خالد بحيري.. مأساة سبعيني خدم الناس فعوقب بالسجن عشرين عاماً

محمد عبدالباقي
بينما كانت آلاف الأسر تهرب مذعورة من مدينة ود مدني بولاية الجزيرة في صباح الثامن عشر من ديسمبر 2023، بعد انسحاب الجيش المفاجئ وسيطرة الدعم السريع على المدينة، كان هناك رجل تجاوز السبعين من عمره، ظل جالسًا وحيدًا في ركن منزله بحي القسم الأول، الواقع في شارع البحيرية، في ود مدني.
هذا الرجل هو خالد بحيري، الكاتب والمؤرخ والناشط الاجتماعي.
في ذلك اليوم، كان بحيري يرهف السمع، بغير بهجة، إلى دوي المدافع وصراخ الأطفال والنساء، مترقبًا لحظة يخفت فيها إطلاق النار حتى يبدأ رحلة في الاتجاه المعاكس نحو قلب المدينة التي كان الجميع يفرون منها.
لا يريد الاستيلاء على ممتلكات الناس مثلما فعل البعض، ولا يبحث عن مأوى يختبئ فيه، بل كان يبحث عن أولئك الذين لم يستطيعوا الفرار، يبحث عن الشيوخ الذين قيّد العمر أقدامهم، والمرضى الذين أقعدهم المرض، والنساء اللواتي لم يجدن وسيلة للنزوح، والأطفال الذين وجدوا أنفسهم بين أزقة المدينة التي تحولت إلى ساحة حرب.
خرج بحيري يسير وحيدًا وحزينًا وغريبًا في المدينة التي ولد فيها عام 1955، ويحفظ شوارعها وأزقتها وأشجارها كما يحفظ ود أهلها.
كان كلما مر أمام منزل خلا من أهله، ازداد قلبه وجعًا وغمًا.
لم يحصِ الساعات التي قضاها في ذلك المشوار غير المحبب، لكنه عندما عاد إلى منزله في ذلك اليوم، شعر بأنه منهك وفارغ من الداخل، لا من كثرة المشي على قدميه، لكن من ثقل ما رآه وسمعه.
أغمض بحيري عينيه، فتراءت له صورة المدينة التي خلت من سكانها، وانقطعت عنها المياه، وسال دم الأبرياء على رمالها، وتناثرت الجثث على طرقاتها.
في تلك الليلة لم يتذوق الطعام، ولم تكتحل عيناه بالنوم، بل بقي متيقظًا حتى الفجر.
في الأيام التالية بدأ الطعام ينفد، والدواء يختفي، فيما بقي آلاف المدنيين المحاصرين داخل بيوتهم يعانون من العطش والجوع.
لم يمضِ وقت طويل حتى صار منزله مقصدًا لعشرات المدنيين الذين لم يأتوا للاحتماء، إنما جاءوا بحثًا عن الماء والطعام والدواء.
هذه مهمته التي كان يتكفل بها قبل الحرب، فبحيري ظل ناشطًا مدنيًا يسد الرمق ويوفر الدواء.
نهض الرجل السبعيني من جديد.
قسم المهمة إلى أجزاء، وقرر أن يكون الماء أولًا.
بحث عن فنّيّي هيئة المياه الذين يعرف أسماءهم ومنازلهم بحكم أنه ابن المدينة، وجمع بعضهم، واتفقوا على إعادة تشغيل محطة المياه وشبكة التوزيع.
وبحلول اليوم التالي، عادت المياه إلى منازل ود مدني.
لم يكن تدفق المياه من الصنابير داخل منازل المدنيين مجرد إصلاح لعطل فني، بل كان إعادة الحياة إلى أجساد آلاف الذين كانوا على وشك الموت عطشًا.
بعدها بدأ معركة أخرى، هذه المرة ضد الجوع.
كان بحيري يستيقظ قبل الثالثة صباحًا، يجمع الحطب بصعوبة، ويوقد النار تحت قدور ضخمة ليطهو الطعام، ومع حلول العاشرة صباحًا، كان مئات الجوعى يقفون في صفوف طويلة، بأيديهم أوانيهم الصغيرة، ليحصلوا على وجبة تسد رمقهم.
في نهاية كل يوم، كان يجد بحيري نفسه منهكًا ومتعبًا وغير قادر على الاستمرار، لكنه لم يسمح لجسده بالتوقف، فواصل.
ثم أضيفت إلى كاهله مهمة أخرى، الدواء والرعاية الطبية.
مع إغلاق المستشفيات، ونهب الصيدليات، واختفاء الأطباء، وانعدام الدواء، صار مرضى السكري والفشل الكلوي والأمراض المزمنة، والملاريا والتيفويد، وغيرها من الأمراض، يواجهون الموت كل يوم.
بدأ بحيري مهمة ثالثة، فاستخدم شبكة علاقاته الاجتماعية، وثقة الناس فيه، ليجمع الأدوية والعقاقير الطبية من هنا وهناك، وأقنع الأطباء القليلين والعاملين الصحيين الذين بقوا داخل المدينة بتقديم الرعاية الطبية للمحتاجين.
خلال نحو أحد عشر شهرًا، ظل آلاف المرضى يحصلون على الدواء والعلاج مجانًا، بجهود رجل تفانى لخدمة الناس في أسوأ اللحظات من تاريخ مدني.
رغم معاناته الشخصية، وإرهاق جسده الهزيل، كان يحمل احتياجات الآخرين على كتفيه، ويمشي على قدميه لقضاء شؤون الأرامل، والمسنين، والأيتام، والعالقين داخل المدينة من كل الأعمار.
لم يكن بحيري مجرد متطوع يقدم الخدمات في الوقت الذي ترك فيه الجيش الناس يواجهون مصيرهم، بل كان أحد أسباب بقاء آلاف الأرواح الهشة على قيد الحياة.
في الحادي عشر من يناير 2025، تفاجأ المدنيون في مدني بانسحاب الدعم السريع، ودخول الجيش إلى المدينة.
غير أن مغادرة الدعم السريع لم تكن نهاية الخوف.
امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بمقاطع مصورة توثق عمليات قتل وانتهاكات طالت مدنيين بقوا داخل المدينة طوال فترة سيطرة الدعم السريع، وبدأت حملات اعتقال واسعة، واختفى كثيرون، ولم يعرف مصير بعضهم حتى اليوم.
مر يومان قبل وصول قوة من جهاز المخابرات العامة إلى منزل خالد بحيري، طلبوا منه مرافقتهم لمقابلة قائدهم لتقديم الشكر له على جهوده في توفير الخدمات للمواطنين.
ما بدأت ظاهريًا كدعوة، كان في الحقيقة اختطافًا واختفاءً قسريًا.
اقتادوه إلى جهة مجهولة.
ثلاثة أشهر كاملة مرت دون أن تعرف أسرته مكانه.
يقول ابنه محمد بحيري لـ«أفق جديد»: «انقطعت أخباره ثلاثة أشهر، قبل أن نتمكن من معرفة أنه محتجز في سجن خارج المدينة».
كان خبر اعتقاله صادمًا للناس الذين عرفوه وهو يحمل الطعام والماء والدواء إليهم.
الرجل الذي بقي في المدينة عندما غادرها الجيش وحكومة الولاية، وجد نفسه متهمًا بالتعاون مع الجهة التي كان المدنيون جميعًا يعيشون تحت سيطرتها قسرًا.
لأشهر عديدة، ظل بحيري يتنقل بين المعتقلات والسجون، قبل أن يمثل أمام المحكمة.
تقول هيئة الدفاع إن المحاكمة افتقرت إلى أبسط معايير العدالة.
كان المتحري الذي دوّن أقوال بحيري أثناء التحري قد ألقي القبض عليه لاحقًا في قضية رشوة، وكان الشهود من المحتجزين، بينما تعرض محاموه لضغوط وتهديدات ومضايقات أثناء المحاكمة.
أما المتهم بحيري، فقد حُرم أثناء احتجازه من العلاج والرعاية الصحية، رغم تقدمه في السن، ومعاناته من عدة أمراض، واضطر إلى شرب مياه غير نقية، فتدهورت حالته الصحية، وظهرت عليه مؤشرات على إصابته بمشكلات في الكلى، وفق إفادة أسرته لـ«أفق جديد».
وفي نهاية المطاف، صدر الحكم: عشرون عامًا خلف القضبان.
يقول ابنه محمد: «لم تراعِ المحكمة عمره الذي تجاوز السبعين، ولا الظروف التي عاشتها المدينة، ولا حقيقة أنه كان يوفر الماء والغذاء والدواء للمدنيين».
ويضيف: «كثير ممن بقوا في المدينة لم يبقوا فيها بإرادتهم، بل أُعيدوا من الطريق إلى منازلهم، ومُنعوا من المغادرة، ووالدي كان واحدًا من الذين أُجبروا على عدم النزوح، ولا نعرف كيف أصبح بقاؤه في منزله وتطوعه لخدمة الناس جريمة».
لأكثر من عام، ظل خالد بحيري يتنقل بين السجون، إلى أن استقر أخيرًا في سجن الهدى بأم درمان، حيث يفترض أن يقضي عشرين عامًا في السجن.
فالرجل الذي قضى حياته مؤرخًا وكاتبًا، وأصدر سبعة كتب في التاريخ والثقافة، ولم يفعل خلال الحرب سوى أنه كان يُعد الطعام، ويوفر الدواء، ويسقي العطشى، حُكم عليه بالسجن المؤبد، لأن أفعالًا مثل إطعام الجوعى وإنقاذ العطشى صارت، في نظر القضاء، دليلًا على تقويض النظام من خلال التعاون مع الدعم السريع.
تبقى قضية خالد بحيري واحدة من أكثر القضايا غرابة وإثارة للأسئلة، فهل توزيع الطعام، وإسعاف المرضى، وإعادة المياه إلى المدنيين، جريمة توجب الحكم بعشرين عامًا؟
وهل يُحاكم المرء على بقائه في منزله عندما لم يكن النزوح خيارًا متاحًا له؟
أسئلة سوف تبقى معلقة على أسوار سجن الهدى بأم درمان، الذي يقبع داخله بحيري، بعد أن قرر مساعدة الناس في وقت الحاجة، فانتهى به الأمر محكومًا عليه بالمؤبد.





