السودان: جيوسياسية معقدة وفيدرالية متعثرة

بقلم: نمارق الجاك
يقع السودان في الجزء الشمالي الشرقي لقارة أفريقيا، وتشترك دولتا إريتريا وإثيوبيا مع البحر الأحمر في تشكيل حدوده الشرقية، في حين تحده مصر من الشمال، وتشاد من الغرب، وليبيا من الجهة الشمالية الغربية، وأفريقيا الوسطى من الجهة الجنوبية الغربية، ودولة جنوب السودان من الجهة الجنوبية.
ويرى الكاتب الصحفي علي تونجا إلى أفق جديد: «يقع السودان في منطقة تتقاطع فيها الدوائر العربية والأفريقية، ويطل على البحر الأحمر، ويجاور عدداً كبيراً من الدول، مما يجعله أحد أكثر بلدان المنطقة تعقيداً من الناحية الجيوسياسية، وأكثرها عرضة للتأثيرات الإقليمية والدولية». وانعكس هذا التعقيد على بنية الدولة المركزية التي استحوذت على السلطات والتعريفات، وتفاقمت المطالب المحلية بالتنمية والعدالة حتى تحولت إلى أزمات سياسية، ثم إلى نزاعات مسلحة.
إنه بلد مترامي المساحة ومتعدد اللغات، مما جعل نظام الحكم يورث الفيدرالية كنظام؛ حيث ترك الإنجليز ثلاثة مستويات حكم مركزية وثماني مديريات وقسماً إدارياً. وبعد الاستقلال رفض السياسيون التصويت لصالح الفيدرالية، وهُمِّش الجنوب ورُفِض التصويت لكي يحكم الجنوبيون أنفسهم. يقول عضو البرلمان ستانسلاوس – إذ لم يكن يرى الصراع بين الجنوب والشمال صراع أديان – قائلاً: «إننا لا نمانع في أن يجيء أحد المسلمين ويشيد مسجداً جوار كنيستنا»، ويستدل بآية من القرآن الكريم تقول: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾. غير أن النخب الشمالية أصرت على أن يُعرَّف السودان بأنه دولة مسلمة، رافضين الفيدرالية عدا قلة، وبذلك نشبت أول حرب أهلية. (1)
وبعد توقيع اتفاقية أديس أبابا، التي منحت أبناء الوطن المتحاربين أحد عشر عاماً من السلام، تجدد فتيل الحرب بسنّ قوانين الشريعة الإسلامية في عهد النميري. وفي عام 1989، وصل الإخوان المسلمون إلى السلطة، حيث عُلِّق قانون المجالس الشعبية، وأُعفي حكام الأقاليم، وعيّن مجلس ثورة الإنقاذ الوطني حكاماً عسكريين جددًا تحت سيطرة الرئيس عمر البشير آنذاك. وتبنى نظام الإنقاذ الفيدرالية، ووقّع اتفاقية السلام الشامل مع د. جون قرنق عام 2005، التي أفضت إلى دستور انتقالي.
ويُعتبر هذا الدستور من أهم وأشمل الوثائق الدستورية التي عالجت قضايا السودان، وعلى رأسها إنهاء الحرب بين الشمال والجنوب التي استمرت لمدة 50 عاماً، إضافة إلى قضيتي الدين والهوية في الدولة؛ كما أعاد صياغة شكل الدولة ومنح كلاً من الشمال والجنوب صفة استقلالية ثنائية، وحدد مصادر التشريع في كل منهما، حيث أبقى على الشريعة الإسلامية كمصدر رئيسي للتشريع في الشمال السوداني، واعتمد القيم المسيحية والأعراف المحلية مصادر للتشريع في الولاية الجنوبية. وأقرّ بالفيدرالية كنظام حكم، لكن المركز لم يكن جاداً في إحداث تحول ديمقراطي، ونتج عن ذلك انقسام دولة الوحدة إلى دولتين: منقسمة في الشمال، وهشة في الجنوب، وذلك في 9 يوليو 2011.
ولكي تكون هناك فيدرالية فعالة، يجب أن يكون الدستور شاملاً تنفذه مؤسسات متينة. «وما يُؤخذ على جميع النخب التي صاغت دساتير السودان المختلفة أنها جميعها اشتركت في حمل تركة الاستعمار من مركزة السلطة في الدولة بعيداً عن البِنى الاجتماعية الأخرى في الأقاليم السودانية المختلفة، وهذا السلوك خلق نوعاً من الانفصال بين هذه المجتمعات والدولة، حيث أصبحت تنظر للثانية بصورة المُستعمر الذي يريد أن ينهب ثروات أراضيهم البكر. كما استغل زعماء وقادة هذه المجتمعات هذا الانفصال عن الحكومات المركزية في تحويل هذه النظرة إلى عداء، وتحويل المجتمعات إلى وسائل ضغط على الحكومات لتحقيق بعض المنافع العامة والكثير من المنافع الشخصية. وعليه، فإن انفصال الحكومات المركزية ومراكز اتخاذ القرار في الحكومات السودانية المتعاقبة أدى إلى ترسيخ مفهوم فوقية هذه النخب والحكومات على مجتمعات الأقاليم المحلية». (2)
وفي ديسمبر 2019، قاد الشعب السوداني ثورة عظيمة أسقطت نظام الإنقاذ، ونتج عنها لاحقاً توقيع اتفاقية سلام مع الحركات المسلحة في جوبا، أقرت بالحكم الذاتي لإقليمَي دارفور والنيل الأزرق، في حين تعنتت بعض الحركات المسلحة التي لم تكن ترى في الفيدرالية حلاً، بل تفضل الانفصال.
وبغض النظر عن التقسيمات والمنعطفات التاريخية التي مرت بها الفيدرالية في السودان، فقد كانت تنقصها الحرية المالية؛ إذ تشمل الفيدرالية جوانب سياسية وإدارية ومالية. ويرى الدكتور إبراهيم البدوي، المهتم بالفيدرالية المالية، بروز الجيوسياسية المحلية كبديل اقتصادي، وأن «هذا الإفلاس المالي الإقليمي لم يترك فراغاً فحسب، بل حوّل الأقاليم المأزومة إلى بيئة هشة ومستباحة؛ حيث استغلت قوى الحرب والتدخلات الإقليمية حاجة المجتمعات المحلية والقبائل لتمويل أنشطتها، فتحولت الموارد الذاتية للأطراف (كالذهب في دارفور وشرق السودان، والمحاصيل النقدية مثل الصمغ العربي في كردفان) من روافد كان يُمكن أن تُبنى عليها فيدرالية تنموية حقيقية، إلى “وقود” لتغذية أمراء الحرب وربطهم بشبكات تهريب وتجارة عابرة للحدود تخدم أجندات جيوسياسية خارجية».
تُعد الفيدرالية آلية من ميكانيزمات إدارة التنوع؛ حيث يرى الكاتب الصحفي علي تونجا في حديثه إلى منصة «ألترا» أن الفيدرالية طُرحت في السودان بوصفها حلاً لإدارة التنوع، لكنها في التطبيق كانت شكلاً إدارياً أكثر من كونها نظاماً لتوزيع السلطة والثروة؛ فلم تمتلك الولايات سلطات كافية، ولا موارد مستقلة، ولا قدرة فعلية على إدارة شؤونها، مما أبقى المركز هو المتحكم في القرار والموارد.
تمثل الأنظمة الفيدرالية واللامركزية عناصر أساسية في إستراتيجيات بناء السلام وتأسيس الدولة، حيث تُعد مكونات رئيسية لحل النزاعات والصراعات في بيئات متعددة الأعراق (3)، كما هو الحال في السودان؛ إذ توفر هذه الأنظمة إطاراً ضرورياً لمعالجة مطالب الجماعات العرقية والإثنية مع الحفاظ على السيادة الإقليمية للدول.
وتدعم الأدبيات التاريخية فكرة أن توزيع السلطات بطريقة متوازنة يسهم بشكل ملحوظ في خفض مستويات النزاع والصراع، علاوة على ذلك يساعد تقسيم السلطة داخل الدولة على إنهاء النزاعات الداخلية، ويقدم ضمانات للأطراف المختلفة لمنع احتكار السلطة وتعزيز الاستقرار. (4)
يقول أستاذ السياسات العامة بكري الجاك المدني بشأن الفيدرالية: «لو طرحنا الفيدرالية كنظام حكم وأراد جزء الانفصال فمن حقه أن ينفصل، لكن الفيدرالية بديل لمعالجة الإخفاقات في إيجاد تنمية متوازنة واقتسام الموارد بشكل عادل، وهناك ضرورة لوجود نظام حكم إداري يعطي كل الأقاليم شعوراً بأنهم مسيطرون على مواردهم ومساهمون في فكرة الدولة والوطن بشكل عام».
ومع ذلك، قد يغفل الداعمون لتطبيق النظام الفيدرالي بوصفه حلاً للصراعات في المجتمعات ذات التقسيمات العرقية والإثنية الآثارَ السلبية طويلة الأجل لمثل هذه الإستراتيجيات؛ فعلى الرغم من الفوائد قصيرة الأجل، تشير التحليلات إلى أن تطبيق الحكم الفيدرالي قد يفضي إلى مطالبات متزايدة بالحكم الذاتي من الجماعات الإثنية والعرقية، مما يعمق الانقسامات القائمة ويشجع على رؤية الجماعات ككيانات منفصلة بدلاً من كونها جزءاً موحداً من الدولة. (5)
في بلد لم يستجمّ من هجير الحروب، وبلا دستور دائم أو رؤية تحوّل التراث والتنوع إلى فاعلية سياسية تتوج بمشروع وطني طموح، ولكن نخبه تستغل الجماهير من خلال تكرار العنف، فإن الحديث عن الفيدرالية يجب أن تُراعى فيه المراسيم التي تحد من تدخل المركز، وتمنح حرية مالية في ظل وجود بنية تحتية مالية وإدارية متينة، مع إعادة تحديث الإدارات الأهلية بطريقة تحافظ على استقرار المجتمع، بحيث يشارك المجتمع المدني في صنع السياسات. إن وجود نظام فيدرالي دون عدالة ومساواة في توزيع الفرص ونشر الوعي يجعل النظام هشاً، وفي حال لم تتوفر الإرادة السياسية، تعيد المركزية نفسها بأدوات جديدة. لكل نظام مزايا وعيوب، والقول الفصل للشعب في كيف يريد أن يُحكم، ومسألة المساواة يعالجها الخبراء وتجارب الشعوب السودانية – وما أكثرها! ولكن ما من معتبر.
المراجع:
1- السودان الوحدة الوطنية الغائبة، يوسف محمد علي، صفحة 54.
2- التجارب الدستورية في السودان، دكتور أحمد عبد الحافظ، مقال.
3- Keil & Anderson.
4- Donald L. Horowitz, Ethnic Groups in Conflict
(Berkeley: University of California Press, 2000).
5- Philip G. Roeder, “Ethno Federalism and the Mismanagement of Conflicting Nationalisms,” Regional & Federal Studies, vol. 19, no. 2 (2009).





