أبكر آدم إسماعيل.. هل تكفي دفاتر الصراع لفهم السودان؟

بقلم : إبراهيم هباني

من بين المفكرين السودانيين الذين حاولوا تقديم تفسير متكامل للأزمة السودانية، يحتل الدكتور أبكر آدم إسماعيل مكانة خاصة.

فهو لا يكتفي بوصف الصراع، بل يحاول العودة إلى جذوره الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، باحثاً عن الأسباب العميقة التي أنتجت الدولة السودانية الحديثة واختلالاتها المزمنة.

في كتابه ” جدلية المركز والهامش.. قراءة جديدة في دفاتر الصراع في السودان” يقدم أبكر واحدة من أكثر الأطروحات جرأة وتأثيراً في العقود الأخيرة. وهي أطروحة تستحق الاحترام والنقاش، لا لأنها تقدم الحقيقة النهائية، وإنما لأنها تطرح أسئلة صعبة ظل السودان يتجنبها طويلاً.

غير أن قيمة أي أطروحة فكرية لا تكمن فقط في قدرتها على تفسير الواقع، بل أيضاً في قدرتها على استيعاب الاستثناءات التي يعج بها هذا الواقع.

هنا تحديداً تبدأ أسئلتي مع أبكر.

فحين يتحدث عن الجلابة بوصفهم فاعلاً تاريخياً أسهم في تشكيل علاقات السلطة والثروة، تبدو الحجة متماسكة في أجزاء كثيرة منها. لكن السودان الذي عرفته شخصياً كان أكثر تعقيداً من أن يُقرأ من خلال هذه الزاوية وحدها.

فأنا أنتمي إلى جغرافيا شمال النيل الأبيض، حفيد الناظر إدريس عبد القادر هباني والشيخ إبراهيم هباني. وهناك، في تلك المنطقة التي استقبلت السودانيين من الغرب والشرق والشمال والجنوب، لم يكن الناس يعرفون أنفسهم وفق التصنيفات التي أصبحت شائعة في الأدبيات السياسية الحديثة.

لم تكن الأرض تسأل القادم عن قبيلته، ولم تكن الخلاوى والمدارس تفتش في أصول طلابها.

بل إن الشيخ إبراهيم هباني جعل من التعليم مشروعاً عابراً للجهات، فاستقبل طلاب العلم من مختلف أنحاء السودان، وفتح أمام عدد منهم أبواب الدراسة في مصر وبريطانيا.

كما ارتبط اسم الناظر إدريس هباني بقيادة اجتماعية تجاوزت الانقسامات الضيقة، وأسهمت في بناء فضاء اجتماعي أكثر انفتاحاً مما تصفه كثير من السرديات المعاصرة.

لا أورد ذلك بوصفه رداً على أبكر، وإنما بوصفه سؤالاً على هامش مشروعه الفكري الكبير.

هل كان السودان فضاءً للصراع فقط؟

أم أنه كان أيضاً فضاءً للتعايش؟

هل كانت علاقات الهيمنة هي القصة الوحيدة؟

أم أن هناك قصصاً أخرى عن التعليم والتكافل والحراك الاجتماعي والاندماج الوطني لم تجد مكانها الكافي في دفاتر الصراع؟

ربما تكمن أهمية مشروع أبكر في أنه أعاد فتح ملفات ظلت مغلقة طويلاً. لكن أهمية السودان نفسه تكمن في أنه أكبر من أي تفسير واحد، وأوسع من أي سردية واحدة، وأكثر ثراءً من أن يُختزل في علاقة بين مركز وهامش أو بين غالب ومغلوب.

فإذا كانت دفاتر الصراع ضرورية لفهم ما حدث، فإن دفاتر التعايش ضرورية لفهم كيف بقي السودان قائماً رغم كل ما حدث.

وبين الدفترين، ربما توجد القصة الحقيقية للبلاد.

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى