ما الذي لم يقله سوار الذهب للتاريخ؟

إبراهيم هباني
أصبح اسم المشير عبد الرحمن سوار الذهب، في الوعي العربي، مرادفاً لفكرة “العسكري الذي سلم السلطة”. ولعقود، احتفى الإعلام العربي والكتاب والساسة بتجربته، وقدموها باعتبارها النموذج النادر لجنرال أوفى بوعده، وغادر القصر بإرادته، مسلماً الحكم إلى الحكومة المنتخبة برئاسة الصادق المهدي بعد انتخابات عام 1986.

وتحولت تلك اللحظة إلى قصة عربية ملهمة، كلما تعثرت تجارب الانتقال الديمقراطي عاد الناس إليها بوصفها الاستثناء الذي لم يتكرر.
لكن التاريخ لا يكتفي بالمشهد الأخير.

إنه يعود دائماً إلى الكواليس، ويطرح السؤال الذي يتهرب منه التصفيق: ماذا جرى قبل إسدال الستار؟ وماذا بقي في المسرح بعد خروج البطل؟
لا أكتب هذه السطور انتقاصاً من رجل شهد له خصومه قبل مؤيديه بالزهد في السلطة، وإنما لأن السودان، بعد أربعين عاماً، يستحق أن يعيد قراءة تلك المرحلة بعيداً عن القداسة وبعيداً عن الشيطنة. فالأمم التي لا تراجع تاريخها محكوم عليها أن تعيشه مرة أخرى.

لقد سلم سوار الذهب السلطة، وهذه حقيقة لا ينازع فيها أحد.
لكن السؤال الذي يشغلني ليس كيف خرج من القصر، وإنما كيف خرجت الدولة من عامه الانتقالي.

فالسلطة ليست مكتب الرئيس. السلطة هي الجيش، والأمن، والقضاء، والجامعات، والإدارة، والاقتصاد، والنقابات، وموازين القوة داخل المجتمع. وإذا سلم الحاكم مفاتيح القصر، لكنه ترك مفاتيح الدولة في اتجاه آخر، فإن التاريخ سيظل يطرح أسئلته مهما طال الزمن.

يرى كثير من السودانيين أن الحركة الإسلامية لم تصل إلى السلطة فجأة في الثلاثين من يونيو 1989، وإنما سبقت ذلك سنوات من التمدد الهادئ داخل مؤسسات الدولة.

ويرى هؤلاء أن المرحلة الانتقالية كانت إحدى المحطات المهمة في ذلك المسار، وأن نتائجها السياسية ظهرت لاحقاً مع انقلاب الإنقاذ.

قد يختلف آخرون مع هذا التفسير، لكن أحداً لا يستطيع أن ينكر أن الحركة الإسلامية كانت، يومها، الأكثر تنظيماً، والأقدر على استثمار التحولات التي أعقبت انتفاضة أبريل.

ثم جاءت حكومة الصادق المهدي.

كانت حكومة منتخبة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، لكنها لم تعش سوى ثلاث سنوات قبل أن يطيح بها انقلاب الثلاثين من يونيو، الذي قاده ضباط ينتمون إلى الجبهة الإسلامية القومية.

وهنا تبدأ المفارقة التي لا تزال تؤرق الذاكرة السودانية.
الرجل الذي احتفى به العرب لأنه سلم السلطة إلى حكومة مدنية، وجد نفسه، بعد سنوات، رئيسا لمجلس أمناء منظمة الدعوة الإسلامية، وهي مؤسسة ارتبط اسمها، في نظر كثير من السودانيين، بالمشروع الإسلامي الذي حكم البلاد لاحقا. كما ظلت تتردد، في الجدل السياسي السوداني، روايات عن ارتباط مقر المنظمة ببدايات انقلاب يونيو، وهي روايات بقيت محل نقاش بين الباحثين والفاعلين السياسيين، ولم يحسمها الرجل بنفسه.

وربما كان ذلك أكثر ما يثير الحيرة.

ليس لأن الناس يريدون إدانة سوار الذهب.

بل لأنهم كانوا ينتظرون شهادته.

فالرجل لم يكن شاهداً عادياً. كان رئيساً للدولة، وقائداً عاماً للجيش، ثم أحد أبرز الوجوه الإسلامية في العالم العربي والإفريقي.

وكانت لديه من المعرفة ما لا يملكه غيره عن تلك السنوات التي أعادت تشكيل السودان.

ثم جاءت قضية ضباط رمضان.
وهنا يزداد الصمت ثقلا. ظلت روايات كثيرة تتحدث عن وساطات، وعن وعود، وعن لقاءات سبقت إعدام الضباط، وعن أمل منحهم الأمان قبل أن تنتهي حياتهم أمام فرق الإعدام.

وقد بقيت تلك الروايات حاضرة في الوجدان السوداني، سواء اتفق معها الناس أو اختلفوا حول تفاصيلها.

لكن السؤال ظل معلقاً:
هل كان لسوار الذهب دور؟
إن كان نعم، فما هو؟
وإن كان لا، فلماذا لم يقل ذلك بوضوح؟
لقد عاش الرجل سنوات طويلة بعد تلك الأحداث، وكان يستطيع أن يكتب مذكراته، أو يسجل شهادته، أو ينفي ما يراه افتراء، أو يؤكد ما يعتقد أنه الحقيقة.
لكنه اختار الصمت.
وفي أحيان كثيرة، يصبح الصمت هو أكثر الشهادات إثارة للأسئلة.

لا أزعم أن سوار الذهب كان مسؤولا عن كل ما جرى بعده، فالتاريخ أعقد من أن يختزل في رجل واحد. ولا أقول إن السودان كان سيصبح بلداً آخر لو تصرف بطريقة مختلفة. لكنني أعتقد أن بعض الشخصيات تصبح، بحكم موقعها، مدينة للتاريخ بشهادة كاملة، لا بمجرد سيرة ذاتية.
لقد أحب العرب صورة الجنرال الذي تنازل عن السلطة.
أما السودانيون، فما زال كثير منهم يبحث عن صورة الرجل الذي عرف أسرار تلك المرحلة، ثم غادر الدنيا قبل أن يفتح الصندوق كله.

وربما لهذا السبب، لا يزال اسم سوار الذهب يثير الإعجاب عند قوم، والحيرة عند آخرين.

ولعل الإنصاف يقتضي أن نقول: لقد سلم السلطة بالفعل، لكن التاريخ لا يسأل الحكام فقط كيف غادروا الحكم، بل يسألهم أيضاً ماذا تركوا خلفهم، وماذا عرفوا، ولماذا اختاروا أن يحملوا بعض الإجابات معهم إلى القبر.

فالأوطان لا تعيش على الأمجاد وحدها.

إنها تعيش أيضا على شجاعة مراجعة تاريخها، مهما كان أبطال ذلك التاريخ محبوبين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى