عجز الإرادة الدولية في حماية السودان

بقلم : هويدا سنادة

نرى طحينًا دون أثر للخبز

نرى طحينًا دون أثر للخبز: عبارة سودانية بليغة تلخص المشهد الدولي تجاه السودان، مئات البيانات، عشرات الجلسات في مجلس الأمن، تقارير أممية موثقة بالصوت والصورة عن قصف الطيران للمدنيين، عن المجاعة، عن الاغتصاب كسلاح حرب، ومع ذلك لا خبز على الأرض، فهل الإدانة والشجب كافيان لحماية المدنيين؟ ولماذا نملك القانون والأدلة ومع ذلك نفتقد العدالة؟

الحقيقة المرة أن الإدانة والشجب لا يوفران حماية فعلية، بل يظلان مجرد (ظاهرة صوتية) ودبلوماسية مجردة من أدوات التنفيذ والتأثير على الأرض، وهذا العجز ليس عفوياً، بل هو بنيوي ومتعمد ويتلخص في الآتي:

أولاً: أسباب العجز القانوني والسياسي:

1 = ارتهان الإرادة بالمصالح –

القانون الدولي ليس منظومة تقنية تعمل تلقائياً بمجرد توفر الدليل، هو منظومة سياسية تتطلب إرادة من القوى الكبرى لتفعيله، عندما تتضارب حماية المدنيين في دارفور، كردفان، الخرطوم، الجزيرة مع مصالح النفوذ، وصفقات السلاح، والتنافس على البحر الأحمر والذهب، يركن القانون جانباً، القانون موجود لكن مفتاح تشغيله مرهون بالمصلحة.

2 = شلل آليات إنفاذ القانون – مجلس الأمن والفيتو:

إن أبرز مظاهر العجز تكمن في شلل مجلس الأمن، هذه الهيئة المنوط بها اتخاذ قرارات حسم تحت الفصل السابع لحماية المدنيين، وفرض حظر الطيران أو إدخال مساعدات قسراً، تحولت إلى ساحة لتصفية الحسابات، حق النقض (الفيتو) تحول من أداة لحماية السلم إلى أداة لحماية الحلفاء، وهكذا تبقى قرارات الفصل السابع معطلة ويغيب أي تهديد بعقوبات أو محاسبة على الانتهاكات، هذا الجمود ليس جديداً، لكنه في الحالة السودانية بلغ مستوى مكشوفاً من اللامبالاة، حيث تُرك الشعب لمصيره، بينما تتناقش العواصم مصالحها خلف الأبواب المغلقة.

3 = غياب الكلفة السياسية والاقتصادية:

طالما لا تشعر الأطراف المتحاربة، أو القوى الإقليمية الداعمة لها بأن استمرار الانتهاكات سيكلفها ثمناً باهظاً _ عقوبات اقتصادية حقيقية، عزلة دبلوماسية، ملاحقة جنائية دولية _ فإن بيانات الشجب والإدانة لا تعدوان كونهما إبراء ذمة إعلامية، ما يحدث اليوم هو سياسة (إدارة الصراع) وليس (حلة)، لا توجد كلفة لاستمرار القتل، ولذلك يستمر، الأطراف الخارجية تواصل إمدادات السلاح وتستمر ممرات الذهب بلا رقابة، بينما يقتصر الدور الدولي على عقد المؤتمرات واللقاءات التي لا يتبعها تنفيذ، الكلفة هي استمرار الحرب ومزيداً من النزوح والمجاعة والانهيار، لكنها كلفة يدفعها السودان وحده.

ثانياً: هل إبادة الشعب السوداني أضحت مطلباً دولياً؟

قد لا تكون الإبادة مطلباً دولياً صريحاً ومكتوباً في أجندات الدول، لكن الصمت والتقاعس الدوليين يتحولان عملياً إلى تواطؤ ضمني ورسالة خطيرة مفادها أن دماء السودانيين رخيصة في سوق السياسة الدولية، ويتجلى ذلك في نقطتين:

= إدارة الصراع لا حله وتحويل الكلفة الإنسانية إلى أضرار جانبية _

تفضل الأطراف الإقليمية والدولية مصالحها الاستراتيجية (الثروات – النفوذ – الموانئ على البحر الأحمر) على حساب حياة المواطنين، أصبحت معاناة الملايين مجرد (أضرار جانبية) في حسابات الربح والخسارة، هذا النهج يطيل أمد الحرب لأنه يجعل استمرارها مفيداً لبعض اللاعبين.

= ازدواجية المعايير الفاضحة _

تتجلى الفجوة الحادة والمؤلمة، في سرعة وقوة تحرك المجتمع الدولي في صراعات معينة، حيث تحرك الجيوش وتفرض العقوبات خلال أيام، مقارنة بالبطء والتجاهل الشديدين تجاه الأزمة السودانية، أكبر أزمة نزوح وجوع في العالم حالياً، هذه الازدواجية تفقد الأمم المتحدة مصداقيتها وتعمق الشعور بأن القانون الدولي يطبق على الضعيف فقط، المعايير الدولية تمارس بشكل انتقائي، ففي أزمات أخرى تتحرك آليات الحماية، أما في السودان فلا يتعدى الأمر بيانات قلق فقط.

فعلاً غياب للخبز رغم كثرة الطحين، نرى طحيناً كثيراً من التصريحات والوعود، لكن لا خبز على الأرض للمدنيين الجوعى!!

إنها أزمة إرادة سياسية وليست أزمة نصوص، إنها عجز متعمد، ناتج من حسابات باردة تتقدم على القيم الإنسانية، وما لم تتحول الإدانات إلى إجراءات وما لم يفرض ثمن حقيقي على منتهكي القانون الدولي بالقوة، سيبقى السودانيون يدفعون ثمن العجز الدولي بدمائهم وبيوتهم، لابد من تجاوز مرحلة الإدانة إلى آليات إنفاذ فعلية، وإلا فإننا نكرر تدوير الأزمة تحت لافتة (إدارة الصراع)، بينما يدفع الشعب الثمن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى