عليك أن ترتدي كفنك الشاحب اللزج،

وتمضي إلى مخدعك الأخير.

فالموتُ صار حالةً من اللزوجة،

تفضي إلى غياب الدهشة،

وانطفاء الرغبة في البكاء.

الموتُ صار حالةً من التفرد المؤدي إلى الصمت والانعتاق،

وأنت في سكونك البرزخي اللزج.

لكن…

من أيِّما كُوّةٍ يأتي  الضوء الهارب من خيوط الفجر؟

 ليرسم هندسة الخلاص،

ويفضح زيف لمبات الإنارة المتواطئة مع العتمة؟

من أين يأتي ليطارد رائحة العفن والتحلل،

ويهدي إلى الأرض السلام؟

 

أم درمان25 أكتوبر 2022

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى