البرهان رجلُ حربٍ نسيَ الدولة.

عثمان فضل الله

عثمان فضل الله

في لحظة تتسع فيها رقعة الجوع، وتتآكل فيها قيمة العمل، وتنهار الخدمات الأساسية، وتتحول الحياة اليومية لملايين السودانيين إلى معركة مرهقة من أجل البقاء، خرج القائد العام للقوات المسلحة ورئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان ليطلب من المواطنين الصبر على انقطاع الخدمات وغلاء المعيشة، قبل أن يضيف عبارته الشهيرة: «كنا وين وبقينا وين».

جملة قصيرة، لكنها حملت أكثر مما أراد قائلها ربما، لأنها لم تكشف عن قراءة سياسية للأزمة بقدر ما كشفت عن فجوة هائلة بين من يدير الدولة ومن يعيش داخلها.

أي مكان يقصده الرجل حين يقول: “بقينا وين”؟

هل يقصد مدنًا خرجت من الخدمة؟

هل يقصد أسواقًا أصبح المواطن يدخلها ليخرج منها خاسرًا حتى لو لم يشترِ شيئًا؟

هل يقصد أسرًا فقدت مصادر دخلها، وأصبحت تقيس الغذاء بالجرام والدواء بالحبّة؟

 

هل يقصد بلدًا تحوّل فيه السؤال من «كيف نتقدم؟» إلى «كيف نصمد حتى نهاية الأسبوع؟».

المشكلة ليست أن البرهان طلب من الناس الصبر. الشعوب تعرف الصبر أكثر من حكامها غالبًا، المشكلة أن الطلب جاء وكأنه منفصل عن الإحساس بحجم الثمن الذي يُدفع.

هناك فرق بين قائد يخاطب شعبًا يعرف آلامه ويصارحه بها، وقائد يبدو وكأنه يطلب من الناس تحمّل نتائج خيارات لا يعترف حتى بأنها نتائج

وهنا يبدأ السؤال السياسي الحقيقي.

منذ اندلاع الحرب، يتحرك البرهان كقائد جيش، ناسيًا أو متناسيًا أنه اختار منذ انقلابه على الحكومة المدنية أن يكون رأس السلطة الفعلية، والوجه السياسي للدولة، والمرجعية التنفيذية العليا، ومن يختار موقع الرئاسة لا يعود من حقه أن يتحدث كأنه مراقب للأزمة أو مجرد طرف عسكري فيها.

من يجلس على كرسي الدولة لا يُسأل فقط عن الجبهات.

يُسأل عن الخبز.

عن المدارس.

عن المستشفيات.

عن سعر الدواء.

عن المياه والكهرباء.

عن الأطفال الذين كبروا وسط النزوح وفي طرقات اللجوء.

وعن الناس الذين صاروا يعدّون خسائرهم بالأيام لا بالأعوام.

لكن الخطاب الذي خرج في الأيام الماضية بوجه باسم وملامح باردة كشف شيئًا مقلقًا: أن الرجل لا يزال يدير بلدًا بعقلية الميدان.

في عقلية الحرب هناك هدف واحد: هزيمة الخصم.

في عقلية رجل الدولة يجب أن يكون هناك سؤال أصعب: ماذا سيبقى من البلد بعد انتهاء المعركة؟

ويبدو أن هذا السؤال لا يحتل الموقع نفسه في سلم أولويات البرهان.

فالرجل يتحدث كما لو أن الانتصار العسكري وحده قادر على حل كل شيء، كأن الأسواق ستنتظم تلقائيًا، والعملات ستتعافى وحدها، والخدمات ستعود بمجرد إعلان الغلبة على الخصوم.

لكن لا المنطق ولا التاريخ يقول ذلك.

كم من حروب انتهت وبقيت البلدان مكسورة؟

كم من سلطات أعلنت الانتصار بينما خرج المجتمع مهزومًا؟

المشكلة أن خطاب الحرب الطويل يخلق وهمًا خطيرًا، أن كل شيء يمكن تأجيله إلى ما بعد المعركة.

المعيشة تؤجل.

الاقتصاد يؤجل.

السياسة تؤجل.

العدالة تؤجل.

الحياة نفسها تؤجل.

ثم يأتي يوم يكتشف الجميع أن ما تم تأجيله هو الدولة نفسها.

وفي السودان اليوم، هذا الخطر لم يعد نظريًا.

بلد يتآكل اقتصاده.

عملة تتراجع باستمرار.

قطاع إنتاج يتوقف.

تعليم يتراجع.

ومواطن أصبح يعيش دون الحد الأدنى من كل شيء.

وفي مواجهة كل ذلك، يبدو الخطاب الرسمي وكأنه لا يرى سوى خط النار.

هذه ليست قيادة دولة.

هذه إدارة معركة ممتدة.

وهنا تظهر المفارقة القاسية.

السلطة الحالية ترفض أن تُعامل كطرف عسكري، وتصر على شرعية الدولة وامتيازاتها، لكنها في المقابل تتعامل مع واجبات الدولة باعتبارها شأنًا ثانويًا.

تريد أن تُحسب لها الانتصارات، لكن لا تُحسب عليها الكلفة.

تريد سلطة الدولة دون أعباء الدولة.

وهذا لا يستقيم.

حين يجوع المواطن لا يهمه من بدأ الحرب.

حين ينهار الدخل لا يهمه من كسب الجولة.

وحين تنطفئ الكهرباء لا يسأل عن خرائط السيطرة.

هو ينظر فقط إلى من يحكم.

ومن يحكم يُحاسب.

 

ليس لأن كل شيء بيده، بل لأنه قبل أن تكون السلطة في يده.

وقد يقول البعض إن ظروف الحرب استثنائية.

صحيح.

لكن الظروف الاستثنائية لا تعفي الحاكم من المسؤولية، بل تضاعفها.

القائد الحقيقي لا يطلب من الناس الاحتمال فقط، بل يشعرهم أن الدولة تحاول تخفيف العبء.

أما أن يتحول الصبر إلى سياسة عامة، والمعاناة إلى واجب وطني، والغلاء إلى قدر، فهذا ليس برنامج حكم.

هذا إعلان عجز بصيغة خطاب.

والأخطر أن الدول لا تنهار فقط عندما تخسر الحروب.

أحيانًا تنهار عندما يقتنع قادتها أن الحرب وحدها هي الدولة.

وعندما يحدث ذلك يصبح الناس مجرد تفاصيل صغيرة على هامش مشروع كبير اسمه «النصر».

لكن لا يوجد نصر حقيقي في بلد يخسر أهله قدرتهم على العيش.

ولا يوجد انتصار في دولة يطلب رئيسها من الناس أن يصبروا بينما لا يقدم لهم سوى ولا حتى وعود مؤجلة، فقط يريدهم أن ينتشوا ويفرحوا بكم قتل هو من يصنفهم أعداء.

وقد يكون السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس: كنا أين وأصبحنا أين؟

بل، ماذا تبقّى من السودان بينما يبحث قادته عن صورة المنتصر؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى