الحكامات .. يصنعن السم ويمتلكن الترياق

نمارق الجاك
هناك نساء لا يعرف كثيرون أسماءهن خارج مجتمعاتهن، لكن أثرهن يتجاوز حدود القبيلة والقرية. نساء يصنعن القيم الثقافية ويشكلن الوجدان الجمعي عبر الشعر والغناء. في هذا الهامش الثقافي الذي تحول فيه الفن أحياناً من أداة للتعبير الإنساني إلى سلاح رمزي، تبرز شخصية الحكامة، في مقابل الرجل المعروف بالهداي. كلاهما يمتلك سلطة الكلمة الشفاهية؛ سلطة تستطيع التحريض على الحرب كما تستطيع صناعة السلام.
الحكامات – جمع حكامة – هن شاعرات ومغنيات ينحدرن من مجموعات محددة تُصنف “عربية” (بدوية/رعوية) في إقليمي دارفور وكردفان. هكذا توثق الباحثة عزة أحمد عبد العزيز في متحف صون تراث السودان الحي.
في غرب السودان، لا يُنظر إلى الغناء التعبوي المرتبط بالنزاعات القبلية بوصفه مجرد فن. فالأغاني التي تؤديها الحكامات تترك أثراً مباشراً على السلوك الجمعي عبر التحميس والتحفيز والتعبئة العاطفية. وقد برز هذا الدور بوضوح خلال النزاع الحالي في السودان، حيث لعبت بعض الحكامات دوراً ملموساً في تحفيز مقاتلي الدعم السريع، وهو ما يعكس خطورة توظيف الخطاب الغنائي في إذكاء العنف وتكريس الانقسام المجتمعي، بحسب ما ورد في تقرير “سلاميديا” بعنوان “أغاني حرب 15 أبريل”.
وسط هذا المشهد تظهر مريم ألم، وهي حكامة توحي شدتها حتى من لقبها. تقف مريم منحازة إلى صف الدعم السريع، وتردد كلماتها بحماس واضح:
“هي الشيوخ مع العمد شيلو السلاح أبردوا لي قلبي، كلام الناس دا أثرني.”
إنها دعوة صريحة للفزع والنصرة
تحكي مريم قصتها بصوت امرأة فقدت أبناءها الثلاثة وأبناء أختها في الحرب. وتقول إنهم رحلوا وهم يحاربون “أم كعوكات”. ثم تضيف شارحةً المعنى الذي تمنحه لهذا الوصف
“أم كعوك دي آفة بتقضي على السمسم، بتخليهو سيقان.”
عندما سألتها: ما الذي يدفعك للسير في هذا الطريق؟
جاء ردها سريعاً، وكأنه جواب محفوظ منذ سنوات:
“الظلم والتهميش. نحن من قمنا ماشين في الخلاء دا. ناس دواس. لكن الحرب كملت الصبيان.”
ثم تستعيد ذكرى قديمة من أيام كانت ترافق المقاتلين في معارك كردفان.
تقول إنها في أحد الأيام قالت شعراً في صراع أشبه بالمصارعة، وغنت:
“شوفوا ليهو منيعة… الزول دا ما صريعة.”
الرجل الذي تغنت به انتصر على خصمه وألقاه أرضاً. أما الخاسر فانتظرها قرب مدخل الحلة، وضربها بعصا حتى سقطت على الأرض.
تضحك بمرارة وهي تستعيد الحادثة، ثم تتساءل:
“كيف بقدر أغني للسلام؟ يمكن أموت. الضمان أغبش.”
تختلط في حديث مريم مشاعر الفقد بالخوف والانتماء القبلي. فهي أم ثكلى، لكنها أيضاً وريثة تقليد قديم.
تقول:
“حبوبتي كانت حكامة قاطعة.”
ثم تروي واحدة من القصص التي سمعتها عنها. كان قدح جدتها في الهجاء حاداً حتى إنه “يطلع الضرا ما فيه ملامح لحم”. وفي أحد الأيام جاءها العمدة زائراً، فقالت له:
“ملامحك ما فيها شرموط.”
فسألها عن السبب.
أجابته:
“البقر شالهم يوسف كوة.”
كان وقع الكلمات قاسياً. غضب الرجل غضباً شديداً، وجمع ثلاثة آلاف شاب وقرر مقاومة يوسف كوة.
على بعد آلاف الكيلومترات من تلك البادية، يجلس أحمد، وهو شاب من بادية الكبابيش في كردفان يقيم اليوم في هولندا. بالنسبة له، لا يقتصر دور الحكامة على التحريض أو الحماسة.
يقول:
“الحكامة بتقول شعر الحماسة، وبتوثق الأحداث عن طريق المداولة الشفاهية، وبتنقل الأخبار في شكل شعري.”
لكنه يعترف أيضاً بأن لهذا الدور وجهاً آخر.
يروي أن خالته اتصلت به ذات يوم تنشد الفزع
قال لها إنه يحب الحياة، وإنه يدعم قبيلته بأي شيء غير القتال.
فجاءه الرد قاسياً:
“الرجال كلهم بموتوا إلا إنت.”
كان هجاءً لاذعاً
بعد فترة عادت للاتصال به، هذه المرة لتخبره بزواج ابنة عمه من رجل غريب، محاولةً دفعه للعودة
رفض
قال لها إنه لن يتزوج قاصرة بعدما نال حظه من التعليم
عندها أطلقت فيه شعراً وصفه بالمزعج.
لكنه لم يبدِ اهتماماً.
يقول
“كانت قد فقدت أعمامي وأبناءهم.”
ولكي يخفف عنها قال لها:
“سأعود حينما ينتصر الدعم السريع.”
قالها فقط علّها ترضى.
وعلى الجانب الآخر من المشهد تقف شادن محمد، المعروفة بلقب “القردود”، بوصفها الوجه الآخر للحكامة؛ الوجه الذي اختار السلام.
اشتهرت شادن برسائلها الداعية إلى التعايش ونبذ العنف، لكن المفارقة أن الحرب نفسها أنهت حياتها. ففي مايو 2023 أصابتها رصاصة داخل منزلها بأم درمان.
أثار مقتلها تفاعلاً واسعاً.
عرفها الناس من خلال زيها وكلماتها وإيقاعاتها. ولدت في أبو زبد بغرب السودان، ودرست التجارة، ثم تنقلت بين كردفان ودارفور تتتبع أثر الأغاني الشعبية، حتى أصبحت تُعرف بوصفها باحثة في التراث الكردفاني
كانت ترى أن دور الحكامة يجب أن يتجه نحو تعزيز قيم السلام لا الدعوة إلى الحروب
وقالت في أحد أحاديثها:
“الحكامة هي التي تأتي بالمحبة والسلام، وتفتخر بجزّورها، وتهجو من أخطأ، وتزرع فينا حب الوطن والتراب.”
وأضافت
“ليست حماسة الحروب ولا سفك الدماء. هذه ليس دوراً إنسانياً. فقط الاستقرار والسلام والمحبة هدفي وواجبي تجاه أهلي.”
كما كانت تؤكد أن إنسان كردفان ودارفور يحتاج إلى الاستقرار، وأن غيابه يعني مزيداً من الموت، وقلة الطعام والشراب، وشح الأرض، وانعدام التعليم والصحة.
هكذا وثقت “اندبندنت عربية” قصتها في تقرير بعنوان: “شادن غنت للسلام وقتلتها الحرب”، للكاتب حاتم الكناني.
ويرى الكاتب الصحفي علي تونجا أن للحكامة أدواراً أخرى تتجاوز الغناء والحماسة.
يقول إن الحكامة تلعب دوراً في المجتمع عبر إلغاء سرديات الأطراف المتصارعة وإعلان سرديتها الخاصة بوضوح. فهي إعلامية بطريقتها، وتمتلك دوراً في التصالح ونبذ الكراهية من خلال الفن والتفاعل مع التراث والقيم والمعاني التي ترسخ للسلام.
وفي البيئات التي تتجاور فيها قبائل مختلفة، تستطيع الحكامة أن توحد الوجدان عبر الطقوس المشتركة، وأن ترسخ سردية تؤثر في النسيج الاجتماعي.
ويضرب مثالاً بحكامة غنت قائلة:
“البرهان مع حميدتي ولعتو النار
قتلتوا لينا عيال
أنا بلغت انتظار
لقائد القيادة في شهر رمضان الكريم
محرم فوق الدواس
قتلتوا لينا عيال.”
وهنا لابد من الإشارة لكتاب الباحثة سعاد مصطفى الصادر عام 2019 ” المعنون صقور وحمائم: الصراع المسلح في السودان وحالة الحكامات في دارفور”.
وتشير فيه إلى أنه لا يوجد تاريخ محدد لظهور الحكامات في السودان، إلا أن وجودهن ارتبط بدخول القبائل العربية، وهو تاريخ غير محسوم. وتؤكد أن الحكامات يمثلن مكوناً ثقافياً أصيلاً ضمن القبائل العربية البقارية في دارفور وكردفان، وأنهن يقمن بأدوار في الحرب والسلم معاً، فضلاً عن كونهن مؤسسة تقليدية ومنظومة اجتماعية وثقافية وسياسية متكاملة.
لكن السؤال يبقى مفتوحاً:
كيف يمكن فهم هذه العلاقة المعقدة بين الفن والصراع والتوثيق للذاكرة الثقافية؟
وكيف يمكن قراءة هذا الإرث في ظل قلة الأدبيات التي تناولته من زاوية اجتماعية وثقافية، وربطت بين التراث والثقافة السياسية؟
أسئلة تدفع إلى استبعاد فرضية العفوية الشعبية الخالصة، خصوصاً أن بعض هذه الأنشطة يحصل على تمويل ممنهج.
إنها ازدواجية حادة؛ فالكلمات نفسها التي تستطيع إشعال الحرب يمكن أن تصبح أداة للتعايش. وهي ازدواجية تدعو إلى إعادة النظر في الدور الذي يجب أن تلعبه الفنون: هل تكون جسراً للسلام أم أداة لترسيخ العسكرة والاحتراب؟
وفي ظل كلمات مريم وغيرها من الحكامات، تتجدد الأسئلة ذاتها: هل تهجو مريم السافنا لأنه عاد إلى حضن الوطن كما يرى البعض؟ أم لأنه هارب في نظر مجموعات قبلية وإثنية ترى في الدعم السريع منقذاً من ما اصطلح على تسميته بدولة 56؟
أسئلة لا تزال مفتوحة، تماماً كما يبقى صوت الحكامات معلقاً بين قدرتين متناقضتين: صناعة السم، وامتلاك الترياق.





